الدراسة في رمضان
0

مع اقتراب رمضان شهر الصيام يستبد القلق بالطلاب ويدور في خلدهم سؤالٌ واحد “كيف سندرس على معدةٍ خاوية وبدون قهوة؟” في مقالنا اليوم سنطمئن قلقك بل وسنفاجئك بمعلوماتٍ قد تدفعك ليصبح الصيام جزءاً دائماً من روتين حياتك ووسيلتك للمحافظة على التركيز أثناء الدراسة.

بدأ مفهوم الصيام بشكلٍ عام منذ زمنٍ قديم، وهناك أدلةٌ تشير إلى أنّ المصريين القدماء صاموا في أيامٍ متفرقة من العام وكان هدفهم من الصيام أخلاقياً، كما تحدّث أفلاطون الفيلسوف اليوناني عن الصيام قائلاً “أصوم لزيادة الكفاءة الجسدية والعقلية”، وبالنسبة للرومان فقد استخدموا الصيام كعلاجٍ لنوبات الصّرع؛ حيث كانوا يحجزون المصاب في غرفةٍ ويمنعون عنه الطعام لفترةٍ زمنية، أمّا اليوم يمارس الصيام بشكلٍ واسعٍ وبطرقٍ متنوعة وسواءً كنت تمارسه كطقسٍ دينيّ أم لا فإن فوائده حقيقيةٌ يؤكّدها العلم.

الصيام من منظورٍ علميّ

الدراسة أثناء الصيام: العلم وراء الصيام

خرافات نكرّرها جميعنا

تنتشر في يومنا هذا العديد من الخرافات بشأن الطعام التي نتبع الكثير منها في حياتنا ونعتبرها صحيّةً وضرورية، ومنها على سبيل المثال:

  • وجبة الإفطار أهم وجبةٍ في اليوم.
  • بدل أن تأكل وجباتٍ كبيرة ثلاث مرات في اليوم، قسّمها إلى وجباتٍ صغيرةٍ عديدة على طول اليوم.
  • حجم الوجبة يسبّب مشاكل أكثر من عدد الوجبات.
  • الصيام يسبب ضعف التركيز.

أثبتت دراسات عديدة أن كل ما ذكر سابقاً عبارة عن خرافاتٍ عاريةٍ عن الصحة وأهم مسوّقٍ لها شركات الأغذية والأدوية.

تريد الدليل والإثبات؟ إذاً تابع القراءة، لكن دعنا أولاً نتعرّف على أنواع الصيام وتحت أيّ نمطٍ منها يندرج صيام شهر رمضان.

أنواع الصيام

هل سمعت من قبل بالصيام المتقطّع؟ يُقصد به تحديد وحصر أوقات الطعام بمواعيد ثابتة ومحددة والامتناع عنه كليّاً خارج هذه الأوقات، تختلف هذه المواعيد وطريقة التقسيم من نمطٍ لآخر ومنها:

يوم صيام ويوم طعام

يمتنع الصائم في هذا النمط عن الطعام لـ 24 ساعةً كاملة، في اليوم التالي يتناول الطعام كما اعتاد لكنّه يحرص على أن يكون طعامه صحياً فيبتعد عن الكربوهيدرات ويتّجه لتناول الأغذية الغنية بالدهون المفيدة.

كُل خمساً واحرص في يومين

يتناول متبعو هذا النمط الطعام كما اعتادوا لمدة 5 أيام ٍفي الأسبوع، ويختارون يومين يتناولون فيها 500 سعرة حرارية فقط في وجبةٍ واحدة في اليوم.

نظام 18: 6

الدراسة أثناء الصيام: الصيام المتقطع

يعتبر هذا النمط الأقرب إلى صيام شهر رمضان، حيث يتناول الصائم الطعام خلال 4 إلى 6 ساعات ويمتنع عنه باقي اليوم فتستمر ساعات صيامه 18 إلى 20 ساعة، يعد هذا النّمط الأكثر فاعليةً وفائدة للجسم والعقل.

ما تأثير الصيام على جسدك وعقلك؟

حين نتناول الطعام يُخزّن الكبد المواد السكرية على شكل غلوكوجين ومن ثم يطرحه في الجسم على شكل غلوكوز كمصدرٍ للطاقة وهو المركّب الذي نعتمد عليه في أغلب الوقت لأداء مختلف النشاطات الجسدية والعقلية. ما يحدث بعد 10 إلى 12 ساعة من الصيام، أن مخزون الغلوكوز يصبح في مستوياتٍ متدنية فلا يستطيع جسمنا الاعتماد عليه لتحرير الطاقة فيبحث عن مصدرٍ آخر، وهنا يأتي دور الدهون؛ يبدأ الجسم بطرح الخلايا الدهنية في مجرى الدم والتي تصل إلى الكبد فيحولها بدوره إلى طاقة يستهلكها الجسد والدماغ.

إذاً أين تكمن فائدة الصيام على الدراسة هنا؟ بالإضافة لخسارة الوزن فإن عملية حرق الدهون تُفرز مادةً كيميائية تدعى الكيتون والتي تحفّز بدورها الدماغ على إفراز عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ BDNF وهو البروتين المسؤول عن تقوية الأعصاب والاتصالات العصبية وكذلك التّعلم والذاكرة، كما أن الكيتون يساعد في تهدئة وعلاج نوبات الصرع، ويسهم في تثبيط إفراز هرمون IGF-1 المسؤول عن الشيخوخة.

يحفّز الصيام كذلك عمليةً خلوية تُعرف بالالتهام الذاتي autophagy، حيث تبتلع الخلايا تلك التالفة وتعمل على تجديدها، وقد اكتشف هذه العملية العالم الياباني يوشينوري أسومي عام 2016، فيما أكّد لاحقاً أستاذ علم الوراثة العصبية الجزيئية في جامعة كامبريدج ديفيد روبنزتن دور الصيّام في تنشيط هذه الآلية وقد طبّق ذلك على مجموعةٍ من فئران المختبر وبالفعل لُوحظ أن نشاطها قد تحسّن وأعمارها طالت.

في الحقيقة، يمكنك تحفيز هذه العملية بطريقةٍ أخرى غير الصيام وهي ممارسة الرياضة وقطع الكربوهيدرات واعتماد أطعمةٍ صحية وغنية بالدهون المفيدة، لكن وبحسب الدكتور مارك ماتسون من جامعة هوبكنز فإن الصيام يرفع معدل الكيتونات بشكلٍ أكبر حتّى أنّه يسهم في تقليل خطر الإصابة بالزهايمر وأنواع السرطان المختلفة على المدى الطويل.

يمثّل الصيام لدماغك تحدٍّ، وإن اتبعته كنظام ٍدائم -مع شرب الماء خارج شهر رمضان- سيصبح التحدي عبارةً عن دوراتٍ متعاقبة من التحدي والراحة ما يحسن المرونة العصبية ومقاومة الدماغ للإجهاد.

نصائح للدراسة خلال فترة صيام رمضان

لا تكمن الصعوبة هنا في الامتناع عن الطعام كما لاحظنا من الدراسات سابقاً، لكن التحدي يتمثّل في الامتناع عن الماء. ما من داعٍ للقلق فقد حضرنا لك مجموعةً من النصائح التي ستساعدك وتجعل من هذا الشهر فرصةً ذهبية للدراسة والتركيز.

الدراسة أثناء الصيام

نظّم وقتك واخلق روتيناً خاصاً بك

قد تكون في فترة انقطاع عن الدوام للدراسة، وربما ما تزال مضطراً لأن تحضر حصصك الدراسية لتعود بعدها منهكاً إلى منزلك، لذا من المهم أن تعمل على وضع برنامجٍ محددٍ للدراسة خلال الصيام وعلى طول الشهر وأن تحاول الالتزام به ليعتاد كلّ من جسدك ودماغك عليه.

مواعيد الدراسة في رمضان

قد يختلف الموعد الأفضل للدراسة بين شخصٍ وآخر؛ فهناك من يفضّل الدراسة خلال النهار أو العكس. إن كنت ممن يفضلون الدراسة خلال النهار فاحرص أن تستيقظ مبكراً، وإن كنت ممن يركز بشكل أفضل بعد مغيب الشمس فانتظر ساعتين بعد الإفطار قبل أن تبدأ بالدراسة، وفي كلتا الحالتين احرص على أخذ فترة راحة بين جلسات الدّراسة ولا تجهد نفسك لوقتٍ طويل. بإمكانك أيضاً أن تنظّم مواعيد دراسة جماعية أثناء الصيام ما سيشجعّك على الالتزام أكثر لكن تأكد من اختيار أشخاص يرغبون بالدراسة فعلاً حتى لا تضيع وقتك.

النوم

لا بدّ أن مواعيد نومك ستضطرب خلال شهر رمضان لكن عليك أن تتأكد من حصولك على 7 ساعات من النوم كحدٍّ أدنى حتى وإن كانت موزّعة بين الليل والنهار، يُنصح ألا تطول مدة قيلولة النهار عن 30 دقيقة في كلّ مرة. احذر أن تفرط في النوم خلال النهار إذ أنه وفي دراسة أُجريت في جامعة هارفرد في قسم التمريض ثبُت أن أولئك الذين ينامون لأكثر أو أقل من 8 ساعات تشيخ أدمغتهم أسرع من الذين يحصلون على نومٍ معتدل، ما يؤثر بدوره على مختلف النشاطات الدماغية كالتذكّر والإدارك.

نظّم ما ستدرسه وقسّمه على فترات

بين فترة الإفطار والسحور

حضّر لما ستدرسه خلال اليوم وابدأ بتلخيص المواد؛ تأكد من أن تكون أوراق الدراسة خاصتك منظمة لأبعد حدٍ وسهلة القراءة. بإمكانك أيضاً أن تحضّر بطاقات استذكار بأهم المعلومات والتي ستُمكّنك من مراجعة المواد الدراسية أثناء الصيام بسرعةٍ وكفاءة.

خلال الصيام

ابدأ نهارك بدراسة المعلومات الأكثر كثافةً وصعوبة، استخدم الملخصات التي حضّرتها والأهم ألا تقسو على نفسك وكما ذكرنا اجعل جلسات الدراسة قصيرةً وخذ استراحاتٍ قصيرة بين الجلسات الدراسية.

قد يهمّك أيضاً: قراءات شهر رمضان: كتب تمزج بين الأدب و التاريخ و الفكر الإسلامي

اجعل لطعامك وشرابك من تخطيطك نصيباً

الدراسة أثناء الصيام: الأكل الصحي

اختر أطعمةً مغذيّةً للدماغ تعينك على الدراسة في الصيام

إليك بعض التوصيات وفوائدها:

بذور اليقطين: غنية بالعديد من المغذيات المهمة لوظيفة الدماغ، مثل النحاس والحديد والمغنيسيوم والزنك.

البروكلي: يحتوي البروكلي على عددٍ من المركبات ذات تأثيراتٍ قويةٍ وتعمل كمضادٍ للأكسدة وللالتهابات.

الشاي الأخضر: لا ليس لأنه “شراب التنحيف العجيب!” بل بفضل دوره الممتاز في دعم وظائف العقل إذ يعزز محتواه من الكافيين اليقظة، بينما تعمل مضادات الأكسدة فيه على حماية الدماغ.

المكسرات بأنواعها: تحتوي المكسرات على مجموعةٍ من العناصر الغذائية المعززة للدماغ بما في ذلك فيتامين E والدهون المفيدة.

الشوكولا الداكنة والخالية من السكر: قد تساعد مركبات الفلافونويد الموجودة في الشوكولا في حماية الدماغ. أشارت الدراسات إلى أن تناول الشوكولا يمكن أن يعزّز الذاكرة والمزاج.

الأسماك بأنواعها: يلعب الأوميغا-3  دوراً هاماً في تحسين الذاكرة وتعتبر الأسماك مصدراً هاماً له، إن لم تكن من محبي الأسماك بإمكانك الاستعاضة بحبوب الأوميغا-3.

لا تسرف في تناول الطعام

على الأخص في وجبة الإفطار إذ أن ذلك يؤثر على تركيزك وذاكرتك على المدى القصير بينما سيسمح لك التخطيط البسيط لوجباتك والاكتفاء بتناول ما يُشعرك بالشبع باستغلال الفترة التالية للإفطار في الدراسة، بالإضافة للمخاطر العديدة طويلة الأمد التي يمكن أن تعاني منها إن بالغت في تناول الطعام وذلك حسب دراسة أجرتها الأكاديمية الأمريكية للأعصاب بيّنت أن ذلك يؤدي لزيادة احتمال الإصابة بالزهايمر وضعف الإدراك البسيط MCI.

لا تنس أنك بحاجة للسوائل

من المهم جداً أن تحرص على شرب كمياتٍ كبيرة من الماء بين فترة الإفطار والسحور؛ يوصي الخبراء بشرب 11 كأس ماءٍ يومياً تقريباً (يتبع ذلك لكتلة جسمك ونشاطك) وبإمكانك أن تستبدل إحدى كؤوس الماء بكأس عصير لكن ابتعد عن كلّ ما أضيف له السكر وتأكّد من كون العصير طبيعياً لتضمن أكبر فائدة.

أساسيات الدراسة

رتب مكان دراستك

من الصعب بشكلٍ عام أن يركّز المرء في الدراسة بينما تعمّ الفوضى حوله، لذا ابدأ بترتيب المكان وتنظيفه وتهويته بشكلٍ جيّد، حاول كذلك ضبط درجة حرارة المكان وعلى الأخص في فترة الصيف كي تخفف قدر الإمكان من التعرق واستهلاك جسدك للسوائل في فترة الصيام.

ضع كلّ ما ستحتاجه في متناول يدك

حتى لا تُجبر على النهوض في كلّ مرة لتجلب قلماً أو ممحاة ضع كلّ ما تحتاجه في متناول يدك، خطط مسبقاً لمعرفة الأدوات التي ستحتاجها أثناء جلسة الدراسة وضعها بطريقةٍ مرتبة بالقرب منك.

أغلق هاتفك النقّال

ضع هاتفك بعيداً عن متناول يدك أو أغلقه، صدقني لن تحتاجه إلا إن كنت تدرس بالفعل باستخدامه وهنا بإمكانك استخدام إحدى البرامج أو الإضافات على المتصفح والتي ستمنعك من تفقد مواقع التواصل الاجتماعي ومنها:

Stayfocused: تمنعك هذه الإضافة من تصفح المواقع التي تختارها بعد أن ينتهي الوقت الذي حددته لتصفحها.

Forest: يسمح لك هذا التطبيق بزراعة أشجارٍ افتراضية كلما أنهيت جلسة دراسةٍ ناجحةٍ عليه.

Freedom: يتوفر هذا البرنامج على أجهزة الحاسوب والهواتف المختلفة ويعمل كذلك على حجب المواقع وزيادة إنتاجيتك.

نترك النصيحة الأهم لنهاية المقال، وهي نصيحة يشيد بها جميع الخبراء والعلماء الذين عملوا على دراسة الصيام المتقطّع بما فيهم عالم الأعصاب الأمريكي مارك ماتسون، وهي التدّرج.

قبل أن يبدأ شهر رمضان وتُفاجأ بساعات الصيام الطويلة، ابدأ الآن بالتحضير للصيام فامتنع في البداية عن الطعام لفتراتٍ محددة وزدها تدريجياً، كذلك الأمر بالنسبة للقهوة؛ ابدأ بتعديل أوقات فنجانك المعتاد وخفّف منها خلال اليوم. ضع برنامجاً للروتين الذي ستتبعه وطبّقه قدر المستطاع حتى تصل إلى بداية الشهر وقد تعوّد جسدك ودماغك على النّظام الجديد. ستلاحظ في نهاية الأمر أن الصّيام يجعلك أكثر إنتاجيةً بدل أن يسبب لك الخمول.

نتمنى لك دراسةً ممتعة وتحقيق أفضل النتائج!

اقرأ أيضاً: حميات رمضانية تكفل لك الخروج بشكل مختلف وصحي من رمضان

0

شاركنا رأيك حول "دون كافيين وعلى معدة خاوية، إليك أفضل النصائح للدراسة أثناء الصيام في رمضان"