خلدون سنجاب وكلّ الحكاية، بارزة
0

لم تبدأ حكاية خلدون سنجاب يوم انتسب إلى جامعة الشارقة ولم تنتهِ بتخرجهِ منها، ولم تبدأ بنزوحه إلى لبنان عام 2013 ولم تنته بوصوله إلى الإمارات عام 2016.

هي حكاية ذات شجون، ليس خلدون وحده فيها هو المعجزة، بل والداه اللذان لم يفقدا إيمانهما به، وبعد ذلك زوجته التي آمنت به وأحبت عقله المنفتح وشكّلت معه عائلة صغيرة لوّنت حياته.

عائلة خلدون سنجاب

بداية حكاية خلدون سنجاب

عمرُ حكايته 27 عاماً، كان فتى في السابعة عشرة من عمره، حصل على الثانوية العامة بتفوق، وخرج في رحلة للاستجمام على شاطئ طرطوس السورية. وهناك حصل ما لم يكن بالحسبان بالنسبة لشابٍ يتقن السباحة كخلدون.

رمى بنفسه من القارب ليسبح، فتلقّفته صخرةٌ صلبة في القاع قرب الشاطئ، أصيب إثر ذلك بشللٍ رباعيٍ تام، فلم يبق له من جسده سوى عقله المنفتح على المعرفة، وقلبه النابض بالحب. وبالحب والمعرفة استطاع أن يحقّق أكثر مما يحققه الكثير من الأصحّاء. ليُلَقّب بالرجل المعجزة.

لم يتردّد والده المهندس المعماري عبد الكريم سنجاب في إرسال صور الرنين المغناطيسي التي توضّح حالته إلى دولٍ عُرِفت بتطوّر الطّب لديها، من انكلترا إلى فرنسا والسويد وكندا وغيرها، وكان الجواب واحداً: لا علاج.

خلدون سنجاب ووالده

لازم خلدون سريراً تحيط به الأجهزة الطّبية، كانت غرفته شبيهةً بمشفى، فهو لا يستطيع التنفس إلّا من خلال جهاز تنفسٍ كهربائي رابضٍ على عنقه.

كتب خلدون سنجاب على صفحته على الفيسبوك: “كان حلم والديّ أن أدرس في الجامعة، وبالأخص والدتي رحمها الله، لكن بعد تفوّقي في الشهادة الثانوية وفي اليوم الذي سبق تسجيلي في الجامعة، تعرّضت لحادثٍ في البحر سبّب لي شللاً في أعلى المستويات، وكما أخبر الأطباء والدتي أنّه لا أمل لي بالشفاء أخبروها أيضاً أنّه لا أمل لي بالحياة فلربما لن أعيش أكثر من ستة أشهر، وقوّضوا بذلك كل الأحلام في الدّراسة والجامعة والحياة”.

بلسانه وشفتيه، استطاع أن يغيّر حياته

شغف خلدون سنجاب بالإلكترونيات دفع والدته لتسجّل له في كلية الإلكترون جامعة دمشق. لم تفقد أمّه إيمانها به رغم ما حصل له، ولم تشأ أن تضيع عليه فرصة الانتساب للجامعة التي لم تطأها قدماه.

يقول خلدون: “وعلى الرغم من ذلك سجّلتني والدتي في جامعة دِمَشْق كلية الإلكترون التي طالما حلمتُ بها، مع أنّنا كنا مختلفَين على الاختصاص تتمناني طبيباً وأردت البرمجة، توفيت أمّي وهي تأمل أن أشفى يوماً وألتحق بالحامعة. ولكن ما زرت الجامعة يوماً، وما خطوتُ خارجَ المنزل إلا للمشفى والعودة مجدداً إلى البيت”.

ولكنّه مع ذلك تعلّم أكثر مما يمكن أن يتعلمه في الجامعة، قرأ الكثير وجرّب الكثير، ليغدو من أهم مبرمجي الحاسوب ويعمل في إحدى شركات البرمجة في زمنٍ كان فيه العمل عن بعد ما زال يعاني من صعوبات.

كانت الأوراق توضع على لوحٍ زجاجي فوق سريره ليقرأ، بينما يحرك فأرة الكمبيوتر بلسانه وشفتيه ليتحكم بالشاشة التي تعلو رأسه أيضاً. يقول خلدون: “بعد اختراع الماوس الحديثة بات الأمر أسهل”؛ فقد كانت عبارة عن كرة وأزرار بينما أصبحت الآن تعمل على اللمس فبات التحكم بها بلسانه وشفتيه أسهل.

خلدون سنجاب: عمله بالسرير

كوّن أسرة صغيرة لوّنت حياته

يسرا هلال سيدة لفتت نظرها حكاية خلدون، فأرادت أن تطّلع على حياته كما يفعل الكثيرون الذين يزورونه ليعرفوه عن قرب، زارته برفقة أختها.

ساعدها في دراستها رغم إعاقته

في معرض الحديث أخبرته أنّها تكمل دراستها ولكنها تجد صعوبة في مادة الفيزياء فعرض عليها المساعدة. فرحت بذلك وبدأت معه رحلة التّعلم، تقول يسرا: في البداية كنت أجد صعوبةً بالفهم عليه، ليس بسبب أسلوب شرحه، وإنّما بسبب صعوبة النطق لديه، وكثيراً ما كان يضطّر لكتابة ما يريد قوله.

كانت هذه بداية علاقةٍ جميلة ربطت خلدون سنجاب بيسرا لتتوَّج بالزواج.

خلدون سنجاب وزوجته

فوجئ أهلها بطلبه للزواج منها

يقول خلدون: فوجئ أهلها بأنني أطلب يدها وفوجئت بالموافقة. يسرا إنسانة لا مثيل لها وأنا أحبّها جداً من كلّ قلبي.

تقول يسرا: لم أكن أفكّر بالزّواج من أجل ابنتي جودي. ولكن أحببت أن ألوّنَ حياة خلدون، وجودي تحبّه وتساعدني كثيراً بما أقوم به، وهو يحبّها ولا يراها إلا ابنة له.

مع أنها أنجبت لخلدون ريحانة وعبد الكريم إلاّ أن جودي بقيت الابنة الكبرى التي تساعد والدتها في العبء الملقى على كاهلها.

النزوح أوّله معاناة وآخره فرج

لم يكن تأثّر خلدون سنجاب بالحرب كما غيره، فمع أنّه فقد بيته الكائن في “عين ترما” في محيط دمشق إلّا أن هذا لم يكن سبباً للنزوح.

خلدون سنجاب في سرير المشفى

انقطاع الكهرباء انقطاع للحياة عند خلدون سنجاب

الحادثة التي تعرض لها خلدون لم تتسبّب فقط بشللٍ في عضلات الأطراف، بل وصل الشلل إلى عضلة الحجاب الحاجز، وبالتالي فهو غير قادر على التنفس كعمليّة حيويّة لا إرادية يقوم بها الجسم بفضل تقلّص واسترخاء عضلة الحجاب الحاجز. فتنفّسه منذ الحادثة يعتمد على أجهزة موصولة بفتحة في عنقه إلى جهازه التنفسي، تقوم بضخ الهواء في رئتيه. ولأنّ هذه الأجهزة تعمل على الطّاقة الكهربائية، فالكهرباء هي الحياة بالنسبة لخلدون.

إلى لبنان عام 2013

حين لم يعد البقاء ممكناً، خرج خلدون وعائلته مع من خرج إلى لبنان. عاش في لبنان ثلاث سنواتٍ عانى فيهما بسبب ظروف الحياة هناك، فلبنان أيضاً لديه معاناة بالطاقة الكهربائية، هذه المعاناة التي كادت تودي بحياة خلدون عدة مرات. لتبدأ المناشدات لإنقاذه؛ فقد عانى في لبنان أكثر ممّا كان يعاني في سورية. أخذت المناشدات منحىً إلكترونياً إذ تمّ طرح مشكلته عبر موقع آفاز لمساعدته على طلب اللجوء في بريطانيا، بعد أن رُفض طلبه للجوء إلى كندا. لكن قدرَه كان إلى الشرق.

الإمارات نهاية مطاف خلدون سنجاب

كتبت الصّحف كثيراً عن خلدون سنجاب وحالته، ونشرتها المواقع، كان بعضها يناشد أصحاب المبادرات الإنسانية للتدخل، لتتم الاستجابة فوراً من صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، الذي أرسل طائرةً خاصةً مجّهزةً بكادرٍ طبيّ لنقل خلدون وعائلته من لبنان إلى الإمارات عام 2016، ليتلقّى العلاج الذي يخفّف بعضاً من مأساته.

خلدون سنجاب إلى الإمارات

يقول خلدون: “منَّ الله علي بإجراء عملٍ جراحي يغنيني عن جهاز تنفسٍ بقي موصولاً إلى عنقي ٢٢ عاماً. هذا لا يعني أني شُفيتُ تماماً، بل لا زالت كل عضلة مشلولةً في جسدي. كل ما هنالك أني صرت أتنفس أقرب ما يكون لأيّ أحدٍ منكم؛ أنفاساً تكاد تكون طبيعية، لكنها لا زالت تعمل بالبطارية”.

حلم الجامعة يتحقّق لخلدون سنجاب في الأربعين

تخرّج خلدون مؤخراً من جامعة الشارقة بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف العليا، حيث كان قد دخل إلى الجامعة منذ أربع سنوات بمنحةٍ دراسية مكتملة التكاليف.

خلدون سنجاب، طالب في الجامعة

كتب خلدون على صفحته على الفيسبوك: “وشاء الله في سن الأربعين وبعد ٢٣ عاماً من الشلل أن يمنَّ عليَّ بتحسن في صحَّتي أحدث فرقاً جذرياً في حياتي، ومن بعدها منحة دراسية لأدرس في الجامعة، حلمي الذي راودني لـ ٢٣ عاماً بلا توقف.

كثيرون أخبروني أنّه من المستحيل أن أغدو للجامعة، وأن عليّ الاكتفاء بالعالم الافتراضي والجامعة الافتراضية وأهجر ذاك الحلم. وحدها أمّي رحمها الله آمنت بي، ومن بعدها زوجتي حفظها الله لي.

كانت تخبرني في كل يوم أنّه بإمكاني أن أفعل أيّ شيء. أيّ شيء ومهما كان، فقط عليَّ أن أحلم وألّا أتوقف أبداً عن الحلم.

لا يمكنني أن أصف لحظة قُبلتُ في الجامعة رغم الوضع الصحي. ولحظة وطئ كرسييّ المتحرك أرض جامعة الشارقة طالباً مستجداً فيها، في تلك اللحظة ارتدى قلبي جسدي العاجز وطار به إلى الأفق. في تلك اللحظة رأيت عيني أمي وهي تنظر إليّ بفخرٍ وترقبني من بعيد وتدعو لي بالتوفيق. وتخبرني بأنه لا بد للقدر أن يستجيب.

أشعر يا أمّي أنّي أسطّر التاريخ الآن. أشقُّ الطريق لأخبر الكون بأسره ألّا يكون هناك سقفٌ للحلم رغم الاستحالة، أنّه لا يعجزني شيء طالما أنا قادرٌ على الحلم، وطالما الله لا يخيب رجاءً أو دعاء.

أهديكم أمي وزوجتي ووالدي أطال الله في عمرك هذه اللحظة التي غيّرت مجرى تاريخي، أهديكم فرحتي التي أنتم سببها”.

حفل تخرج خلدون سنجاب

شخصية خلدون سنجاب ملهمة للشباب

تم اختبار خلدون سنجاب من قِبَل فريق مشروع دمشق Damascus2020 كأكثر شخصية شبابية سوريّة ملهمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للعام 2016.

وكتبت صفحة المشروع عن مهاراته وإنجازاته.

مهاراته:

يعمل بالبرمجة بلغة ++C، خاصة برمجة 3D، كروفيكس، وقواعد البيانات، عمل برامج عديدة، بالإضافة إلى أنّه يعطي دروساً في البرمجة، ويعمل أيضاً في ترجمة كتب البرمجيات.

بعض منتجاته:

  • لوحة مفاتيح فعلية: تطبيق للكتابة باستخدام الفأرة.
  • الصلاة: تطبيق لتعليم الصلوات الإسلامية (حقوق النسخ محفوظة لمؤسسة نظم تكنولوجيا الحاسب والاتصالات).
  • المواقيت الإسلامية: مكتبة برمجية تستخدم لحساب مواقيت الصلاة.
  • ساهم في Tiger Production بعدة مشاريع مهمة، منها:

– محرك رسوميات ثلاثية الأبعاد: مكتبة برمجية تستخدم لتصنيع تطبيقات رسوميات ثلاثية الأبعاد.
– نظام التقاط حركة: تطبيق لالتقاط حركة الشخصيات.
– مخدّم بث فيديو رقمي: تطبيق لأتمتة عملية البث التلفزيوني من خلال بطاقة بث.

تميز خلدون سنجاب

الأحلام لا تتوقف

خلدون ما زال يحلم، ولا يحلم بأقل من المستحيل.

يقول: “تعلمت ألّا أطلب من الله إلا المستحيل، فليس عنده مستحيل. والمستحيل القادم أن أكون بين الجموع ملبيّاً، أن أقف بين يديه وفي بيته المعظّم، تطوف روحي في جنباته وأحيا ويحيا جسدي”.

ختاماً

لعلّك عزيزي القارئ بعدما قرأت تعدّ ما تملك من نعمٍ يمكنك توظيفها دون أن تنظر إلى ما ينقصُك وتتذمّر. فها هو خلدون سنجاب رغم كل ما يعانيه، لا تراه إلا حامداً شاكراً راضياً، يشعر بنعمة وجود الأهل والأصدقاء والزوجة والأولاد، وبنعمة وجوده في بلدٍ استطاع فيها بسبب العمل الجراحي أن يغادر السرير إلى كرسيٍّ متحرك بمساعدة ثلاثة أشخاص، وبنعمة عقله المفكّر، وقلبه النابض، ولسانه المحرّك لأداة العمل والبحث.

يقول: “أنا لا أملك مالاً أو جاهاً أو سلطاناً، لكنني أملك عقلاً أفكّر به، ولساناً أعمل به، وقلباً أؤمن به”.

ويقول أيضاً: “المستحيل مجرد كلمة يمحوها الإصرار والطموح”.

اقرأ أيضاً: أفلام ملهمة عن النجاح بعد المعاناة ستساعدك في تخطي الصعاب

0

شاركنا رأيك حول "بلسانه وشفتيه صنع عالمه.. الرجل المعجزة خلدون سنجاب وكلّ الحكاية"