التحصيل المعرفي بين حياة الطالب وتسلّط المجتمع

5

الدراسة التي تبدأ بالحضانة، ثم التعليم الابتدائي، مرورًا بالإعدادي والثانوي، ووصولًا إلى الجامعيّ هي دراسة تجعل الطالب مضغوطًا على الصعيد الذهني والنفسي من قبل المجتمع والمنظومة التدريسية ذاتها، وأنا هنا أقصد التدريسية لأنّ منظوماتنا العربية لتحصيل العلوم لا تمت بصلة إلى التعليم وقواعده الرصينة، وهذا بالضبط ما تدركه أنت الآن. أجل، فأنا أتكلم على أنّ التحصيل “الدراسي” هو طريقة تحصيل مزرية تمامًا للمعارف. وليس هذا فقط، بل إنّنا غلّفناها برداء التحضر والموضوعية كي نغرس فيها الطلاب حتى منبت الشعر. اليوم سنتحدث عن الطالب الذي يقع بين شقيّ الرحى التي ينتج عنها التأخير في التحصيل المعرفي: الحياة الشخصية للطالب وتسلط وجبروت المجتمع، وكيف لكليهما أن يكونا المطرقة المهشمة للشخصية، الفِكر، وحتى نقاء النفس بالنسبة له.

ما الفرق بين الدراسة والتعلّم؟

الدراسة هي المفهوم التقليدي جدًا لتحصيل المعرفة، فأنت عندما تدرس شيئًا ما فأنت “تختزن” معلوماته في ذهنك، وذلك الاختزان له فترة محدودة في كونه متواجدًا بداخل العقل. فعملية انتقال المعلومة إلى الذاكرة طويلة الأمد تحتاج إلى أساليب وطرق “تعليمية” تساعد على ذلك، وأهم ما يجب ذكره هنا هو عامل الوقت وعامل الكم، فأنت في المناهج الدراسية تجبر الطالب على حفظ وتكديس عشرات الموضوعات الدراسية في فترة زمنية قصيرة جدًا، ليكتبها لك في الورقة الامتحانية ويحصل على أعلى الدرجات ليثبت لنفسه وللعالم أجمع أنّه “أحمق بكفاءة”، فهو لم يتعلم شيئًا مفيدًا، لماذا؟ لأنّه نسي كل ما تعلمه بمجرد خروجه من اللجنة الامتحانية! وهنا يأتي دور التعليم، فالتعليم يتبع قواعدًا تعليميةً سليمةً تجعل الطالب يستمتع بالمادة العلمية وتحاول بقدر الإمكان الموازنة بين قابلية الطالب والمحتوى المعرفي المطروح له، فيخرج الطالب بأكبر نسبة حصيلة معرفية ممكنة عن طريق عملية التعلّم. لذلك، المؤسسة المعرفية المنوطة بإعداد الطلاب تُسمى “وزارة التربية والتعليم”، وفي الواقع يجب أن يُعدلّ الاسم إلى “وزارة التربية والتدريس”؛ لأنّنا لم نصل لمرحلة التطبيق العملي للمنظومة التعليمية الصحيحة بمؤسسات إعداد الطلاب بعد.

التحصيل المعرفي والطالب

يجب أن نتفق على أنّ التحصيل المعرفي بالنسبة للطالب ما هو إلّا محاولة يائسة لابتلاع المناهج الدراسية والحصول على درجة أحمق مع مرتبة الشرف، لكن هذا لا يمنع أنّ الطالب قد يجد نفسه مُحبًا لبعض الدروس بعينها بداخل تلك الجبال الشاهقة من المناهج التي لا تنتهي، فإذا سلّمنا بتلك الفرضية تبقى هناك العديد من الأسباب التي تمنع الطالب من وصوله إلى درجة مقبولة بالنسبة للتحصيل المعرفي، وتلك الأسباب بعينها لا يهتم بها المدرسون أو الأهالي، ببساطة لأنّهم لا يكترثون بما يمر به الفتى أثناء انتقاله من مرحلة دراسية/عمرية لأخرى. بجانب أنّ الآباء يعزلون أنفسهم عن حياة الأبناء تمامًا، خصوصًا حياتهم اليومية بالحرم المدرسي/الجامعي، فيمكن للطالب أن يتم التنمر عليه بالمدرسة من قبل طلاب آخرين، كما أنّ ذلك التنمر قد يصل في بعض الأحيان إلى الاعتداء الجسدي والتحرش الجنسي الصارخ. مما يجعل الطالب في وضع لا يحسد عليه، فلا يعلم ماذا يقول للذين حوله، ولا يعلم ماذا يقول لنفسه تجاه تلك التغيّرات الجسدية والنفسية الجديدة التي طرأت عليه بحكم الوضع البيئي الذي غُرِسَ فيه عنوةً، ويمكن أن يكون سبب حزنه واكتئابه هو بغضه لمعلم ما قام بجعل الطلبة تسخر منه، أو معلمة فصل منعته من دخول الحمام حتى أصبح يتبول لا إراديًّا ولا يستطيع البوح لأهله بما حدث لعدم الوقوع في الحرج (هذا الموقف مررت به شخصيًّا وبنفس التفاصيل بمرحلة الحضانة، مما دفع أهلي للذهاب بي إلى طبيب نفسي للحد من تفاقم الحالة أو نشوء عقدة نفسية مستمرة).

هناك آلاف الأسباب التي تجعل الطالب يتأخر في تحصيله المعرفي، وأغلب تلك الأسباب تكون لها علاقة بحياة الطالب نفسه، وللكشف عنها يجب الجلوس مع الطالب، خصوصًا المقربين إليه، حتى ولو لم يكونوا من دمه. يمكن أن يكون صديقًا له أو شخصًا في مثل سنه يرتاح إليه نفسيًّا ليقص عليه ما يعتريه ويؤرّق ذهنه، ويعتمل في صدره من مآسٍ وشجون.

التحصيل المعرفي والمجتمع

بالتأكيد لا يجب أن نختزل أسباب تأخر وتقهقر التحصيل المعرفي للطالب بذاته وحياته الخاصة فقط، فأيضًا للمجتمع يد فيما يحدث له من دمار نفسيّ وتدهور عقلي وجسدي مهول. أول عنصر بالنسبة للسطوة المجتمعية على الطفل هو الأسرة، فالأب غالبًا لا يهتم بالمستقبل التعليمي للطفل ويترك زمام الأمور للزوجة، لكن للأسف عندما لا تكون الزوجة على قدر من المعرفة والقابلية على استيعاب الظروف الخاصة بولدها، فبالتالي تصبح الحياة جحيمًا مستطيرًا بالنسبة له، ففي هذه الحالة تلجأ الأم/الأب إلى التعنيف اللفظي الذي ينخر نفس الطفل حتى النخاع، بجانب الأذى الجسدي الذي يمكن أن تتمادى فيه حتى تُفقد الطفل وعيه، وفي النهاية من الممكن للأب أن يقول للطفل: “هذا كله لمصلحتك يا بني، فالدراسة مهمة كي تحصل على وظيفة وتكون شخصًا نفتخر أنّه أبننا”، فلتذهب الأبوّة إلى الجحيم إن كانت على هذه الشاكلة القميئة والمزرية!

أمّا العنصر الثاني هو المجتمع المدرسي، فالمعلم هنا لديه دور مهول في تنشئة وتكوين وتطويع الطالب، فعندما نجد معلمًا يبرح الطالب ضربًا كي يجبره على حفظ الدرس، فنحن دون شك أمام أشد وأقصى وأقسى درجات التعفن التي قد تصل إليها الإنسانية. عندما تضرب تلميذًا من أجل أن يتعلم، فهذا في حد ذاته لن يخلق شخصًا مشوهًّا نفسيًّا فحسب، بل أيضًا كارهًا للتعليم والمعرفة من المنبع. يعتقد المعلم أنّ الأيام تمر والطفل سينسى ما حلّ به. لكن صدقًا، لن ينسى أبدًا، وإذا كان المعلم لديه بعض الإنسانية سيكتفي بالإيذاء اللفظي للطالب بين أقرانه، فيمكن أن ينعته بالبليد والمتخلف عقليًّا، أو يشنّع به تشنيعًا مخلًّا بالشرف أمام الطالبات صديقاته بالصف (وهذا الموقف حدث حرفيًّا لي بالمدرسة الإعدادية).

العنصر الثالث والأخير هو العمل، فالعمل الحكومي في مصر (وأي بلد عربي) يستلزم أن يكون صاحبه حاملًا لشهادة جامعية ذات تقديرٍ مرتفع جدًا. لكن هذه النقطة تظلم العديدين؛ لأنّه ببساطة ليس كلُ الطلابِ الجامعيين متكيفين مع جامعتهم وتخصصهم بها. بجانب كره بعضهم للمنظومة التدريسية الفاشلة بتلك المؤسسات.

وفي الختام

الطالب كيان حسّاس جدًا قابل للتهشّم في أي لحظة وتحت وطأة أدنى الظروف. لذلك، التحصيل المعرفي المتدني له يكون عرضًا جانبيًّا للعديد من المشاكل والاعتلالات التي تحدث له أثناء مروره من مرحلة عمرية/دراسية لأخرى، ففي هذا الموضوع حاولت بقدر الإمكان تسليط الضوء على تأثير المتناقضات في حياة الطالب على التحصيل المعرفي لديه، بجانب سطوة وتسلط المجتمع في تحقيق نفس النتيجة المتدنية بالنسبة ذات الشيء. يجب أن تجلسوا مع أبنائِكم أكثر، أن تستمعوا إليهم، وأن تغمروهم بحنانكم؛ لأنّ العالم بالخارج حقًا أقسى عليهم مما تتوقعون.

5

شاركنا رأيك حول "التحصيل المعرفي بين حياة الطالب وتسلّط المجتمع"

  1. safowen

    تقريبا نفس التجربة التي مررت بها انا شخصيا
    علينا ان ننضر بمنضور اجابي كالاهتمام بالاطفال كي لا يمرو بما مررنا به
    او ننتبه لما لم ينتبه ابائنا

أضف تعليقًا