تذكرت ذات صباح ديسمبري بارد أن لي صوراً قديمة وذكريات جميلة مدفونة في صندوق خشبي ورثته ماما عن جدتي. كانت تخبئ فيه رسائل وصلتها من والدي قبل الزواج مصحوبةً بصور كثيرة لم تشأ أن يسرقها منها الدهر أو يخطفها الزمن، وكانت تحفظه بعيدًا عن العيون والأيادي، خوفًا عليه من غدر الحياة. بحثت عن الصور ولم أجدها غير أنني وجدت بين الوثائق والرسائل ورقًا اصفرّ من القِدم. فتحته وإذ بي أفاجأ بقصيدة كتبها عمّي بالعامّية يوم جئت إلى هذا العالم. كان يناديني فيها "نوّارة" تمامًا كما يناديني أصدقائي وكما ينادي أحمد فؤاد نجم ابنته، وكان لي كما يقولون نصيب من هذا الاسم، إذ ارتبط وجودي بالأرض وأزهارها وأعشابها وثمارها وبألوان تبدّد ظلمة الليل وتراقص نور النهار. هذا الرابط الذي جمعني بعالم الحدائق والنباتات هو ما جعلني أسعد بكتابة هذا المقال عن ألفة الأزهار والنباتات، الذي أتمنّى أن يكون شذيًا كالعطر، لذيذًا كالشهد، جميلًا كزهر النرجس. 

ألفة الأزهار والنباتات

لِم قد نحتاج إلى النبات؟

في السنوات الأخيرة، صارت الحياة في زمن الوباء كالحب الذي عاشه فلورينتينو وفرمينا، أبطال رواية الحب في زمن الكوليرا لغابرييل غارسيا ماركيز، حياة ملؤها الأرق والتعب والقلق. ولم تتحسّن مؤخرًا بل ازدادت قبحًا وبشاعة بحلول فكرة الحجر في البيت الذي كان بمثابه السجن في عيون البعض. لكنّها لم تكن بهذا السوء عند البعض الآخر الذي التجأ إلى الحدائق فحوّلها جنات عدن تجري من تحتها الأنهار. اهتمّ بها وعاش فيها ناسيًا الوباء والضغط النفسي الناتج عن التفكير فيه.

حتّى نقرّب منك هذه الصورة أكثر حتى تفهم أن كلامنا عن علاقة الصحة النفسية بالنباتات مثبت علميًا، نشير إلى دراسة نشرت في Journal of Physiological Anthropology، تضمنت مقارنة بين مجموعتين. كانت المجموعة الأولى تعمل على الحواسيب أما الثانية فقد طُلِب منها زراعة النباتات. عُكِست المهام في ما بعد وسُئِل المشاركون عن مدى ارتياحهم أثناء القيام بالعملين فأقرّت الأغلبية أنها كانت مرتاحة أكثر أثناء القيام بزراعة النباتات التي كانت في الأصل مهمة متعبة جسديًا أكثر من استخدام الشاشات.

ألفة الأزهار والنباتات


دراسة أخرى منشورة في Journal of Health Psychology عملت على مقارنة تأثير الاهتمام بحدائق البيوت بالمطالعة فوجدت أن كلاهما، وبدرجة أعلى البستنة، يساعد على وضع حد للضغوطات وذلك بتقليص مستويات الكورتيزول في الجسد. فألفة الأزهار والنباتات تشكل عاملاً مانعاً للقلق ومخففاً للتوتر!

بعيدًا عن الدراسات، نعلم جميعًا أن الشجر ينقّي هواءنا ويشبع بطوننا ويحمي آذاننا وبقية أجسامنا من التلوث كما يخفي لقاءاتنا السريّة ويبتلع أسرارنا التي لا يعلمها أحد غيره، يعيش معنا حتى يصير فردًا من العائلة كالقط والكلب والعصفور ويساهم في تحسين مزاجنا وتزيين بيوتنا التي أضحت قبل قدومه إليها قاتمة وخالية من الحياة، يستحيل دواء ينصحنا به الأطباء كلما عانينا من حلقات الاكتئاب أوالقلق أوالعتاه ووسيلة تنمّي تركيزنا وتبعد عنّا سلاسل الأفكار السامة.

حدائق بابل المعلّقة التي سكنت عقولنا منذ قديم الأزل وحدائق روما التي تفوق في جمالها الجمال نفسه تؤكد حاجة الإنسان، ذاك الكائن المغرور والنرجسي، إلى الطبيعة َالتي انبعث من بين ضلوعها وتفسّر تأثيرها عليه وعلى صحته النفسية والجسدية. إذ يضاعف وجود الشجيرات والزهور والأعشاب بيننا ومعنا إنتاجيتنا. تدعم هذه الأطروحة دراسة نشرت سنة 2007 ودافعت عن الفكرة التي تقول بأن كل من كان لهم نصيب من النبات في أماكن عملهم كانوا أكثر إنتاجية وأقل تقاعسًا. أَلا يقول إيليا أبو ماضي في إحدى قصائده:

"وَإِذا لَم تُبصِرِ النَفسُ المُنى
في الضُحى كَيفَ تَراها في مَساها
هَذِهِ الجَنَّةُ فَاِسرَح في رُباها
وَاِشهَدِ السِحرَ زُهورًا وَمِياها"

حدائق بابل

ألفة الأزهار والنباتات.. حدائق صارت جنانًا في حياة ليست كالحياة!

يقول محمود درويش:

"ما زال في الدرب دربٌ، وما زال في الدرب متسعٌ للرحيل
سنرمي كثيرًا من الورد في النهرِ كي نَقطع النهرَ."

ونقول إننا سنرمي الورد حتى يلوح لنا فجر الجمال بعد الليل الطويل وتغرّد العصافير بعد السكون المرير. سنزيّن البيوت بحدائق معلّقة وبأخرى ثابتة في الروح كثباتها في التراب وسنزرع الأمل كما نزرع الحلم في أذهان الأطفال بعد أن نجوب معكم أجمل حدائق العالم.

أولى محطاتنا مدينة طوكيو أين نجد حديقة خلّابة تسمى حديقة كويشيكاوا كوراكوين تجمع بين الألوان الدافئة والهادئة التي ارتبطت في أذهاننا بالثقافة اليابانية. برك وتلال وأشجار ومسارات مشي يغطيها الوردي والأخضر والأزرق الخافت في تناغم بصري ينسي العيون أوجاعها ويثري القلب جمالًا وطمأنينة. تعتبر هذه الحديقة واحدة من أقدم حدائق ومنتزهات اليابان وقد أنشأها صاحبها بين 1600 و1867.

نهر

من اليابان نمضي إلى تايلاند حيث نجد حدائق جميلة كالشعر وواسعة كالأفق، من بينها Nong Nooch Tropical Garden التي يحتفظ فيها هذا البلد على نباتاته البريّة وأزهاره المميّزة على مساحة تبلغ 3.2 كلم مربع والتي تقسّم إلى 9 حدائق صغرى، كل واحدة منها أروع من الأخرى. جولة واحدة فيها تأخذك إلى عوالم فيلم ديزني Raya and the last dragon الآسرة وتمضي بك إلى فردوس لم تكن لتصدق بوجوده من قبل. 

حديقة

متى تحدثنا عن الحدائق والورود وسحر الطبيعة، فإننا نتحدّث عن هولندا وعن حقول التوليب التي تكسوها بالأصفر والبنفسجي والأحمر والزهري، خاطفة القلوب ومربتة على العقول التي اختنقت من فرط التفكير في مشاغل الحياة. بدأت زراعة التوليب في هولندا في عام 1593 وقد تجمّلت نتيجة لعدوى فيروسية أصيب بها بخطوط وألوان مختلفة جعلتها فاتنة كألسنة النار. كانت هذه الزهرة عربون محبّة يجمع بين كندا وهولندا إذ يقول التاريخ أنه نتيجة للغزو النازي لبلد التوليب، فرّت الملكة جوليانا هاربة إلى كندا. في ذلك الوقت، كانت حاملًا بطفلتها الثالثة التي كانت من المستحيل أن تنال لقب الإمارة لأنها لن تولد على التراب الهولندي. دفعت هذه المظلمة حاكم كندا آنذاك للتدخل، معلنًا أن الجناح الذي ولدت فيه الأميرة مارغريت جزءًا من الأراضي الهولندية ورافعًا علم هذا البلد فوقه. أدفأت هذه الحركة قلب ملكة هولندا حتى صارت ترسل لكندا سنويًا أزهار التوليب بعد أن تبرعت في بادئ الأمر بـ 100 ألف زهرة ظلّت إلى اليوم تزيّن الحدائق في البلدين. 

طواحين الهواء

الزهرة المناسبة في المكان المناسب

جمال هذه المنتزهات وعظمتها تبدد ظلمات ليالي الشتاء. تنادي القمر وتطرق أبواب النجوم فتحل وترقص على نغم ورود وأعشاب وهضاب وسهول خُلِقت لتقرّب الطبيعة-الأم من الإنسان الذي أضحى يبحث عن الخلاص من الوجود في كل أركان بيوته، فيملؤها أزهارًا ونباتات تتماشى مع أرجائه وتغطي عيوبه. إذ قد يختار مثلًا نباتات تحتمل نقص الإضاءة في مدخل البيت أو الشقّة كنبتة الذلب التي تأكد أنها من أكثر النباتات تنقيةً للهواء وأنها لا تفضّل البقاء كثيرًا تحت أشعة الشمس ولا تتطلّب العناية بها إلّا القليل من الماء، أو كزهرة زنبق السلام الساحرة، دائمة الخضرة. حتى لا تتأثر هذه النباتات التي ستجلس في مدخل البيت بالبرد المتسرّب من خلال الباب، لا يجب أن توضع أمامه كما لا يجب أن تلتصق بالنوافذ حتى لا تصلها أشعة الشمس القوية. 

ترتيب الزهور

تُعكس الحكاية في غرفة المعيشة التي تكون عادة غرفة مضاءة بشدة مما يحدد اختياراتنا ويجعلنا نلتفت إلى النباتات الكبيرة والأزهار التي تحب أشعة الشمس والتي قد تزيد المكان حياةً مثل نخيل الأريقة الذي يسهل الاهتمام بها وزهر الكليفيا الذي يتلوّن بالأصفر ثم البرتقالي والذي يشبه زهرة النرجس. أمّا في غرفة نومك، فالخيار هنا خيارك وحدك. تذكّر فقط أنه عليك تهوية الغرفة يوميًا وأن الأزهار ذات العطر القويّ قد تزعجك وتعكّر نومك. اختر الشفلرية مثلًا أو الخزامى، إذ أنها تنقّي الهواء وتحتمل إهمال الإنسان ونسيانه.

بين هذه الأزهار وتلك، تظلّ الإضاءة والحرارة أهم العوامل المحددة لاختيار نباتاتك التي ستصير رفيقاتك في السكن ولتحديد أمكنتها. لكنّها ليست الوحيدة حسب فلسفة الفينج شوي الصينية. فما هي يا ترى هذه الفلسفة؟ ولِمَ نتحدث عن فلسفة ونحن نمشي بين النخيل والورود؟

فلسفة الفينج شوي

حتى تنظيم البيوت بات يخضع لفلسفة!

ولدت منذ حوالي 4000 في الصين فلسفة تمحورت حول تدفق الطاقة المنبعثة من العوامل المحيطة بالإنسان إلى الإنسان نفسه سماها الصينيون آنذاك بالفينغ شوي وهي فلسفة متصلة بعلم الفلك الصيني، تهدف إلى تحقيق التناغم بين الذات ومحيطها وإضفاء الطاقة الإيجابية على الأماكن. تحقق هذه الفلسفة التوازن بين اليين واليانغ وتستعمل طبقًا لذلك الأساس لتوجيه الأبنية وتنظيمها حتى تحل فيها الطاقة الإيجابية محل الطاقات السلبية. كما تبوّب طاقتها في تسعة محاور يرمز كل محور منها لجانب من جوانب حياة الإنسان، فالماء هو الحياة والأرض هي العلاقات والرعد هو الأجداد والهواء هو الحظ والطاقة هي الصحة والجنة هي الأصدقاء والبحيرة تساوي الإبداع أما الجبل فهو الحكمة والنار هي البصيرة. 
 
لا تقتصر هذه الفلسفة على توجيه البنايات الروحانية والمعابد بل تدخل البيوت وتصافح النباتات، فنجد أنها تصنف هذه الأخيرة إلى نباتات قد تساعد على العيش ضمن هذه الفلسفة بإيجابيتها كشجرة المال والصبار وشجرة الحب وأخرى قد تعود بنا إلى سجون الطاقات السلبية كشجرة التمر الهندي والسنط العربي والنباتات الميتة. 
 
تهتمّ الثقافة الصينية بالحدائق والغلال والورود وتربط كلًا منها بمعانٍ وحكايات ما زالت ترويها الجدات وتحكيها النصوص التاريخية والروايات كما تعتبر الزراعة محورًا رئيسيًا في الأساطير الصينية. قد يحملنا بساط الأحلام الليلة أثناء النوم إلى الصين ذات الزهر الوردي والحلم الاشتراكي والنفس التقليدي وقد تراقصنا ورودها وتحيينا حيواناتها وتحمينا من البرد والغيث منازلها ومعابدها. لكن قبل ذلك، فلتحملنا التكنولوجيا إلى تطبيقات تجعل زهرنا يثمر وتجعل حيواتنا متوجة بالبهجة والمحبة وبالطاقات الإيجابية. 

عن ألفة الأزهار والنباتات: تطبيقات تسهّل علينا اهتمامنا بالحديقة

قبل كتابة هذا المقال بأيام، لم أكن أعلم شيئًا عن عوالم النباتات. كنت أرى الزهور فأسعد لرؤيتها وأرى النحل فأفرح بقبلة يضعها فوق وجنتي الزهرة. حاولت أن أبحث عن مصباح ينير جهلي وشرعت في القراءة عن أساطير وخبايا الحدائق السريّة. كنت أظن أن مهمة الاعتناء بها صعبة كمهام تربية الأطفال ونسيت أن التكنولوجيا اليوم مفتاح لكل البوابات الموصدة. علمت بأن تطبيقًا مجانيًا يسمّى Plantsnap قد يساعدني على التعرف على نبتتي بعد التقاط صورة لها وعلمت أن تطبيقًا آخر Gardening Reference Guide سيمدني بالنصائح الضرورية للاهتمام بالنباتات وسيجيب على أسئلة كثيرة من قبيل متى أسقيها وأين أضعها وما هي درجات الحرارة المناسبة لها؟ وجدت كذلك تطبيق Happy Plant المجاني الذي سيظل يذكرني بأن أسقي أزهاري وتطبيقي Sun Seeker الذي سيفسّر احتياجات حديقتي لأشعة الشمس وسيحدد ما إن كانت تنقصه هذه الأشعة. 

قد لا يصل مقالي عن ألفة الأزهار والنباتات إلى الفلاحين والمزارعين وعمّال الأرض الذين قست عليهم الحياة مرارًا وتكرارًا لتنقذهم الطبيعة وتخبّئ أسرارهم بين عروق الشجر، لكنّه رسالة حب وعرفان لهم ولمجهوداتهم. هي كلمات تربطنا بالأرض وترجعنا إلى رحمها. تسقينا شرابها وتسكننا أكواخها وتبعدنا عن دروب الحياة السريعة التي لا مكان فيها للجمال.

اقرأ أيضاً: التعليم المدرسي.. ما بين تعليم الأطفال وتعليب عقولهم!