0

لو أنني أحصل على ليرة في كل مرةٍ أسمع فيها طفلًا يحلم بدراسة الطب، وأن يصبح طبيبًا أو رائد فضاء أو طيارًا أو بطلًا، لكنت أصبحت من أغنياء العالم. ماذا عنكم أيها القرّاء الأعزاء، ماذا كان حلمكم عندما كنتم صغارًا؟

هذه الأحلام الوردية، مَن لوّنها؟ هل هو الطفل، أم أهله؟ هل نبتت هذه الأحلام من بذرة البراءة فيه، أم غرسها الأهل عنوةً واستبدادًا برغبات أبنائهم؟

هل يدرك الطفل حقًّا ماذا يريد أن يصبح عندما يكبر، هل شُغِف بهذا الحلم، وأدرك أنه العمل الذي يريد أن يمارسه طوال حياته ليحقق أهدافه في الحياة؟ أم أنه فقط سكّر للسمع أدمنته آذان الآباء، كلماتٌ يُلقّنها الآباء لأبنائهم، يستعيدونها كلما أرادوا التفاخر والشعور بالرضا!

“أحلم أن أصبح طبيبًا”. يبدو أن دراسة الطب حلمٌ مستبدٌّ ينال المساحة الكُبرى من أحلام الطفولة، تليه ربما الهندسة، صحيح! دعونا في هذا المقال نناقش هذه القضية، ولنرَ لماذا تحبون الطب بهذا الكمّ، وهل من خيارات أُخرى متاحة أمامكم!

ملاحظة: إن رأيتم أنّ المقال طويل ولا تستطيعون قراءته كلّه، فعلى الأقل ألقوا نظرةً على الفقرة الأخيرة منه، وشكرًا.

لماذا الطب في مقدمة الأحلام؟

مِن حق بل ومن واجب الأهل أن يفكّروا في مصلحة أطفالهم، أن يتمنوا المهنة الأفضل لهم، فهل هذا استبداد؟ فليكن استبدادًا إذًا، نحن أهل مستبدون. فهل يستطيع الأطفال تقرير الأفضل لهم؟ هل يستطيعون تحديد خياراتهم للمستقبل، وماذا رأوا من الحياة بعد حتى يستطيعوا اتخاذ هكذا قرار؟ هذا منطق الآباء، أليس كذلك!

“أحلم أن أصبح طبيبًا”: أحلام الطفولة البريئة، أم استبداد الأهل برغبات آبائهم!

يتمنى معظم الآباء الأفضل لأطفالهم، جلّ ما يخشوه هو أن يعاني أطفالهم الألم الذي عانوه هم في سنوات حياتهم الأولى، يريدون أن يحموا أطفالهم قدر ما يستطيعون من الهموم والمخاوف والمعاناة وخيبة الأمل التي تميز عالم العمل شديد التنافس اليوم، هم يعملون بجدّ ويقدمون الكثير من التضحيات في سبيل أن يحصل أطفالهم على السعادة والحياة المرضية، لذلك فإن نصف الآباء أو أكثر، إن أُتيحت لهم الفرصة، يرغبون في اختيار الطب كمهنةٍ لأطفالهم، تليها الهندسة ربما أو المحاماة.

لكن لماذا كلّ هذا الميل نحو مهنة الطب بالتحديد؟

ينظر العديد من الآباء ومعظم أفراد المجتمع إلى الأطباء على أنهم أشخاص مهنيون يتمتعون بمهنةٍ آمنة، ويحظون باحترام وإعجاب ومكانةٍ مرموقة في المجتمع. في الواقع، غالبًا ما يُنظَر إلى الطب وبعض المهن التقليدية الأُخرى كالعمارة والمحاماة على أنها مهنٌ تدّر الكثير من الأموال، وتؤمن أسلوب حياة جيدة للأشخاص. فإن أصبح ابني طبيبًا سوف يحقق الاستقلال المادي دون أن يحتاج إلى معيل آخر، وسيكون سيّد نفسه في العمل والحياة، كما سيستطيع العمل بحرية مطلقة بعد سن التقاعد الإلزامي.

أو قد يكون الموضوع مجرد إرث وتقليد عائلي، فالأب أو الأم أطباء، إذًا هكذا سيصبح الأبناء. أو قد يكون ناتجًا عن مقارنة الأقران، فابن الصديق أصبح طبيبًا، إذًا على ابننا أن يصبح طبيبًا.

وأيضًا، قد يكون الطب هو حلم الآباء ذاتهم، الحلم الذي لم يحقَّق، لذلك يحاولون أن يعيشوا أحلامهم بشكل غير مباشر من خلال أطفالهم، فإن لم أستطِع أنا أن أصبح طبيبًا، إذًا ابني سيصبح.

يريد الآباء غالبًا من أبنائهم دراسة الطب لتحقيق الاستقلال المادي

هذه الأسباب المذكورة قد لا تكون مقنعة بشكل كبير إلا أنها مفهومة، وأغلب الآباء يفهمونها بالضبط، ومن منا يستطيع أن ينكر أنّ قسمًا كبيرًا من المجتمع يولي اهتمامًا كبيرًا بالألقاب، فابني هو “الدكتور” أو “المهندس” تمنح العديد من الآباء شعورًا بالفخر واللذة.

وفي النهاية، لا بدّ وأنّ الآباء يحبون أن يشاركوا قصص نجاحات أبنائهم بين الأقارب والأصدقاء وحتى على وسائل التواصل الاجتماعي، يشعرون بالرضا الشخصي الكبير عندما يحقق أطفالهم هذه المهن، وكأنهم يقولون لأنفسهم وللآخرين “انظروا إلى العمل الرائع الذي قمنا به كآباء”، يستمتعون بالمجد المنعكس عن إنجازات أبنائهم، وبهذه الطريقة يعرضون بصمت أو بعلانية قدرتهم ذات الجودة العالية على تربية أبنائهم.

لكن مَن قال إنّ الطب هو المهنة التي تستطيع أكثر من غيرها أن تكفل للأبناء الرفاهية المادية، فمع تغير العالم بهذه الوتيرة الكبيرة وتقدّم التكنولوجيا بهذا المعدل المتسارع، قد يكون من الصعب معرفة شكل المستقبل، فما بالكم بضمانه! لذلك، جمعنا لكم فيما يلي بعض أفضل المهن والتي ستحقق مستقبلًا الكثير من الأموال.

اقرأ أيضًا: الانتحار في الجامعات.. لماذا يتخذ الطلاب قرارًا بإنهاء حياتهم؟

مهنٌ للمستقبل: طلبٌ كبير ومردود عالٍ!

بالطبع سيبقى الطب وخدمات الرعاية الطبية مطلوبةً في المستقبل القريب وربما البعيد، إذ سيحتاج الناس دومًا إلى رعاية طبية يقدمها لهم أطباء وكادر تمريض ومهنيون ومعالجون فيزيائيون وغيرهم، لكن وبالإضافة إلى دراسة الطب، سوف يزداد الطلب بشكل كبير على مهنٍ أُخرى قد لا تحظى اليوم بشهرة كبيرة، يمكنكم أيها الآباء إلقاء نظرة عليها والتفكير فيها كخيارات جديدة بدلًا من المهن التقليدية، فالمستقبل مختلف، من هذه المهن

مطوّرو البرامج وخبراء الأمن السيبراني ومحللو البيانات من أكثر الوظائف المطلوبة مستقبلًا

مطوروّ البرامج

لا أعلم إن كان أحد على سطح الأرض لم يدرك حتى اليوم حجم الدور الذي تلعبه البرامج في حياتنا اليومية، سواء كانت منصة الوسائل الاجتماعية المفضلة لديك، أو تطبيق تعديل الصور الذي لا تتوقف عن استخدامه، أو لعبة الفيديو التي أدمنتها، وغيرها. عمليًا، كل ما تراه وتستخدمه على شاشة هاتفك أو حاسوبك قد تم تصميمه بيد مطوّر البرامج، وهو المسؤول أيضًا عن التحديثات والتصليحات التي تضمن تشغيل تطبيقاتك بكل سلاسة. ولا عجب أنها من أكثر الوظائف المطلوبة اليوم وغدًا، خصوصًا مع اكتساح التكنولوجيا لحياتنا أكثر وأكثر.

خبراء الأمن السيبرانيّ

كلما أصبح العالم رقميًا أكثر، كلما زادت الحاجة إلى الأمن السيبرانيّ وقلت الحاجة لدراسة الطب، فانتهاكات البيانات يعدّ قضية ضخمة وفاضحة للمعلومات الشخصية لكلٍّ من العملاء والشركات. ووفقًا لشركة IBM (المؤسسة الدولية للحاسبات الآلية)، فإنّ متوسط التكلفة السنوية لانتهاكات البيانات يبلغ 3.92 مليون دولار. بالتالي، عندما تكون كل هذه الأموال على المحك، فليس من المستغرب حينها أن تدفع الشركات أموالًا كبيرة لاختصاصيّ ما بغية حماية بياناتها.

تحليل البيانات

إنّ مجال علم وتحليل البيانات مجال يتنامى بشكل كبير جدًّا ومربح أيضًا، إذ بلغ متوسط الدخل السنوي لهذا العمل عام 2018 في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 118000 دولار أمريكي.

أخصائيوّ وفنيّو تركيب الطاقة البديلة

بغض النظر عن شعورك تجاه الانبعاثات الكبيرة للغازات الدفيئة أو مدى تصديقك لقضية تغير المناخ، فمما لا شكّ فيه أنّ دور الطاقة المتجددة سيكبر يومًا بعد يوم. سواءً كان ذلك عن طريق الاستخدام المتزايد للطاقة الشمسية، أو طاقة الرياح، أو تطوير السيارات الكهربائية، فإنّ الطاقة البديلة والمتجددة تشكّل مجالات شاسعة ذات إمكانيات كبيرة وغير مستغلةٍ تقريبًا.

إن كنت تشكّ بالأمر، عليك أن تعلم أنّ فنيوّ تركيب توربينات الرياح هي الوظيفة الأسرع نموًا في الولايات المتحدّة الأمريكية، ومن المتوقع أن تزداد نسبة التوظيف بهذه المهن بحدود 108% بحلول عام 2024. إن كنت تعيش في إحدى البلدان التي تعاني من أزمة كهرباء، فلا بدّ وأنك رأيت الطلب المتزايد على خلايا الطاقة الشمسية في الآونة الأخيرة. والجدير بالذكر، أنّ هذا المجال يحتوي على نطاق واسع من الوظائف المطلوبة فيه من عمليات البناء إلى الهندسة إلى التركيب والصيانة وأبحاث الطاقة البديلة.

متخصصوّ الصحة العقلية

يحتاج أغلبنا اليوم إلى خدمات أخصائييّ الصحة العقلية، صحيح! لا بدّ أنّ هذه المهنة ستبقى مستقبلًا لفترة طويلة، فلن يستطيع الإنسان الآليّ أن يحلّ محلّ أُذنٍ بشرية تصغي إلى مشاكلك. وبسبب وعي المجتمع وشركات التأمين أيضًا بأهمية الصحة العقلية، سيكون هناك طلب متزايد على المهنيين المدربين على تقديم خدمات الصحة العقلية من علماء نفس إلى معالجين واستشاريين وأخصائيين اجتماعيين.

الطب البيطريّ

كم أصبح من الرائج اليوم تربية الحيوانات الأليفة في منازلنا العربية، وهذه الحيوانات الصغيرة محببة ولا تقاوَم، ولا بدّ من أنّ أصحابها مستعدون لدفع الكثير من الأموال لرعايتها والاعتناء بها. في الواقع، يمكن لمهنة ودراسة الطب البيطري أن تحقق ربحًا كبيرًا، فقد بلغ دخل الطبيب البيطريّ السنويّ في الولايات المتحدة عام 2018 مقدار 93,880 دولارًا! 

الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق

الذكاء الاصطناعي هو أحد فروع علوم الحاسوب الذي يهتم ببناء آلات ذكية قادرة على أداء مهام تتطلب عادة الذكاء البشري. ومستقبلًا، سوف يتولى الذكاء الاصطناعي مهام العديد من الوظائف والأدوار البشرية. أما التعلم العميق وهو أحد فروع الذكاء الاصطناعي قائم على محاكاة الشبكات العصبية عند الإنسان بهدف تطوير خوارزميات تتيح للآلات أن تعلم نفسها بنفسها. وكما غيرت الكهرباء وجه العالم، كذلك سيفعل الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق في السنوات القادمة، لذلك فإنّ إيجاد فرصة للعمل ضمن هذه المجالات قد يكون أفضل ضمان للمستقبل. 

بالإضافة إلى ما سبق، هناك العديد من الوظائف التي ستؤمّن رواتب عالية خلال العقد القادم بالإضافة إلى الطب والرعاية الطبية حسب موقع Businessinsider مثل: مدراء التسويق، أخصائيوّ الموارد البشرية، أخصائيوّ أمراض النطق واللغة، ميكانيكيوّ الآلات الصناعية، معلموّ المراحل الابتدائية، محامون، أخصائيوّ إدارة المشاريع والعمليات التجارية، محللوّ أبحاث السوق والمتخصصون في التسويق، مدراء ماليّون، مهندسون صناعيون، وغيرهم. 

بالنسبة للآباء، قد يكون كل ذلك محض كلام فارغ، لا شيء مثل مهنة الطب ودراسة الطب! لكن ماذا إن قلنا إن مهنة الطب قد تتغير وتصبح أكثر روبوتية، إن صح التعبير.

اقرأ أيضًا: اكتئاب ما بعد التخرّج.. تجاوز التحدّي الأصعب أمام الخرّيجين الجدد بهذه الخطوات البسيطة

هل ستستحوذ الروبوتات على عمل الأطباء؟

بناءً على دراسة أجراها مستشفى ماساتشوستس ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2017، فإنّ الذكاء الاصطناعي كان مساويًا بل وأفضل من أطباء الأشعة في قراءة صور الشعاعية لأورام الثدي السرطانية عالية الخطورة والتي تحتاج إلى الجراحة. كما وقد كانت الجمعية الطبية الأمريكية قبل عام من هذه الدراسة قد أظهرت أنّ أجهزة الكمبيوتر كانت مكافئة لأطباء العيون في فحص صور شبكية العين لمرضى السكريّ.

ومؤخرًا، أجرت الروبوتات التي يتم التحكم بها بواسطة الكمبيوتر عملية جراحية ناجحة على أمعاء خنزير، ورغم أنها أخذت وقتًا أطول من الإنسان، إلا أنّ خيوط الروبوت كانت أفضل بكثير وأكثر دقة وتناسق، مع فرصٍ أقل للانقطاع والارتشاح والعدوى. 

بعض أشكال الروبوتات الجراحية عالية التقنية

كما أصبح الروبوت الجراحي دافنشي جزءًا لا يتجزأ من الجراحة في معظم أنحاء العالم، وهو مفيد بشكل خاص في العمليات الجراحية طفيفة التوغل والتي تحتاج حركات يدوية معقدة للغاية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ سوق الروبوتات الجراحية عالية التقنية آخذٌ في التوسع، من الأمثلة عليها “Vicarious Surgical” والتي تدعمها أسماءٌ بارزة من روّاد الاعمال مثل بيل جيتس، وشركة Neuralink والتي تهدف إلى تطوير الواجهات الحوسبية العصبية التي تدمج مباشرة في دماغ المريض، والتي أسسها إيلون ماسك مع ثمانية آخرين من رجال الأعمال.

لا يعني ذلك أنّ التكنولوجيا والروبوتات ستحلّ محل الأطباء، لكنها ربما ستقلل الحاجة إلى اليد البشرية الطبية في كل مكان!

في هذه الحالة، أليس من الأفضل أن نفكّر بطريقةٍ مختلفة، كآباء نشاهد الكوكب على حافة الانهيار، أليس من الأفضل أن نفكر فيما يحتاجه المستقبل والكوكب فعلًا، حتى نضمن لأطفالنا عملًا ومكانًا يعيشون عليه أصلًا!

مهنٌ للمستقبل: كوكب مضمون ومردود عالٍ

يركز العديد من أثرياء العالم اليوم مثل بيل جيتس ووارن بافيت بشكل كبير على الشركات المهتمة بالبيئة، ومن المتوقع أن تضيف المهن المتعلقة بالعلوم والبيئة وظائف جديدة تحظى بطلب كبير عليها في العقود القادمة، كما تتمتع بمردود ودخل سنوي مرتفع، من هذه الوظائف:

زيادة الحاجة إلى الوظائف والمهن المتعلقة بالبيئة مستقبلًا
  • علماء الزراعة وعلوم الأغذية: الذين يبحثون عن الطرق اللازمة لتحسين كفاءة وسلامة المؤسسات والمنتجات الزراعية.
  • خبراء التخطيط الحضري والإقليمي: الذين سيطورون خططًا وبرامج لاستخدام الأراضي والتي من شأنها أن تساعد على إنشاء المجتمعات، واستيعاب النمو السكانيّ، وتنشيط المرافق المادية في البلدات والمدن والمناطق الحضرية.
  • علماء الهيدرولوجيا: الذين يستخدمون خبراتهم في حل مشاكل المياه الصالحة للشرب وجودتها.
  • علماء الغابات والمحميات الطبيعية: الذين يهتمون بإدارة نوعية أراضي الغابات والمتنزهات والمراعي والموارد الطبيعية الأُخرى.
  • علماء الكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية: الذين يدرسون المبادئ الفيزيائية والكيمياء للكائنات الحية والعمليات البيولوجية.
  • علماء الغلاف الجوّي: الذين يدرسون الطقس والمناخ، وكيف تؤثر هذه الظروف على النشاط البشري وكوكب الأرض بشكل عام.
  • علماء البيئة: الذين يستخدمون علمهم ومعرفتهم لحماية البيئة وصحة الإنسان، وتنظيف المناطق الملوثة، وتقديم المشورات والنصائح لصانعي السيارات أو المعامل أو العمل مع هذه الصناعات من أجل تقليل النفايات الناتجة.
  • مهندسو البيئة: الذين يستخدمون مبادئ الهندسة وعلوم التربة والبيولوجيا والكيمياء لتطوير حلول مناسبة للمشاكل البيئية.

الفقرة الأخيرة

لم يكن هدفنا من المقال أن نثني أطفالكم عن دراسة الطب أو أي فرع آخر، إنما أن نذكّركم ببعض الخيارات المتاحة الأُخرى، والتي ستتفاجؤون بمقدار ازدهارها ومقدار الطلب الضخم عليها في المستقبل القريب.

ولا يعني كل ما قلناه أن يتخلى الأطفال عن أحلامهم بدراسة الطب أو المحاماة أو أي شيء، على العكس، تمسكوا أيها الأطفال بأحلامكم، واعملوا بجدٍّ من أجلها. ونعم، من واجب الآباء أن يشجعوا أبناءهم على السعي وراء النجاح والتميز، لكن أن يشجعوهم أيضًا على البحث عن السعادة والمتعة في العمل. أن يكون لأطفالكم الحرية في تصنيف قيمهم واكتشاف اهتماماتهم الخاصة، هذا ما سيجعلهم يزدهرون كبالغين مبدعين في أي مجال يختارونه.

عندما درس عالم النفس “بنجامين بلوم” الجذور المبكرة للموسيقيين والفنانين والرياضيين والعلماء العالميين، وجد أنّ آباءهم لم يحلموا يومًا أن يربّوا أطفالًا خارقين أو سوبر ستارز، لم يقم أولئك الأهل بالإصرار والضغط القاسي على أحلام زرعوها في أبنائهم، بل على العكس، هم فقط استجابوا للدوافع الجوهرية عند أطفالهم. بمعنى آخر، عندما أظهر أطفالهم اهتمامًا وحماسًا بمهارة ما، دعمهم الآباء.

هل تعلمون ما الذي يحفّز الناس على ممارسة مهارة ما لآلاف الساعات؟ إنّ الجواب الأكثر موثوقية هنا هو الشغف، قد تكتشف الشغف في الطفل كنتيجة فضوله الطبيعي، أو أن تنميه عبر تجارب ممتعة مبكرة عبر نشاط ما أو عدة أنشطة.

قالها آينشتاين مرةً: “الحب هو معلم أفضل من الشعور بالواجب”. إذًا أيها الآباء، لا يمكنكم برمجة أطفالكم ليكونوا أطباء أو مهندسين أو مبدعين، إن كنتم تريدون أن يحمل أطفالكم أفكارًا فريدة إلى هذا العالم، فعليكم أن تسمحوا لهم بمتابعة شغفهم وليس شغفكم.

اقرأ أيضًا: العلم في ميزان الأخلاق.. بين صناعة القنابل الذرية وإنتاج اللقاحات!

0

شاركنا رأيك حول "“حلمي دراسة الطب”: براءة طفوليّة أم استبداد الآباء باختيارات أبنائهم؟"