في شهر التوعية بها، كيف نحافظ على صحتنا النفسية؟

4

في بداية كل عام نحاول جميعًا أن نكون أفضل مما كنا عليه العام السابق، فنضع خُططًا وأهدافًا لنحققها في عامنا الجديد، نحاول جاهدين أن نلتزم بها وأن تشمل كافة جوانب الحياة.
ففي الجانب المادي؛ نسعى للارتقاء بالوظيفة التي نعمل بها لنحصل على راتب أعلى، وفي الجانب العلمي نحاول الحصول على شهادات ودرجات علمية أرقى، والجانب الاجتماعي؛ بتوسيع دائرة معارفنا وأصدقائنا والتعرف علي أناس جدد باستمرار، أما الجسدي بممارسة الرياضة وتناول الطعام الصحي والاهتمام بما يسمى “body image”.

ولكن كثيرًا ما نغفل جانبًا لا يقل أهمية عن كل ما سبق، جانب يؤدي إلى وقوع الكثيرين فريسة للمرض النفسي بل والانتحار أيضًا، جانب لا يميز بين كونك “دوبلير” أو نجم السينما الأول، عامل نظافة في جريدة أو رئيس تحرير تلك الجريدة، ناشط سياسي شاب في مقتبل حياتك أو بطل شعبي يُشار إليه بالبنان.
الكل سواء أمام المرض النفسي والكل ضعيف أمامه إذا لم يتلق العلاج المناسب وفي التوقيت المناسب.

شهر مايو هو شهر التوعية بالصحة النفسية، لذا سنناقش سويًا وبخطوات محددة كيف نحافظ على صحتنا النفسية رغم ما يمر بنا من أحداث.

الأثار المترتبة لإهمال الصحة النفسية

طبقًا للتقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية يُعد مرض الاكتئاب من أكثر الأمراض تسببًا في إعاقة من يصاب به عن ممارسة حياة طبيعية ومنتجة؛ فقد يصاب الإنسان بمرض جسدي يقلل من حركته فيلجأ للوسائل الطبية المختلفة ليعاود نشاطه ويمارس حياته بشكل طبيعي بعكس الأنواع الشديدة من الاكتئاب والتي تُفقد الشخص رغبته في الحياة بل وكثيرًا ما يفكر في الانتحار، وللأسف إذا لم يتلق العلاج المناسب قد ينهي حياته فعلًا وفي هذا الفيديو الصادر عن منظمة الصحة العالمية تصوير دقيق لمعاناة مريض الاكتئاب.
وليس الاكتئاب فحسب، بل إن الأثر السلبي للأمراض النفسية بوجه عام -على الشخص نفسه ومن حوله أيضًا- كثيرًا ما يفوق أثر الأمراض العضوية.
إذًا الأمر يستحق منا أن نبذل الجهد لنحافظ علي صحتنا النفسية ونتعامل بشكل صحيح مع ما يمر بنا من ضغوط الحياة المختلفة.

لمَ وصلنا لتلك المرحلة؟

الصحة النفسية من المواضيع الشائكة التي لا يحب أغلبنا مناقشتها -حتي على المستوي الفردي- لأنها كثيرًا ما ارتبطت بالوصمة والتمييز وكثيرًا ما يُقترن كون الإنسان يعاني أعراضًا نفسية بكونه ضعيف الإيمان أو ضعيف الشخصية.

لذا نتجنب الحديث عن صحتنا النفسية ونخجل من الاعتراف بما يمر بنا من إحباطات؛ فلا أحد يود أن يراه الآخرون شخصًا ضعيفًا أليس كذلك؟

السبب الآخر هو أننا نرى الأمر مُعقدًا للغاية وأننا لن نستطيع الحفاظ على صحتنا النفسية إلا بمساعدة متخصص؛ الأمر الذي نراه ضعفًا وأمرًا مُخجلًا كما ذكرنا سابقًا وهكذا يستمر الوضع بأننا لا نود مناقشة الأمر أو فتح ملف الصحة النفسية -حتى ولو بيننا وبين أنفسنا- ولكن للأسف صحتنا النفسية كصحتنا الجسدية إذا لم نهتم بها فمن المتوقع أن يصيبها المرض عاجلًا أم آجلًا، والاعتناء بصحتنا النفسية لا يتطلب قدرًا هائلًا من المعلومات أو مجهودًا خرافيًا كما يبدو للوهلة الأولى، فقط يتطلب أن نشعر بأهمية الأمر ونبدأ بخطوات بسيطة ولكن منتظمة لجعل صحتنا النفسية أفضل.

ولفعل ذلك يمكننا البدء بالإرشادات التي حددتها منظمة الصحة ببريطانيا “NHS“.

للمربين وأولياء الأمور: لماذا عليكم التوقف عن المقارنة بين الأطفال؟!

خمس خطوات نستطيع القيام بها لنحافظ على صحتنا النفسية:

١. تواصل مع من حولك

أن يكون لك دوائر ثقة من أناس ترتاح في التواجد بينهم وتتبادلون الدعم والمساندة والمشاركة سويًا لتستطيعوا أن تمروا بسلام -أو على أقل تقدير بأقل الخسائر الممكنة- على ما يمر بكم من أحداث الحياة، هذا أمر ضروري وليس رفاهية.
فالإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع العيش بمفرده، بل إن احتياجنا لشعورنا بالحب ممن حولنا احتياج أساسي وفطري لا يختلف عليه اثنان، كما أن إحساسك بالانتماء لمجموعة معينة من البشر من أهم أركان الحياة السوية الأساسية لتحيا حياة جيدة.

لتحقيق ذلك يمكننا البدء ببعض الأفعال البسيطة كالحفاظ على تناول الطعام مع الأسرة بانتظام وتبادل ما حدث خلال اليوم مع كل فرد فيه، ويجب التأكيد هنا أن التواصل على مواقع التواصل الاجتماعي لا يغني عن التواجد الفعلي مع من يهمك أمرهم سواء من أفراد العائلة أو الأصدقاء بالطبع، وأثناء هذا التواجد اترك هاتفك جانبًا واحرص أن تمنحهم ما يسمى الانتباه الكامل “undivided attention” لتحصوا سويًا على ركيزة أساسية للعلاقات السوية وهي “quality time” هذا بشكل عام.

لكن فيما يخص أزمة كورونا الحالية وأنه يجب الحفاظ على المسافات بين الناس “social distancing”  لا بد من التأكيد بأن هذا لا يعني الانعزال التام وقطع العلاقات “social isolating” فيمكننا استخدام منصات التواصل للتحدث مع أصدقائنا لحين انتهاء الوباء والعودة لسير الحياة الطبيعية والخروج لملاقاتهم والتواجد فعليًا معهم.

٢. حافظ على نشاطك البدني

ممارسة نشاط بدني -مهما كان بسيطًا- يُحسن من حالتك النفسية عن طريق إفراز نواقل كيميائية بالمخ تُعرف بالـ “endorphins” وهي مسؤولة عن تحسين المِزاج والحالة النفسية.
والتزامك بأداء التدريبات الرياضية بشكل منتظم يحسن من التقدير الذاتي أو ما يُعرف بـ self-esteem والذي ترتفع مستوياته مع أي نشاط تقوم به بانتظام لأن ذلك يعطيك الإحساس بالانضباط الذاتي مما يزيد من تقديرك لنفسك.

توجد العديد من الفيديوهات لكيفية أداء الأنشطة البدنية من المنزل حتى تعود الأمور لسابق عهدها ونستطيع الذهاب للصالات الرياضية وممارسة الرياضة.

٣. تعلُم مهارات جديدة

لأنه أولًا يزيد من تواصلك مع أناس جُدد تتعرف عليهم في كل تجربة جديدة، ويزيد من التقدير الذاتي لنفسك بإتقانك لشيء جديد لم تكن تعلمه سابقًا ويمكنك البدء بنشاط بسيط مثل محاولة طبخ وجبة جديدة لم تجرب صُنعها سابقًا أو ممارسة هواية كالرسم أو قراءة كتاب جديد، وإذا لم تستمتع بنشاط معين غيّره إلى أن تجد نشاطًا تستمع بأدائه.

وفي الوقت الراهن من الحظر فرصة ممتازة لفعل أنشطتنا المحببة والتي توقفنا عن ممارستها في وسط ضغوط الحياة أو حتى للتعرف على أنفسنا بشكل أفضل.

تعرف على اهتماماتك التي لم تكتشفها من قبل أو تعرفها ولكن مع ضغوط الحياة أهملتها، وحافظ على أدائها حتى بعد عودة الأمور لطبيعتها وليس من الضروري أن تستقطع حينها وقتًا طويلًا لهواياتك يكفيك عشر دقائق بانتظام يوميًا.

5 كلمات عليك استبدالها فورًا من أجل تشجيع طفلك على التعلم وتعزيز ثقته بنفسه

٤. العطاء للآخرين

هناك دراسة منشورة علي منظمة الصحة النفسية ببريطانيا أثبتت أن العطاء -مهما كان بسيطًا- يؤثر بشكل إيجابي على حالتنا النفسية لأنه يُكسب أوقاتنا معنى “purpose” والذي هو الآخر أحد دعائم الحياة السوية، ولا يجب أن يكون العطاء فعلًا ضخمًا ليكون عطاءً، بل على العكس ابتسامتك في وجه زميلك في العمل واستماعك المتعاطف لمشكلة جارك وإعطاء مقعدك لرجل مُسن في الحافلة كلها من أشكال العطاء -والتي رغم بساطتها- تمنح حياتنا معنى.

كما أن التطوع في أي نشاط خَدمي أو مجتمعي بشكل منتظم يحسن من حالتك النفسية.

٥. عش يومك كما هو

لا تجعل نفسك أسيرًا لما حدث في الماضي أو ما سيحدث بالمستقبل لأن ذلك سيفقدك متعة اللحظة الحالية.

نعم تعلّم من دروس الماضي وخطّط جيدًا لمستقبلك، ولكن أيضًا استمتع بحياتك الحالية والمرحلة العمرية التي تعيشها الآن.
لا تقضي حياتك منتظرًا أن تنتهي مرحلة “س” لتبدأ بالاستمتاع بحياتك، بل على العكس فكر كيف تستمتع بها وأنت في مرحلة “س” لأن بعد “س” ستأتي مرحلة “ص” وستجد نفسك منتظرًا حتى تنتهي “ص” وهكذا تقضي حياتك في الانتظار إلى أن تأتي اللحظة المناسبة -والتي لن تأتي أبدًا- فتلك المراحل التي تنتظر انتهاءها هي حياتك التي يجب أن تحاول أن تحياها كما هي.

وفي النهاية أود التأكيد أنه في حالة ظهور أي أعراض نفسية أو تُغير مستمر لحالتك المزاجية يجب عليك طلب المساعدة من الأطباء المتخصصين لأن صحتك النفسية لا تقل أهمية عن صحتك الجسدية بل على العكس هي تمثل شرطًا أساسيًا لتنعم بجسد سليم معافى وحياة جيدة ومستقرة. ودمتم بألف خير.

4

شاركنا رأيك حول "في شهر التوعية بها، كيف نحافظ على صحتنا النفسية؟"