0

ليس أول مَن قال بها أو تحدث عنها. مارك زوكربيرغ لم يكن السبّاق في ذلك طبعًا. لكن عندما تكون شركة تُصنّف في المركز السادس لأضخم شركات العالم؛ بقيمة سوقيّة تتجاوز الـ 900 مليار دولار، هي من سيتبنى ذلك، حينها يجب أن نلتفت قليلًا للميتافيرس، ونطيل التأمل في هذه الفكرة التي قد تكون جيدة جدًا وخطيرة جدًا في الآن نفسه!

جيدة جدًا؟ لماذا؟

لأن العالم يتطور ويتغير بشكل مُستمر، هذه سنة تاريخيّة في الكون مِن الصعب اختراقها، فكل شيء ثابت يُنسى ويضمحل، ليبقى قانون التكيف سائرًا نحو الأفضل مُستعملًا شتى أدوات الصقل والتجويد.

خطيرة جدًا؟ لماذا؟

لأنها شركة تجارية، فهي لا تهتم إلا بالربح. خصوصًا فيسبوك. صاحبة سلسلة فضائح عتيدة في هذا الجانب. فلربما مِن الصعب أن أئتمن نفسي في عالم الواقع؟ فكيف أسلم رقبتي لهم في عالم الخيال؟

حلم الوصول للمساواة المطلقة يبدأ مِن هنا..

لا شك أن هناك تباينات في إمكانيّة الدخول للإنترنت أو الخدمات التي يقدمها. ولعلَ ميتافيرس الخاص بمارك زوكربيرج، قد يشكل نواةً جنينيّةً تسمح بحصول المساواة المطلقة وعدم التقيد بحدود الجغرافيا وما يترتب عليها.

فطالما أن مفهوم الميتافيرس يعتمد في صلبه على «خلق» شخصيات افتراضيّة بإمكانها عيش حياة خيالية شبه كاملة غير موجودة في عالم الواقع، فهذا يمنح الإنسان حقًا -ولو كان وهميًّا- في الدخول لما يدخل إليه الجميع.

كل ما يتطلبه الأمر فقط هو نظارة ثلاثية الأبعاد، وإنترنت سريع، ووقت فراغ، أو وقت عمل ربما!

يدعم هذه الفكرة أيضًا، أنه بالفعل هناك حاجة لإتاحة الوصول للجميع، فسواءً كنت تعيش في عاصمة بنغلاديش أو صحراء نيفادا. سيصبح بإمكانك حينها الدخول لنفس العالم تمامًا!

بغض النظر عمَن أنت، وما هو شكلك، واللغة التي تتكلمها.

والذي يتوافق بشكل ما مع رغبة الجنس البشري في تحقيق مساواة عالميّة في الفرص، خصوصًا لدى صنّاع القرار في الجزء الغربي مِن عالمنا.

ولهذا قد تلاقي الفكرة الرواج الكبير والتبني الواسع.

اهتمام بالمساواة أم هروب مِن ملاحقات قانونيّة؟

الكلام المعسول بإمكان الجميع أن يتحدث به ويتغنى فيه، لكن عندما تكون الأموال والفضائح والملاحقات القانونيّة على الطاولة، تستحيل كل تلك الادعاءات السابقة لتغدو حبرًا على ورق؛ مُجرد هروب للأمام وتشتيت للأنظار عما يتسرب بين الفينة والأخرى.

خصوصًا أن شركة فيسبوك التي قلبت نفسها مؤخرًا لشركة “ميتا” عانت في الفترة الأخيرة مِن تسريبات «فرانسيس هاوغين» التي بينت في معرض حديثها أن الشركة تعطي الأولويّة للأرباح حتى لو على حساب إيذاء المستخدمين، أو نشر البيانات والمعلومات المضللة.

الأمر الذي يضعنا أمام معضلة تحتاج إلى تفكير، خصوصًا أن عالم الميتافيرس القادم مَبني على شركة ربحيّة. كيف يمكن الوثوق فيها إذًا؟

لكن ربما، هذا هو ديدن الشركات بشكل عام. لن تعمل أي شركة لتشبع بطون الفقراء حول العالم بالطبع! هذا هو ميثاق العمل منذ نشوئه وإلى الآن، الضرر يكمن في أن يكون الأذى متعمدًا عن قصد في سبيل دفع المستخدمين لاختيار أنماط معينة مِن السلوك. حينها يمكن وصم الشركة بالسوء والشر المطلق.

نفس الأمر الذي دائمًا يثار أيضًا، هو ألعاب الفيديو وعلاقتها بالجرائم.

هل كل مَن يلعب يرتكب جرائم؟ لا طبعًا. إلا أن هناك مَن لديهم ميول إجراميّة قد تعززها الألعاب، ولا يمكن لوم الألعاب أو فيسبوك أو الشركات هنا!

لأننا لو فتحنا هذا الباب، لأصبح علينا إغلاق كل شركات العالم. خصوصًا تلك المسؤولة عن الطاقة والنفط والغاز كونها تلوث البيئة!

فلربما، لا بأس قليلًا بعالم افتراضي جديد، يعطي فرصة للجميع للدخول إليه!

أن تتحول لآلة، وتكون ما تريد!

تعود فكرة الميتافيرس والدخول في تجربة عالم افتراضي، إلى الفيلسوف الأمريكي «روبرت نوزيك» الذي تحدث في كتابه الشهير «الفوضى، الدولة، واليوتوبيا» عن تخيّل إمكانية ربط كل فرد لنفسه ضمن “كبسولة تجربة” موجودة ضمن حوض كبير، تكون تحت إشراف عدد مِن العلماء، يمكن من خلالها تحفيز عقلك وتوجيهه بطريقة معينة. 

الفيلسوف الأمريكي روبرت نوزيك.

بقدر ما تبدو الفكرة مقلقة، إلا أنها واعدة وجميلة أيضًا. فالنقطة السلبية التي تثار دائمًا، أن هذا العالم الجديد “سيعدّل” بنية الإنسان، إلا أن الواقع يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. 

إذ تصرّح فيسبوك وغيرها أن بوابة الدخول للميتافيرس هي نظارات الواقع الافتراضي أو ساعة أو شيء ما آخر، لا يوجد تعديل على الإنسان أو تغيير فيه. هذه فقط موجودة في هوليوود. 

لنكن أكثر دقة في الوصف، الواقع الافتراضي “خيار” يمكنك أن تدخل إليه. وليس كل شيء محيط بك وأنت مجرد عبد بلا أي قدرة للتملص!

لذلك، يبدو أن فيسبوك أو ميتا، التقط فكرة نوزيك وآخرين، ويريدون إتاحة إمكانية الدخول لعالم الأحلام هذا. 

فلربما مثلًا، يضع فيسبوك إمكانية اللقاء مع “الموتى” مِن الأحباء الذين رحلوا! لا سيما أنهم اليوم في هذا العالم، يمكنهم ترك آلاف ومئات الرسائل والصور والسلفي والتسجيلات الصوتيّة. لتصبح إمكانية وجود “صوت وصورة وحتى تفضيلات شخصية” أمرًا قابلًا للتحقق في عالم الميتافيرس!

خصوصًا عندما تكون الشركة هي فيسبوك التي تملك كلًا من “إنستغرام وواتساب وفيسبوك” حينها ثقوا تمامًا أن الميتافيرس سيكون ملائمًا لك جدًا.

ربما سيعرفنا أكثر مِن أنفسنا أيضًا!

اعتراضات روبرت نوزيك الثلاثة

يرى نوزيك في كتابهِ عن عالم الخيال ذلك، أن ردة فعل الجنس البشري تجاه تلك الكبسولات الحوضيّة هي الرفض، ويضع ثلاثة أسباب لحدوث هذا الرفض.

أولها: أن الإنسان يريد أن ينجح بالفعل، وليس أن يحاكي مفهوم النجاح!

بمعنى أنهُ لو توسّع مفهوم الميتافيرس وتمدد، وأصبح بإمكان الإنسان أن يدخل إليه ويكتب رواية وينجح فيها ويصبح له جمهور، فإن الإنسان بطبعه لن يقبل بذلك. كونه يريد أن ينجح فعلًا بكتابة رواية، لا أن يحاكي نجاحه في كتابة رواية!

وحتى مارك زوكربيرغ نفسهُ، لا يرى إمكانية استبدالها لتجارب الواقع، بقدر ما ستكون مَهربًا منهُ.

ثاني تلك الأسباب، هو أن الدخول لتلك الكبسولة لا يعني أنك أنت، بل مجرد إنسان يطفو في آلة تحاكي لهُ رغباته المختلفة.

فقد يعتقد الراوي أنه يكتب رواية فائقة الجمال، لكنه في الحقيقة لا يفعل شيئًا. مجرد إنسان يطفو ضمن كبسولة صغيرة تتحكم بها العلماء كما لدى نوزيك، وفي عصرنا تتحكم بها شركات هدفها الربح!

ثالث الأسباب وآخرها وفقًا لنوزيك، أنّ الدخول في عالم خيالي ليس أكثر أهميةً مِن عالمنا الذي صنعه الإنسان. على العكس، هناك أشياء أقل قيمة ومعنى في تلك المسرحيات الخيالية المختلفة. 

ذلك العالم، سيكون مليئًا بنزوات الناس المحطمة ونجاحات مَن لا نجاح لهُ! لهذا يعتقد نوزيك أن عالمنا أهم من ذلك العالم، ويحوي على تجارب أكثر عمقًا وأقرب إلى طبيعة الإنسان.

فالرغبة في أن تكون قريبًا من أحبائك لن تشبع بمجرد رؤية صورهم وأصواتهم في الميتافيرس! هناك حاجة دفينة ضمن كل شخص، تدفعه لأن يكون قريبًا مِن أحبائه بشكل حقيقي!

ميتا زوكربيرغ: ليست حياتنا..

تدفعنا تساؤلات نوزيك السابقة للنظر مطولًا فيما تفعله شركة فيسبوك مؤخرًا. فوفقًا لكلمات مارك زوكربيرغ نفسه، إن تجربة الميتافيرس لن تكون تجربة حقيقية ولن تقترب منها. فإنها قد تجعلنا وكأننا موجودون وحاضرون في مكان ما لكننا لسنا هناك فعلًا.

وكما قال نوزيك، الإنسان يريد فعلًا لأن يكون بجوار مَن يحبهم، لا أن يتخيل أنه بجوارهم!

لأنه ببساطة يمكننا يوميًّا الحديث مع الجميع عبر منصات التواصل أو الهاتف، لكن هل هذا يُغني أو يشكل بديلًا لزيارتهم والتواجد معهم حقيقيةً؟

مما ينبغي الحديث عنه، أن تلك “الحيوات الخيالية” مِن الصعب أن تشكل انعكاسًا حقيقيًا لشخصيات أصحابها. فغالبية الشخصيات تختلف وتتبدل عندما تنزل مِن عالم الإنترنت لعالم الواقع والعكس صحيح.

هذا التناقض دائمًا ما يظهر بوضوح؛ خصوصًا أن الإنترنت بشكل عام يتيح إمكانيّة “اختيار الشخصية” التي ترغب في أن تكون عليها.

يمكنك اختيار صورة شخصيّة، واسم، وكنية، وما تريد.

لكن هل هذه المكونات السابقة هي أنت؟

في عالم الواقع، هل اخترت اسمك وشكلك ولونك؟

الفكرة المهمة هنا، أن عالم الإنترنت وليس الميتافيرس بشكل عام، يتيح لك إمكانية تزييف نفسك. يتيح لك أن تكون مَن لا تكون! أو لا تكون مَن تكون!

إنهم يهتمون بالربح ولا شيء آخر

العالم ليس سوقًا خيريًا أو مشاعًا اشتراكيًا للجميع الحق في أن يأخذوا منه متى أرادوا! خصوصًا عندما يكون ذلك العالم ليس إلا مِن اختراع مارك زوكربيرغ صاحب سلسلة الفضائح العتيدة في السنين الأخيرة.

فربما يقتنع الإنسان بفكرة العالم الخيالي الذي بإمكانه أن يكون داخله مَن يكون ومَن يشاء، مع مَن يشاء في أي وقت كان!

لكن ذلك يختلف عندما نعلم أن الشركة القابعة وراءه شركة ربحيّة، هادفة لتحصيل الأموال كغاية أخيرة، ومستعدة ربما لإنهاء أي مشروع إن لم يعد يأتي إليها بمردود مادي يستحق التضحية والدعم!

هذا سؤال جدّي لا بد مِن الوقوف أمامه، هل نرغب حقًا في الدخول لمحاكاة مصممة مِن قبل أشخاص كهؤلاء؟

يقول زوكربيرغ إن الهدف هو جلب السعادة وتحقيق رغبات الناس. لكن هذه الجملة لا تقل سذاجةً عن عبارة الطبيب لطفل ما يبكي كي لا يأخذ الحقنة، فيحاول ترغيبه بها بالقول: خذ الحقنة وسوف أعطيك الحلوى!

الهدف دائمًا كان الحقنة لا قطعة الحلوى!

وسعادة زوكربيرغ هنا هي حلوى الطبيب ذاتها!

بين ما هو حقيقي وما هو افتراضي

يجادل نوزيك في أن الحقيقة تعتمد في جزء منها على ما هو “ذو معنى”. فلربما يمكن للعالم الخيالي أن يتضخم ليحقق أمنيات غير مكتملة أو رغبات مكبوتة، إلا أنّها تبقى غير حقيقية كونها لا تملك معنى أصيلًا في داخلها.

ويضيف نوزيك إلى أن الرغبة في التمسك بالعالم الخاص بنا ليس ربما لخوف غير مبرر مِن القادم، بقدر ما هي محبة الإنسان نفسها للالتصاق بالمكان الذي بذل فيه جهدًا كبيرًا.

فأصدقاء طفولتك، ومدرستك وجامعتك وأحباؤك وأقرباؤك، وكل شيء موجود هنا في هذا العالم، كيف يمكن التخلي عنها ببساطة؟

فكرة المحاكاة نفسها قد تكون قريبة منا، لكنها خاوية وبدون معنى، ولا تعدو كونها محاولات طفوليّة مِن قبل الإنسان لخلق بيئة وجنة افتراضية يتساوى فيها الجميع.

هذا طبعًا، إن صدقنا الرواية المثالية التي يقولونها، وتناسينا لبرهة أن هذا الكلام يخرج مِن شركة تهدف للربح مليئة بالفضائح وتسريب بيانات المستخدمين حتى أخمص قدميها!

اقرأ أيضًا: الانتحار في الجامعات.. لماذا يتخذ الطلاب قرارًا بإنهاء حياتهم؟

أخيرًا.. أين تكمن خطورة فكرة مارك زوكربيرج؟

تكمن في أن فيسبوك أو شركة ميتا الجديدة، تمتلك كمًا مرعبًا مِن البيانات عن المستخدمين، فلا ننسى أن هذا الشركة تستحوذ على كل من إنستغرام وواتساب وشبكة فيسبوك للتواصل نفسها، حينها يمكن أن توظف كل هذه البيانات في سبيل خلق تجربة “ميتافرسية” خيالية مِن الصعب جدًا الهروب مِن حبائلها.

إضافةً لأن لعقل الإنسان حدود للاستيعاب لا يمكنه تخطيها كثيرًا. ولعل في مقولة دانيال غولمان مؤلف كتاب الذكاء العاطفي الشهير خير دليل على ذلك:

“كثرة المعلومات تتوافق مع قلة الانتباه”

فصحيح أننا نعيش في عالم لم يكن لأحد مسبقًا أن يتخيل فيض المعلومات المرعب فيه، إلا أننا أيضًا نعيش في عالم لا انتباه ولا تركيز فيه! فكل عضو مِن أعضائه مشتت يوميًا بوابل مِن الإشعارات وفيض من نغمات الرنين والطنين وغيرها.

حينها يمكننا طرح السؤال التالي: لأي مدى يمكن لعقل الإنسان أن يستوعب ويواكب هذه التغييرات؟

ما هي قدرة الذهن البشري على الركض وراء كل هذه التبدلات يوميًا؟

فلا أحد يكره الاختراعات الجديدة، ولا تلك التقنيات التي تسهل حياة الناس. على العكس، مرحبٌ بها على الدوام، لكن مِن حق الإنسان أن يشك في تلك الابتكارات الجديدة.

خصوصًا عندما نعلم أن مَن ورائها شركة ربحية ذات سلسلة من الفضائح، والتي تحاول تفاديها بالهروب للأمام عبر تغيير اسمها مؤخرًا.

حينها، لا بد أن نقول إن فكرة مارك زوكربيرغ خطيرة.

ليس لأنها مبتكرة أو جديدة أو حتى إن نجحت، فستكشل انقلابًا عنيفًا في مسار البشرية. 

بل لأنها مؤذية للإنسان نفسه قبل أن تخدمه، ولأن الإنسان دائمًا ما يسيء استعمال أدواته بدءًا من الحديد الذي باستطاعته أن يصنع منه مطرقة بناء تعينه في إعمار الحياة. أو يصنع منها دبابةً تقتل الناس هنا وهناك!

الفكرة لم تكن في تقبل الأشياء الجديدة أو رفضها. الفكرة كانت دائمًا في سوء الاستخدام!

هنا تمامًا تقبع فكرة مارك الخطيرة!

0

شاركنا رأيك حول "الميتافيرس: هل يحاول مارك زوكربيرغ خلق جنّة افتراضيّة؟"