اللغة العربية
0

تعتبر اللغة العربية واحدة من أهم اللغات الحاضرة في عالم اليوم، فعمرها يعود إلى أكثر من ألف عام -بشكلها الأخير التي استقرت عليه- ولم تزل إلى الآن حية، يقبل الناس على تعلمها لأسباب مختلفة. وقد نالت عملية تعليم اللغة العربية لأهلها ولغير أهلها اهتمامًا كبيرًا من علماء اللغة والباحثين اللغويين في مشارق الأرض ومغاربها، ويرجع ذلك لطبيعة اللغة العربية كلغة عالمية معترف بها بين المؤسسات العالمية، فقد اتخذتها الأمم المتحدة إحدى لغات العمل الرسمية التي تكتب بها جميعُ وثائقها، واتخذت الأمم المتحدة هذا القرار بناءً على دور اللغة العربية في حفظ تراث الحضارة الإنسانية ونشره وإنمائه والإبداع فيه، إلى جانب كونها لغة اثنين وعشرين عضوًا من أعضائها.

وتتعدد دوافع تعلّم اللغة العربية عند كثير من الشعوب الناطقة بلغات أخرى، سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية؛ حيث إنّ التمكن من مهاراتها وإتقان الأداء بها هو وسيلتهم لقضاء شعائرهم الدينية أو سبيلهم للحصول على وظيفة في بلد عربيّ، أو قضاء وقت سياحي فيه، او استكمالًا لمتطلبات مقرر دراسي، أو أداة لبحث علمي، وقد يكون الغرض أعمق من ذلك وهو أن يتقن الدارس الأجنبي اللغة ليتصل بمتحدثيها ويفهم تقاليدهم ويعايش ثقافتهم.

العربي والعربية اليوم

اللغة العربية

جرّب أن تطلب من طفلك (من سن الروضة إلى 12 سنة) أو أي طفلٍ في محيطك أن يتحدث لمدة خمس دقائق متواصلة باللغة العربية الفصحى بدون خطأ؛ فإنه في الغالب لن يستطيع ذلك، وسيظل يخلط بين الكلمات العامية والعربية مرارًا، وكذلك البالغين. ويمكنك أن تجري هذه التجربة أيضًا على طلاب الثانوية والجامعات والشباب عمومًا ممن هم في محيطك لتتأكد بنفسك من حجم المشكلة!

ففي الوقت الذي ندَّعي فيه أن اللغة العربية هي لغتنا الأم نكتشف أن أكثرنا لا يستطيعون أن يقيموا حوارًا بسيطًا في العربية الفصحى، فضلًا عن قراءة كتابٍ من كتب التراث العظيمة.

شغلتني هذا المشكلة كثيرًا باعتباري معلمة لغة عربية وباحثة أيضًا في الأمر وقرأت كثيرًا من مناقشات الباحثين العرب، وكثير من علماء اللغة العربية عن هذه المشكلة؛ كالأستاذ شوقي ضيف، والدكتور تمام حسّان وغيرهم ممن أرجعوا الأمر إلى أسبابٍ كثيرة؛ منها تراجع مستوى معلمي اللغة العربية، قصور المناهج المقدمة للطلاب في اللغة العربية، التمسك بالتقاليد القديمة في التدريس وخاصة تدريس النحو العربي وكلها أسباب صحيحة في مجملها ولكنني دائمًا ما كنت أشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا في هذا التنظير، حتى عثرتُ أخيرًا على كنز، فتح أمامي أفق المشكلة والحلّ بتجربه عملية ماتعة.

“إن التلميذ العربي يشبه الصياد الذي ذهب إلى البحر ونسي شبكة الصيد” عبد الله الدنان

الدكتور عبد الله الدنان
الدكتور عبد الله الدنان

الدكتور عبد الله الدنان باحث لغوي وروائي وشاعر فلسطيني، ولد عام 1931 وكان يقيم في سورية منذ عام 1948 مجاز في الأدب الإنكليزي والتعليم الثانوي من جامعة دمشق، حصل على الماجستير في التربية والدكتوراه في العلوم اللغوية من جامعة لندن، وأمضى أكثر من ستين عامًا في التربية معلمًا ومدرسًا وأستاذًا جامعيًا، وأشرف على برامج للغة العربية وله عدة مؤلفات بين قصص للأطفال وكتب في اللغة العربية وأبحاث أكاديمية أهمها:

كتاب “النظرية” وبه شرح نظرية تعليم اللغة العربية الفصحى للأطفال بالفطرة والممارسة.

يقول الدكتور عبد الله عن مشكلة تعلم اللغة العربية:

  • كشف العلماء اللغويون النفسيون منذ حوالي أربعين عاماً أن الطفل يولد وفي دماغه قدرة هائلة على اكتساب اللغات
  • هذه القدرة الهائلة تمكن الطفل من كشف القواعد اللغوية كشفاً إبداعياً ذاتياً، وتطبيق هذه القواعد ومن ثم إتقان اللغة
  • هذه القدرة تمكن الطفل من إتقان لغتين أو ثلاث لغات في آن واحد
  • هذه القدرة الهائلة تبدأ بالضمور بعد سن السادسة وتتغير برمجة الدماغ تغيراً بيولوجيا من تعلم اللغات إلى تعلم المعرفة
  • المفروض، بحسب التطور الخلقي الطبيعي للإنسان، أن يتفرغ الطفل لتعلم المعرفة بعد سن السادسة من العمر، وذلك بعد أن تفرغ لتعلم لغة (أو أكثر) وأتقنها قبل سن السادسة
  •  تعلم اللغة بعد سن السادسة عملية شاقة، وتتطلب جهداً كبيراً ويصعب عليها الوصول بالمتعلم إلى مرحلة الإتقان
  •  الواقع التعليمي واللغوي للتلميذ العربي يسير سيراً معاكساً لطبيعة الخلق، لأنه: أولاً: لا يتقن لغة المعرفة وهي اللغة العربية، قبل السادسة أي في الفترة الفطرية لتعلم اللغات، وثانياً: لأنه يتعلم لغة المعرفة وهي اللغة العربية بعد بدء ضمور قدرة الدماغ الهائلة على تعلم اللغات فيبذل جهداً كبيراً لتعلم لغة المعرفة كما ينفق وقتاً طويلاً هو بحاجة ماسة إليه لتعلم المعرفة وهكذا يبقى ضعيفاً في اللغة العربية، وفي فهم المعرفة المكتوبة بهذه اللغة.

اقرأ أيضًا: كيف تقوّي اللغة العربية لديك؟

تجربة باسل

عام 1977 رزق الدكتور عبد الله الدنان بولد على خمسة أشقاء سمّاه باسل، وطلب من أمه السيدة دلال عطايا وإخوته أن يحدثوا الرضيع كما يتحدثون مع بعضهم البعض بعاميتهم السورية، وبدأ هو في الحديث معه منذ أن كان عمره سنة واحدة (باللغة العربية الفصحى) يمارس اللغة على طفله حتى كانت المفاجأة، وصل الطفل إلى السنة الثالثة من عمره وهو يتحدث اللغة العربية الفصحى بطلاقة، يرفع وينصب ويجزم ويجر، كما كان يترجم من العربية الفصحى إلى العامية لأمه وإخوته كل هذا فقط عن طريق التكلم (مع شخصٍ واحد) بلغة سليمة!

فسماها (تجربة باسل) وللدكتور الدنان مع باسل ولده وهو طفل دون الثالثة يتحدث ويضحك باللغة العربية بغير خطأ واحد وتسجيلات عدة تستحق المشاهدة فعلاً.

رزق الدكتور بعدها بأربع سنوات أيضاً بفتاة صغيرة سماها (لونا) وفعل معها ما فعله سابقًا مع باسل، الحديث بالفصحى منذ عمر عام فصارت تتحدث بالفصحى أيضًا ولكن بمساعدة باسل أيضًا هذه المرة.

وكانت نتائج هذه التجربة مذهلة:

  • إتقان الطفل باسل للعربية الفصحى وهو لم يتجاوز السنوات الثلاثة الأولى.
  • تحسن الأداء الدراسي لباسل ولونا أكثر من رفقائهم الأطفال الذين يتلقوا اللغة العربية الفصحى للمرة الأولى في حياتهم بعد الخمس سنوات وفي شكل مواد دراسية بغير ممارسة.
  • عدم احتياج الإنسان للقواعد النظرية في مرحلة الاكتساب اللغوي (السبع سنوات الأولى من عمره).

عن تعميم التجربة يقول الدكتور الدنان:

  • دار الحضانة بالكويت

تأسست بالكويت في 17/9/1988، وهدفت الحضانة إلى تعليم اللغة العربية الفصحى للأطفال بالفطرة. واعتمدت اللغة العربية الفصحى لغة التواصل في المواقف الحيوية كلياً طوال اليوم الدراسي وفقًا لتجربة باسل، وبالفعل لاقت الفكرة نجاحاً هائلاً، وبدأ الأطفال يتحدثون بالفصحى بعد أشهر من بدء التجربة. زار الحضانة وزير التربية الكويتي آنذاك الأستاذ أنور النوري وأعجب بما شاهد وقرر تعميمها على رياض الأطفال بالكويت وكتب عن دار الحضانة العربية بالكويت العديد من الاستطلاعات والأخبار الصحفية وكلها كانت تؤيد الفكرة وتؤكد نجاحه.

  • روضة الأزهار العربية – حرستا، دمشق، سوريا

تأسست روضة الأزهار العربية في 17/10/ 199 و هدفت إلى تعليم الفصحى للأطفال بالفطرة قبل سن السادسة وذلك عن طريق اعتمادها لغة التواصل طوال اليوم المدرسي، ونجحت الفكرة أيضاً نجاحاً عظيماً فاق توقعاتنا تماماً كما نجحت في الكويت.

زار روضاتنا حتى الآن أكثر من خمسين مربياً وباحثاً من (سوريا والأردن والسعودية ومصر وليبيا والمغرب والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) وقد سجل جميعهم انطباعاتهم مؤكدين نجاح الفكرة ومؤيدين لتعميمه ولدينا أشرطة فيديو تصور أطفالنا وهم يتكلمون بالفصحى ويتحاورون مع معلماتهم.

ثبت لدينا أن الأطفال استطاعوا إتقان الفصحى جنباً إلى جنب مع اللهجة الدارجة: الأولى في المدرسة والأخرى خارج المدرسة
كذلك فقد بدأت المدارس العصرية في عمان-الأردن التطبيق منذ بدء العام الدراسي 1996/1997.
كما قررت الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا تطبيق النظرية في الروضة التي تقرر إنشاءها منذ مطلع العام الدراسي 1998/1999.

مستقبل اللغة العربية

اللغة هي الرابط بين المرء وتاريخه وتراثه وثقافته وهويته وأحاول أن أتخيل لو أن اللغة العربية لغة رائدة في عالمنا الرقمي اليوم، كيف سيكون الوضع؟ وماذا لو ظلَّ خط تدهور تعليم اللغة العربية كما هو كيف أيضًا سيصبح الوضع؟ وما سيكون مصير الإنسان العربي؟

وكما قيل قديمًا إن التجربة هي خير دليل، وفي اعتقادي أن تجربة واحدة ناجحة أعظم من آلاف الكلمات الجميلة، وهذا المقال إهداء لكل أسرة ومعلم لعلهم يستفيدوا من تلك التجربة العصرية والمهلمة إن رأوا حقًا أهمية لأن يتقن الطفل والإنسان العربي لغته العربية بجانب اللغات الأخرى.

0

شاركنا رأيك حول "هل يمكن أن يصبح طفل القرن الحادي والعشرين فصيحًا؟ تجربة باسل نموذجًا"