دعاء البسطاطي
0

بعيداً عن مفاضلة ذوي الاحتياجات الخاصة، استطاعت دعاء بسطاطي اجتياز اختبارات الانتساب إلى كلية الفنون الجميلة عبر المفاضلة العامة، منافسة بذلك أقرانها الذين يراهم المجتمع يتميزون عنها بامتلاكهم الأيدي، لكنها لا تراهم كذلك؛ فقد اعتادت أن تحل قدماها مكان اليدين، وتنفذان جلّ مهاراتهما التي تبدأ بالأعمال المنزلية ولا تنتهي عند حدود الرسم.

ولدت دعاء دون يدين، ودرست في مدرسة لذوي الإعاقة الحركية. اعترضت دعاء على تسمية مدرستها بمدرسة الأمل للمعاقين وأرادتها فقط مدرسة الأمل؛ فروادها يزرعون الأمل ويحصدونه مع مجتمعهم الذي يرمي بهم إلى الصفوف الخلفية تحت بندٍ وهمي اسمه “الإعاقة”.

دعاء البسطاطي فنانة تشكيلية ترسم بقدميها

التحدي الأول في حياة دعاء بسطاطي

ولأن عقل الطفل لا يستوعب إلا ما يراه دائماً في ذاته وفي محيطه، فهو يستهجن أي اختلافٍ عنه. وهذا ما دفع أصدقاء الطفولة لرفض دعاء التي تختلف عنهم، هذا الرفض كان صدامها الأول مع الحياة؛ ما دعا أختها للاهتمام بها أكثر، لتلتحق دعاء بعد ذلك وهي في سن السادسة بمدرسة الأمل للمعاقين، وتستمرّ بها حتى نهاية المرحلة الثانوية.

ولادة الموهبة عند دعاء البسطاطي

لاحظت أختها الكبرى حبّها للرسم، فأصبحت تُحضر لها صوراً للرسوم المتحركة وتطلب منها رسمها. ارتبكت في البداية فالتحكم بالفرشاة عن طريق القدم ليس بالأمر السهل، لكنها نجحت في النهاية، وهذا ما دعاها للانتساب إلى مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية في دمشق لتنمية هذه الموهبة. استمرت في المركز إلى أن حصلت على الثانوية العامة وحققت حلمها بدخول كلية الفنون الجميلة التي لا يتاح دخولها للمعاقين عبر مفاضلتهم الخاصة، لكنّها تحدّت الظروف وتقدّمت للمفاضة العامة واجتازت امتحانات القبول بنجاح.

دعاء البسطاطي

فنانة تشكيلية لا فتاة معاقة

دعاء الشابة ذات الواحد والثلاثين ربيعاً، تقدّم نفسها للناس على أنّها فنانة تشكيلية، وتتمنى أن يتحدّث الناس عن فنّها لا عن إعاقتها. ولها كل الحق في ذلك، فمع أنّ لوحاتها تمتاز بجمال الفكرة ودقة التفاصيل وشفافية التعبير، إلا أنّ معظم الصّحف تتحدّث عن إرادتها التي تحدت فيها الإعاقة لتغدو فنانةً تشكيليةً على مستوىً مرموق، ولا يتمّ التّركيز على لوحاتها الباذخة الجمال.

دعاء البسطاطي فنانة تشكيلية

لا حاجة للذراعين

تحاول دعاء بسطاطي بكل إرادتها كسر حاجز الإعاقة والتغلّب عليه، من خلال المشاركة في المعارض والملتقيات الفنيّة، وتقديم نفسها فنانةً لا يزيد الذراعان على موهبتها، ولا ينقصان منها شيئاً. تجد في اللقاءات المصوّرة فرصةً لإيصال رسالةٍ إنسانيةٍ لكل من يراها، بأنّها ومن في حكم ظرفها ليسوا معاقين، بل أشخاصاً بملَكاتٍ مختلفة، وقد يكونون أكثر إرادةً من غيرهم.

تقول بأنها لا تحتاج اليدين، بل ربما لو نبتت لها يدان لقطعتهما، فهي متأقلمةٌ مع وضعها وتستطيع القيام بكل الأعمال بقدميها.

يخجل بعض الناس من إعاقة أبنائهم

تقول دعاء البسطاطي في بعض لقاءاتها التلفزيونية: “هناك الكثير من الناس الذين ينجبون أطفالاً لديهم نقصٌ ما في أجسادهم، فيتعاملون معهم وكأنّهم عيب أو شيءٌ يبعث على الخجل، وقد يلجأون إلى إخفائهم عن عيون المجتمع ويحبسونهم في المنازل. أنا أخرج للناس لأريهم حجم الإرادة والعزيمة التي أمتلكها» وتضيف «صحيح أنني لا أملك ذراعين، لكنني فنانةٌ تشكيلية حصلت على العديد من التكريمات في بلدي وخارجه”.

معارض وتكريمات

تتمتع دعاء البسطاطي بروحٍ معنويةٍ عالية وتفاؤلٍ كبير، وشاركت في المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي في لبنان، وحصلت على درع التغلب على الإعاقة تقديراً لموهبتها وإرادتها. كما شاركت في مشروعٍ فني يدعى “توكيذر”، مع المجلس الثقافي البريطاني في العاصمة السورية دمشق. كما شاركت في العديد من المعارض الجماعيّة وورشات العمل في أوكرانيا وبريطانيا والأردن ومعارض جماعيّة بدمشق وحلب ودار الأوبرا ومعرض الرّبيع والخريف السّنوي ومهرجان بلودان ومعرض تحيّة إلى تشرين وتجارب أنثوية والعديد من المعارض الفرديّة منها في حلب ومنها في دمشق.

دعاء البسطاطي فنانة تشكيلية

معرض فتيات في ثقافي أبو رمانة

افتتح المركز الثقافي العربي في دمشق أبو رمانة فعالياته بعد انتهاء فترة الحجر الصحي عام 2020 بمعرضٍ فردي للفنانة التشكيلية دعاء البسطاطي بعنوان فتيات، جسّدت فيه دعاء على الزّجاج بتقنيةٍ فنية حالاتٍ تعيشها الفتاة من إبداع وسكون، فالعنوان يعبر عن الوجوه المختلفة للنساء وحالة الضياع التي تعيشها المرأة في مجتمعها بسبب ظروف معينة. تقول دعاء: “المعرض حكاية فتيات، كل واحدة منهن تمضي في طريق، ففي منحى واسع ارتبطت الثقافة بألوانها بحياة الفتاة فرسمتُ عازفة الناي وجسدت بلغة الجسد صورة الفتاة الراقصة، وكذلك القارئة”.

دعاء البسطاطي فنانة تشكيلية

أسلوبان في الرسم

اتبعت دعاء في لوحات هذا المعرض أسلوبين في الرسم، الأول هو الرسم على الزجاج الذي تراه أكثر شفافية في التعبير، والثاني هو مشروع تخرّجها الذي يعبّر عن حياتها بلوحاتٍ مختلفة، وهي تعبّر بالتالي عن حياة معظم الفتيات،

وعملت البسطاطي على تقديم فكرة الأيادي المقيدة التي تعبّر عن انعدام حرية الفتاة في المجتمع، وفكرة الأقنعة التي تعكس الوجه الآخر لكل شخص الذي لا بد أن يتهشّم لتظهر الحقيقة التي وراءه.

تقول دعاء: “رسمت الأقنعة الثلاثة في لوحة واحدة، القناع المبتسم والقناع الباكي والقناع الصارخ، لكنني لا أستخدم إلا القناع المبتسم”.

وعن لوحة الحلم المستحيل تقول: “إن أيّ شخصٍ لديه نقصٌ في شكله الخارجي حين يقف أمام المرآة يرى نفسه كاملاً، هو حلمه المستحيل، وسيرى نقصه حين يبتعد عن المرآة”.

 تشكيلية ترسم بقدميها

الأب الياس زحلاوي داعم مهم

لا يخفى على أحد وخاصةً السوريين الدور الذي يقوم به الأب الياس زحلاوي في نشر ثقافة الخير والجمال ودعم كل ما يؤدي لهذا الهدف. ومن هذا المنطلق كان الأب زحلاوي داعماً مهماً لدعاء بسطاطي في رسالتها الفنية التي تريد إيصالها للعالم.

يستغل الأب الياس زحلاوي معرض دعاء ليدعو الأهل إلى الاهتمام بمواهب أبنائهم وتنميتها وخاصة إذا كانوا من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يحتاجون لرعاية مختلفة في الصغر، لتنمو فيهم ليس الموهبة فقط، بل الهمة والثقة بالقدرة على الاعتماد على النفس.

 

الأب الياس زحلاوي

أعمال منزلية

لا يقتصر استخدام دعاء البسطاطي لقدميها على الرسم، فهي تستخدمهما بمجمل الأعمال التي يؤديها الآخرون بأيديهم. ستستغربون حين ترونها تحضّر القهوة، بدءاً من إشعال الغاز إلى تحضيرها وصبها في الفناجين، وانتهاء بشربها فنجانها.

هي تستخدم الموبايل بكلّ براعة، تستقبل المكالمات وتردّ عليها، تستطيع بقدمها إيصال الهاتف إلى أذنها، وبقدميها تلعب على الموبايل وتكتب الرسائل.

والأغرب أنها تهتم بابن أختها الصغير، تطعمه بقدمها، وتشارك في تحضير الأكلات المميزة بدقّة تحضيرها كلفّ ورق العنب وأكلات العجيين.

بالمختصر، فدعاء تستعيض عن اليدين بالقدمين في كل ما يمكن أن تقوم به، اعتادت على ذلك منذ الصغر وتأقلمت معه، وهذا يجعلها كما قالت لا تحتاج اليدين، وربما لو نبت لها ذراعان لقطعتهما.

دعاء البسطاطي

الوصول للعالمية هو الطموح

تحلم دعاء أن تصبح اسماً معروفاً عالمياً في مجال الفن التشكيلي، ليس لأنها ترسم بقدميها، بل لأنّ الفن الذي تقدّمه وطريقة الرسم التي تنتهجها يجعلان منها فنانةً من الصّف الأول، تتميّز بدقة التفاصيل في اللوحات الواقعية كلوحة الراقصة ولوحة الفتاة حاملة المظلة، وتتميز أيضاً بالفكرة وجمال التعبير في اللوحات التعبيرية كلوحة الألوان والقيد والأقنعة. وتتميّز بالأدوات التي تستخدمها في الرّسم، فإضافةً للورق المقوى والألوان بأنواعها، فقد برعت في الرسم على الزجاج.

وما زالت دعاء تقدّم نفسها كفنانة تشكيلية متميزة لا كفتاة معاقة.

اقرأ أيضاً: من قصص النجاح.. المٌشردة و الغبىّ… بنجامين كارسون و اليزابيث موراى

 

0

شاركنا رأيك حول "دعاء البسطاطي.. فنانة تشكيلية ترسم بقدميها وتحلق بجناحيها نحو العالمية"