يشبه القلق الكوليسترول كثيرًا، فكلاهما يوجد منهُ نسخة سيئة وأخرى جيدة، فمن المعروف أن هناك كوليسترول مفيد للجسم وهناك نمط آخر منه يكون ضارًا يساهم في سد الأوعية الدموية وتلفها مع الزمن. يتبع القلق نفس القاعدة أيضًا، إذ أن هناك قلق مفيد يدفع للأمام ويحفّز للاستمرار؛ كقلق الطالب مِن الفحص، فيدفعه ذلك للدراسة والتحضير وتجهيز كافة الاحتياجات الممكنة، بينما هناك قلق سيئ يورث الهشاشة النفسية، والذي يمكن أن نقول إنه نفسه القلق المفيد، لكن عندما يكون مُبالغًا به وفي غير سياقه الصحيح المناسب.

خصوصًا أنه في عالمنا اليوم -عالم فوضى الأخبار اليوميّة- بكل ما تشمله مِن حروب ومجاعات وحوادث وتريندات هنا وهناك، بات الإنسان الحديث المُعاصر لا يقلق فقط في نطاق منطقته ومحيطه الضيق كما كان معروفًا سابقًا، بل بات يُشعّع قلقه نحو الإقليم والقارة والعالم بأسره، وهذا ما ضر أكثر مما نفع، خصوصًا أن القلق لا يفيد في إرجاع ما لا يمكن إرجاعه، وصدق المثل القائل بأن الصحن عندما يُكسر، لا يمكن إصلاحه. لذلك، تذكر هذه العبارة جيدًا قبل أن تؤذي شيئًا جميلًا.

لكننا نريد أن نمد الموضوع أكثر وأكثر، ليصبح أن تذكر هذه العبارة جيدًا عندما تنوي أن تقلق كثيرًا، أو تبالغ في الاستجابة لمثيرات مختلفة من الوسط الذي تعيش فيه. مع الأخذ بعين الاعتبار أن رشفة صغيرة من القلق مهمة في سبيل الدفع نحو الأمام، لا تظهر المشكلة إلا عندما يتطوّر الموضوع ليصبح وبالًا على صاحبه، يُعيقه عن العمل والتفكير، وممارسة طقوس حياتهِ بكاملها.

يعزز القلق الزائد مِن إفراز هرمونات الإجهاد الضارة

هناك علاقة مباشرة ما بين القلق والتعب، فعندما تكون الضغوطات عليك قد فاقت ما كانت عليه في الحالة الطبيعية، يبدأ إفراز الهرمونات الإجهادية بكميات كبيرة، مما يعزز شعور التعب أكثر وأكثر. وغالبًا ما تكون آليّة حدوث ذلك عبر ثلاث مراحل هي: (التنبيه، المقاومة، ومن ثم الإرهاق). ليدفع بذلك القلق غير المفيد في مثل هكذا أحوال الجسم لتحقيق استجابات قاسية جدًا، وهو أمر غريزي مزروع ضمن الإنسان منذ سنين طويلة.

وغالبًا ما تكون هذه الاستجابة على علاقة مع آلية (قاتل أو اهرب)، فمثلًا عندما يتعرض الإنسان لحيوان طبيعي مفترس، ويكون هناك تهديد وشيك قد يؤدي لنهاية حياته ربما، يطلق الجسم هرمونات عديدة في سبيل التعامل مع هذا القلق الخطير، إلا أن المشكلة تكمن في أن الإنسان الحديث الذي يعيش وسط المدن في أكثر البيئات أمنًا، أصبح باحتمالية قليلة جدًا لحدوث ذلك، لهذا بدأ يوجه هذه الآليات الاستجابية المتواجدة فيه نحو أمور أخرى لا تستلزم أساسًا كل القلق الحاصل. فحتمًا لن يموت أحد بعد أن افترسه امتحان رياضيات أو تأخر عن العمل ليوم مثلًا!

تؤثر الهرمونات المفرزة ضمن الجسم على طرائق عمل الكثير من الأعضاء الحيوية وكيفية تفاعلها مع بعضها، ويتصدّر هرمونا الكورتيزول والأدرينالين قائمة هذه الهرمونات. إذ يتم إطلاق هرمون الأدرينالين عند التعرض لأخطار شديدة، ليتمكن الإنسان من الجري والعدو السريع بعد أن تتسارع ضربات قلبه وتشتد عضلاته وتُحصر التروية الدموية للأعضاء الهامة. وفيما بعد يفرز الكورتيزول بعد أن تنتهي العملية بكاملها.

خلال حدوث ذلك، يستهلك الدماغ كميات كبيرة من السكريات والغلوكوز، ولهذا يشعر الجسم بالإرهاق والتعب. وهو أمر طبيعي إلى حد كبير إن كان القلق مفيدًا أو محقًا كالتعرض لحيوان كاسر أو عملية سرقة. لكن بمجرد إفراز مثل هكذا هرمونات في حالات طبيعية جدًا فهذه مشكلة تستلزم علاجها، ولعل ممارسة الرياضة والعلاقات الاجتماعية الجيدة، ومعرفة حدود وإمكانات النفس البشرية هو أبرز ما يمكن قوله في هذا الجانب.

يجعلنا أكثر عرضة للإصابة بمرض السكري

عندما يقع الجسم في فخ الهشاشة النفسية مُستجيبًا لعوامل التوتر والضغط لا بد من ارتفاع في معدل ضربات القلب وضغط الدم، كما ترتفع أيضًا مستويات الكورتيزول، وكل هذا العوامل إن استمرت على المدى الطويل، تساهم في حدوث مرض السكري. ولهذا غالبًا ما يُنصح مرضى السكري بالحفاظ على أنظمة صحية سليمة، وضرورة ممارسة الرياضة والانخراط في علاقات اجتماعية صحية دون توترات ومشاكل كثيرة.

ولهذا بدلًا من الاستجابة للقلق غير المفيد بطريقة سلبية، والانكباب على تناول شتى أنواع الأطعمة والحلويات بغية الحصول على إشباع بطني لهذا القلق، ينبغي تبني نظرة أكثر رزانةً تجاه الوضع، ومحاولة عدم تردّيه أكثر مما هو متردي. لا سيما أن الأمر هنا شبيه بكرة الثلج، بمجرد أن بدأ بالتحرك يزداد حجمه شيئًا فشيئًا. ليغدوا فيما بعد عملاقًا من الصعب التعامل معه فضلًا عن إيقافه.

القلق والتركيز على الأفكار السيئة فقط

التفكير المبالغ به بالمشاكل سيورث الإرهاق والتعب بشكل مباشر. التنبّه وأخذ الحيطة تجاه ما يجري حولنا أمر سليم ومنطقي، لكن تكرار هذه الأفكار السلبية في كل يوم وساعة ودقيقة يؤذي الجهاز العصبي ويعمل على تآكله شيئًا فشيئًا. ناهيكم عن التعامل مع بقية المشاعر بنفس الطريقة أيضًا؛ كالحزن على فقدان أحد الأقرباء، أو التوجس من الامتحانات القادمة، والتطلّع للمستقبل بنوع من السوداوية والتشاؤمية. يؤثر كل هذا ليس على الجسم مسببًا إرهاقه، بل يُعطب كثيرًا من مناطق التركيز وتخزين الذكريات داخل الدماغ. كما تستنزف مخازن الدماغ السكرية كلها على التفكير في أنماط سوداوية لا تسمن ولا تغني من جوع.

دون أن ننسى المشاكل التي تعتري النوم، ليصبح وضع الرأس على الوسادة نقطة البداية لفيضان من الأفكار الشريرة الجاثمة على روح صاحبها في كل ليلة. إلا أن لكل شيء حل ولا يوجد مشكلة تستعصي على الفهم إن جلسنا معها وحاولنا تفكيكها، ولعل القلق غير المفيد المُتسبب في حدوث الهشاشة النفسية كذلك الأمر أيضًا.

أبرز ما يمكن فعله في هذا الجانب هو أخذ خطوة للوراء وألا يتعامل الإنسان مع نفسه باعتباره "ما يحدث ويجري معه" بشكل يومي. فغالب هذه المجريات تكون خارج عن الإرادة لا ناقة لنا فيها أو جمل. فهذه ينبغي أن "ندعها تمر" أو على الأقل نتعامل معه ضمن حدود إرادتنا واستطاعتنا، غير ذلك سيكون بمثابة تحميل ما لا يمكن تحمله، وهذا طبعًا سيؤدي للتعب والإرهاق والهشاشة كتحصيل حاصل.

القلق والطريق لحدوث الأوجاع الهضمية والبطنية

الأمعاء هي الدماغ الثاني كما يُقال ولذلك غالبًا ما تُقرن المشاكل الدماغية والنفسية مع اضطرابات في حركة البطن والأمعاء، فالعلاقة بينهما متينة إلى حدٍ كبير. فما يحدث ضمن الدماغ يؤثر على الأمعاء، وما يحدث في الأمعاء يؤثر على الدماغ أيضًا.

تؤثر البكتريا الموجودة في الأمعاء مطوّرةً بذلك العديد من الآليات المعقدة التي بإمكانها الاحتكاك مع المسارات الدماغية العُليا. خصوصًا عندما تحدث التغييرات ضمن القناة الهضمية فيؤدي ذلك لحدوث استجابة غدّية من قبل الغدد الصماء، لتفرز حينها الهرمونات كالأدرينالين ويزداد التوتر والقلق، إضافةً لدورها في تعزيز إفراز بعض هرمونات السعادة أيضًا، فكما هو معروف علميًا أن تناول اللحوم الصحيّة يعزز من إفراز السيروتونين في الدماغ.

فالعلاقة ما بين الدماغ والمعدة وملحقاتها تبادلية، ولعل إن أراد أحدنا تحقيق توازن بين الاثنين لا بد من أن يضبط المدخولات التي تأتي للاثنين معًا، فمن الصعب أن يكون الدماغ والحالة النفسية مستقرة عندما يأكل الإنسان طعامًا رديئًا ويمشي على نظام غذائي سيئ، والعكس صحيح أيضًا. ولتحقيق ذلك غالبًا ما ينصح الخبراء بالإكثار من الفواكه والخضار ضمن الوجبات الغذائية، والحرص على ممارسة الرياضة بشكل يومي وفي حال تعذر ذلك يمكن المشي لربع ساعة حول المنزل. المهم أن يتحرك الجسد ولا يكون خاملًا لفترات طويلة.

الهشاشة النفسية.. وثنائية القلق والاكتئاب

العلاقة ما بينهم معقدة أيضًا، إذ ينتج الاكتئاب نتيجة انخفاض مستويات السيروتونين في الدماغ، ليصاب الإنسان بالاكتئاب وتغدو الحياة شاحبة بشكل فوري. كما أن يؤدي نقص هذا الناقل العصبي لحدوث القلق واستفحاله أكثر وأكثر لو كان موجودًا، فيمشي حينها الاكتئاب والقلق جنبًا إلى جنب في هذا السياق.

وتعتبر أيضًا مادة الدوبامين من المواد الرئيسية المعززة للمزاج عند الإنسان، وغالبًا أيضًا ما تُفقد عندما يُصاب المرء بالاكتئاب، ويكون في حالة من اليقظة والتنبه الشديد، مما يرفع نسبة القلق والاستجابة لمنبهات قد لا تكون ضرورية إطلاقًا.

تُشير الدراسات إلى أن تعزيز امتصاص الدوبامين وغيره من النواقل العصبية المحسّنة للمزاج من خلال تناول الأطعمة الغنية بالبروتين والأحماض الأمينية، تكون هذه المواد موجودة في اللحوم البيضاء الصحية، والعديد من البقوليات ذات الطبيعة البروتينية أيضًا.

ولهذا يمكننا أن نرى الرابط ما بين القلق والاكتئاب، وما بين الحياة اليومية للإنسان بدءًا مما يأكل وليس انتهاء بتحريك جسمه ورفض الخمول والكسل، وكلهُ يصب في النهاية ضمن نفس الخانة؛ خانة الصحة والهشاشة النفسية للإنسان، فاحرص على انتقاء أفضل الخيارات حتى لا تشعر بالإحباط والإرهاق.

النوم.. الترياق الأفضل لكل مشاكل الحياة

الإنسان كأي شيء آخر يسعى لتجنب السقوط في منحدر الهشاشة النفسية، يحتاج لعملية شحن بعد يوم طويل مليء بالتوتر والقلق المفيد في السياق والمجال الطبيعي، لهذا لا يمكن إصلاح وترميم كل تلك الندبات التي يتلقاها الإنسان في عمله أو جامعته أو تفاعله مع الوسط الاجتماعي إلا من خلال العملية الحيوية الأكثر تجذرًا فيه ألا وهي النوم. لذلك ينصح بالحصول دائمًا على ساعات نوم كافية بشكل متواصل، غير ذلك من الطبيعي أن يعاني الكائن العاقل من مشاكل القلق وضعف التركيز وعدم الرغبة في الإقبال على ما يريد الإقبال عليه، كون هناك خلل أساسي في عملية شحن جسمه وتعبئة نشاطه.

ولتحقيق أفضل نموذج نوم ممكن، ينصح بالاستيقاظ الصباحي والذهاب المباشر للمشي والتعرض لأشعة الشمس، فهذا الأمر ينبيه الساعة البيولوجية في الجسم أن النهار قد بدأ، ولهذا بعد مدة معينة عندما يحل الظلام، يبدأ الجسم في تشغيل وضعية النوم شيئًا فشيئًا لتكون العملية مريحة لا يعتريها القلق أبدًا.

وكما لاحظنا مما قلناه سابقًا، أن القلق في مجمله عملية طبيعية لدى الإنسان، لا تظهر المشاكل إلا عندما يزيد عن حده ليغدوا وبالًا على صاحبه، ولعل أفضل ما يمكن فعله لتجنب ذلك هو الحرص على توجه سليم في الحياة بشكل عام، بكل ما يشمله من نظام غذائي صحي، وممارسة الرياضة، والحفاظ على روابط اجتماعية متينة، فضلًا على عدم التفكير السلبي والمبالغ به بأمور لا طاقة لنا بها، وأخيرًا الحرص على قسط كافٍ من النوم، يساهم في شحن روح الإنسان من جديد، ليغدو مستعدًا ليوم جديد يحتوي بين طياته فرصًا جديدة وأملًا جديدًا أيضًا.

اقرأ أيضًا: في طريقهم للأفول.. لماذا سيقل عدد الأساتذة الجامعيين في المستقبل؟