0

يكاد يكون من المستحيل ألّا تنصاع لكل التّوصيات المنهمرة على وسائل التواصل الاجتماعي، المنصات التعليميّة والإعلانات التي تحضّك بشكلٍ مستمرٍ على اتباع دوراتٍ تعليمية وقراءة مجموعات وقوائم من الكتب التي أنشأتها لك. على العكس، يبدو الأمر كصيحةٍ عالمية عنوانها التّنمية الذّاتية ومواكبة التطوّر والتقدّم، بل إن التخلّف عن الركب يحمل معه وصمة عارٍ وشعورًا بالذنب.

لتجنّب هذه المشاعر الثقيلة الوطأة، تجد نفسك وقد قرأت 20 كتابًا وحضرت 10 دورات تعليمية ولكنّها لم تنفعك، تخشى أن تبوح بالأمر فتُتّهم أن المشكلة فيك؛ فبعد هذه الحملات والصّيت الواسع الذي اكتسبه التعليم الذاتي لا بدّ أن الخطب فيك، ليس الأمر كليًّا كذلك هل كذبوا عليك إذًا؟ ليس بالكامل وأنا لا أنفي ضرورة القراءة والالتحاق بدوراتٍ من شأنها أن تحسّن حياتنا المهنية أو الشخصية، لكنّني أتحدث عن النهم الهائم الذي يدفعنا لتكديس الكتب وطلبات الالتحاق وعدم الاستفادة منها وإليك التفسير المنطقي للأمر:

أسباب عدم الاستفادة من الدورات التعليمية والكتب

الاختيار الخاطئ

العالم الافتراضي اليوم غنيٌ بجميع ما تحتاج إلى تعلّمه بل إنه وفرة هذه المواد التعليمية قد تسبّب لك الحَيْرَة وتحول دون إيجادك ما ينفعك، فكيف تختار الدورة التعليمية المناسبة لك؟ في مقالٍ سابق تحدّثت بالتفصيل عن اختيار الدورة الأنسب لك، فلن أثقل عليك بتكرار حديثي يمكنك ببساطة الاطّلاع عليه، لكن اسمح لي أن أبيّن لك مجموعةً من الأمور التي ستساعدك على تحديد ما إذا كانت الدورات التي اخترتها خاطئةً أم مناسبة لك والأمر عينه ينطبق في غالب المؤشرات على الكتب.

  • إذا لم تكن سعيدًا وتخشى كلّ محاضرةٍ وندوةٍ ومقال وتعاني لتجبر نفسك على حضور الدّورة أو قراءة الكتاب، فأنت تعلم ضمنيًّا أنك في المسار الخطأ. من المعروف أن للتّعليم عن بعد صعوباتً وتحدّيات، لكن ما أعنيه أن يتجاوز الأمر الصعوبة التي يمكنك التغلب عليها بخطوات بسيطة؛ أن تجد نفسك شاردًا متململًا كارهًا وكأنّ الذين يتّبعون الدورة أو الكاتب يتحدثون لغةً أخرى ولا تملك إلّا أن تتمنى أن تنتهي هذه الدقائق من التعذيب في أسرع وقتٍ ممكن غير أنّ الوقت لا يبدو أن يسير.
  • إذا مضى ربع الدورة أو الكتاب ولا تشعر أنّك استفدت فعليًا من أيٍ مما ورد فيها.
  • ألاّ يكون لديك أدنى فكرة عن الأثر والفائدة العمليّة التي تطمح إليها من الالتحاق بهذه الدورة أو قراءة هذا الكتاب ويغدو الأمر تجميعًا للمعلومات ليس أكثر.

الاهتمام بالكم لا بالنوع

كلما قرأنا أكثر، أصبحنا أكثر ذكاءً. كلّما اتبعنا دوراتٍ أكثر أصبحنا أكثر خبرةً وعلمًا. أليس هذا الادعاء العام والفكرة التي يطبعها الجميع في أذهاننا؟ فالعناوينُ المطروحة في المنشورات والمدوّنات تخبرك كيف تقرأ أسرع بنسبة 300% في 20 دقيقة! كيف تخدع نفسك لقراءة المزيد من الكتب! أصبحت القراءة السريعة رياضةً تنافسيّة، سباقٌ لمعرفة من يمكنه إتمامُ قائمة الكتب الأكثر مبيعًا بشكلٍ أسرع. ستجد في نهاية العام صورًا منتشرة على الإنترنت تستعرض الأعداد الهائلة التي أتمّ الناس قراءتها وستشعر بالفشل دومًا لأنّك إن لم تكن آلةً لن تستطيع مجاراتهم.

عدم الاستفادة من الدورات التعليمية والكتب

الأمر ذاته ينطبق على الدورات التعليمية؛ تقترح عليك الإعلانات عددًا هائلًا من الدورات التعليمية التي قد يستحيل مجاراتها جميعًا والمشكلة في الأمر، أنّهم يدمّرون كل الحجج التي قد تردّدها في نفسك للإحجام عن الالتحاق بدورةٍ ما؛ فليس الأمر كأنّك تحتاج لتخصيص نهارك للالتحاق بالدورات، يكفي ان تتابعها في أوقات فراغك أو في المواصلات وكأنّ الأمر لا يحتاج منك إلا الاستماع.

بالعودة إلى القراءة، هل القراءة أكثر أمرٌ مفيد؟ وفقًا لطبيبة علم النفس في جامعة كاليفورنيا، باتريشيا جرينفيلد، عندما يتم توجيه الدماغ نحو القراءة السريعة، يتم تخصيص قدرٍ أقل من الاهتمام والوقت لعمليات أبطأ وتستغرق وقتًا طويلًا، مثل الاستدلال والتحليل النقدي والتعاطف. بعبارةٍ أخرى، نحن لا نمنح أنفسنا الوقت الكافي لفهم التعقيد أو تطوير آراء خاصة بنا. مع زيادة سرعة القراءة، ينخفض ​​فهمنا.

عدم الاستفادة من الدورات التعليمية والكتب

لذا، القراءة السريعة مفيدة إذا كان الهدف هو مجرد مسحٍ للنص كمطالعة قائمة التسوق أو قائمة المهام لكننا لن نستفيد من المعلومات ونخزّنها ما لم نمنحها وقتًا كافيًا للفهم والمعالجة وهو هدف القراءة في المقام الأول. الأمر عينه ينطبق على الدورات التعليمية؛ إن لم نستطع متابعة الدورة بكامل نشاطنا، تفرّغنا وقدرتنا على الاستيعاب، فليس الأمر إلا هوايةَ تجميع علّنا نفوز في هذه المنافسة العالميّة.

الاكتفاء بالتعلّم النّظري وعدم التطبيق

من الممكن تعلّم قراءة سلوك المستهلك في دورةٍ تعليمية عن التسويق الإلكتروني عندما تتناول مؤشرًا مؤشرًا وفي عينةٍ منتقاة إلا أن معالجة الحالات العمليّة العشوائية أمرٌ مختلفٌ كليًّا. كذلك الأمر بالنسبة لتعلّم مبادئ التصميم والمعاني الخفية وراء أشهر الأيقونات لكنّ ابتكار واحدٍ منها أمرٌ ليس بهذه البساطة وما قصدت من هذه الأمثلة إلا توضيح أن العلوم النظرية التي تتناولها الكتب والدورات التعليمية تحتاج إلى التطبيق والممارسة، الأمر الذي يحتاج دافعًا والتزامًا.

الإسقاط الخاطئ

إتاحة الموادة التعليمية أمام غالب دول العالم أمرٌ في غاية الروعة ولكنّه قد يسبب نوعًا من الارتباك والصعوبة عندما تكون الدراسات مبنيّة على مجتمعاتٍ وأسواق مختلفة عن مجتمعاتنا وأسواقنا ونرغب في إسقاط هذه المعلومات عليها. لذا عندما تختار دورةً أو كتابًا، تأكّد أنها غير منوطة بمجتمعٍ أو سوقٍ معيّن أو اختار تلك التي تناولت مجتمعك وسوقك في دراستها.

التوقّعات الخاطئة

تبحث عن كتابٍ أو دورة تعليميّة وتطالع الآراء فتجد أن أحدهم ترك تعليقًا بأنّ هذا الكتاب أو هذه الدورة غيّروا حياته، تتجرّع الدواء نفسه منتظرًا النتيجة نفسها لتدرك لاحقًا أن لا شيء تغيّر بالنسبة لك فتلوم نفسك. ففي الختام نجح هذا الكتاب وغيّرت تلك الدورات حياة غيرك فلم لم تفلح أنت؟

عليك أن تدرك تفرّدك وخصوصيتك، قد لا تكون في الموقع الذي كان فيه الشخص الذي تقارن نفسك به عندما غيرت هذه الخطوة حياته، أو لا يكون لديك النقص الذي ملأه هذا الكتاب لديه كما أنّ هذه الدورة قد لا تتناول الموضوع بطريقتك فلا تلمس فيك ما لمست فيه. هنا، لابدّ أن أعود إلى السبب الأول وأسألك أن تختار بشكلٍ صحيح ٍ ما يناسبك، المواضيع التي تهمّك والتي تسدّ احتياجاتك أنت. لا ترتدي ملابس الآخرين وتنصدم من أنّها لا تليق بك.

أخيرًا، هل لاحظت الخلط المستمر بين الوسيلة والهدف؟ الدورات التعليمية أو الكتب تهدف للارتقاء بك فهي مجرّد وسيلة لا تجعلها جلّ غايتك. إن لم تجد في كتابٍ ما ينفعك لا تقرأه ولو كان على قوائم الجميع كأكثر الكتب أهمية ولا تلتحق بدورةٍ تعليميّةٍ إن لم يكن فيها ما يضيف إليك وإلى حياتك. المبالغة في أيّ شيءٍ مهما بلغ نفعه دون الوعي لفائدته واستخدامه بحكمة قد تسبب الضرر؛ فحتى الماء، صاحب النفع الكبير والموصى به وتذكر أهميته دومًا بعبارة المياه حياة، قد يتسبب الإكثار منه بالتسمم.

0

شاركنا رأيك حول "قرأت 20 كتابًا وحضرت 10 دورات تعليمية وكلّها لم تنفعك، لماذا؟"