ماذا لو تمّ تدريس كتاب التفكير العلمي في المدارس العربيّة؟!

10

هناك الكثير من المشاكل التي تحيط بنا يومياً، هذه المشاكل متراكمة وهي الآن مُركّزة. لكن لكي نحلّ ونبدأ في حل هذه المشاكل المتراكمة علينا الاستعانة بحلول مبتكرة أي خارج الصندوق، هذه الحلول لا تأتي بالطرق التقليدية القديمة الكلاسيكية التي اعتدنا عليها، بل تأتي من تفكير جديد يحلّ هذه المشاكل.. تأتي من التفكير العلمي.

فكيف لنا أن نحلّ مشاكل تظهر وليدة العصر بإستخدام أفكار وسلوكيات قديمة الأزل منذ الستينات، فنرى هنا أن المشاكل متجددة وطريقة الحلّ متأخرة للغاية، فبهذه الطريقة لا ننتظر حلاً لهذه المشاكل.

هذا التفكير غير معتاد في مجتمعنا، وإن وجد لا يُسلَّط عليه الضوء. هذا التفكير العلمي لا بد وأن يبدأ من الطفل في (مرحلة الحضانة)، كلما وضعت مشاكل أمام هذا الطفل بعد تدريبه على هذا التفكير يصبح الأمر سهلاً بالنسبة له، وأيضاً يعلّمه كيف يتصرف أمام المشاكل والعقبات الجديدة التي يفرضها العصر عليه.

كليفورد ستول ومؤتمر TED

كتاب التفكير العلمي - العالم

تم دعوة العالم الفيزيائي الفلكي الكبير (كليفورد ستول) ليلقي محاضرة فى مؤتمر TED العالمى، ويتحدّث عن (مستقبلنا خلال الـ 20 عاماً المقبلة)، بدا عليه الضيق الشديد والغضب، وقال:

“إذا كنتم تريدون الحديث عن المستقبل لا تنظروا إلى مثلي، عالم يبدو عليه الجنون شعره متطاير، لكن عليكم بسؤال مُعلّم حضانة لأنه هو الذي يدرّس علماء الغد وهو أكثر شخص يرى المستقبل. إذاً فعليكم الاهتمام بمعلمي حضانة والأطفال”.

هذة هي الحقيقة التي نُبعِد أعيننا عنها، لا نهتم بتربية أطفالنا وتنميتهم على التفكير العلمي السليم، بل نقوم بتحفيظهم عبارة (العقل السليم في الجسم السليم) بدون أن نقوم بتفهيمهم معنى هذه الجملة.. حقيقة مؤسفة.

نقوم بعملية “حشو” لعقل الأطفال في الحضانة والمدارس بمناهج إنقرضت منذ فترة بعيدة، لا يتمّ تحديث مناهجنا بالعلوم الحديثة، والنتيجة حينما تظهر الأحداث العلمية البارزة كمثل أبرزها وآخرها (إكتشاف الأمواج الثقالية) نجد شغف كبير للشباب لكن لا أحد يعرف عنها شيء حتى طلبة الفيزياء بالتخصص.

الآن نرى الكثير من الكتب التي تُطرَح في معارض الكتاب والقليل منا ما يقوم بشرائها وقرائة ولو جزء منها. من هذه الكتب، كتاب فريد من نوعه، كتاب أرى إنه لابد وأن يتم تدريسه في المدارس، كتاب التفكير العلمي لـ د. فؤاد زكريا.


كتاب التفكير العلمي

كتاب التفكير العلمي -  غلاف

هذا الكتاب لا يخصّ فقط العلماء أو ما يتعلّق بعملهم أو دراستهم من الناحية العلمية والعلوم فقط، لكن هذا الكتب مهم لكل شخص فينا لأنه يعلّمنا كيفية التفكير بالطريقة العلميّة الصحيحة التي تجعلنا نتقدّم ونعرف أن نحلّ مشاكلنا ونستطيع أن نفكر خارج الصندوق. حقاً لا أعرف ماذا أضع بين أيديكم لكي تتحمسون لهذا الكتاب، لكن أريد أن اتلو عليكم بعض الفقرات العظيمة (من وجهة نظري) التي تدلّ على عظمة ومكانة هذا الكتاب:

“العالم يفكّر في مشكلة متخصصة، هي فى أغلب الأحيان منتمية إلى ميدان لا يستطيع غير المتخصص أن يخوضه. وتفكير العالم يرتكز على حصيلة ضخمة من المعلومات، بل إنه يفترض مقدماً كل ما توصًلت إليه البشرية طوال تاريخهها الماضي في ذلك الميدان المعيّن من ميادين العلم.

والتفكير العلمي الذي نقصده لا ينصبّ على مشكلة متخصصة بعينها، ولا يفترض معرفة بلغة علمية أو رموز رياضية خاصة، بل هو ذلك النوع من التفكير المنظم، الذي يمكن أن نستخدمه في شئون حياتنا اليومية، أو في النشاط الذي نبذله حين نمارس أعمالنا المهنية المعتادة، أو في علاقتنا مع الناس والعالم المحيط بنا.

وكل ما يشترط في هذا التفكير هو أن يكون منظماً، وأن يُبنى على مجموعة من المبادئ التي نطبّقها في كل لحظة دون أن نشعر بها شعوراًَ واعياً، مثل مبدأ إستحالة تأكيد الشيء ونقيضه في آن واحد، والمبدأ القائل: أن لكل حادث سبباً، وأن من المحال أن يحدث من شيء لا شيء.

والحق أن أيّ محاولة لأعتراض طريق التفكير العلمى، في عصرنا الحاضر، إنما هي معركة خاسرة. فلم يعد السؤال: (هل نتبع طريق العلم أم لا؟) مجال في هذا العصر، بل أن الدول التي تحتل موقع الصدارة بين بلاد العالم قد حسمت هذا السؤال منذ أربعة قرون على الأقل – ولم تعد المشكلة مطروحة أمامها منذ ذلك الحين.

وصحيحٌ أن طريق التفكير العلمي كان فى بدايته شاقاً، وأن المقاومة كانت عنيفة، والمعركة دامية سقط فيها شهداء كثيرون، ولكن العلم اكتسح أمامه كل عناصر القوة المعادية له، والتي كانت في وقت من الأوقات تمسك بزمام السلطة في جميع الميادين، أصبحت هي التي تبحث لنفسها عن مكان يسوده العلم.

ومنذ اللحظة التي بدأ فيها عدد محدود من العلماء يكتشفون حقائق جديدة عن الكون بأسلوب منطقي هادئ، وبناء على شواهد قاطعة وبراهين مقنعة لا سبيل إلى الشك فيها – منذ هذه اللحظة أصبحت سيادة العلم مسألة وقت فحسب، ولم يعد في وسع أية قوة أن تقف في وجه هذه الطريقة القاطعة في اكتساب المعرف الجديدة…”

تحميل الكتاب


تعميم تجربة التواصل العلمي

كتاب التفكير العلمي - التواصل

هو مفهوم الغرض منه عمل قنطرة تربط بين الأشخاص الذين يعملون في مجال البحث العلمي ومجموعات مختلفة من الناس العامة، وهي أيضاً لعمل علاقات بين العلماء والأفراد، على عكس ما كان قديماً وهو كل شخص في عمله لا أحد يعرف الآخر. فالآن ومع تطوّر وسائل الإعلام والميديا وظهور التواصل الإجتماعي، كان لا بُدّ أن تنشط العلوم وتنتشر وتظهر للجميع ليس فقط لمن هم مهتمون بها بل تأتي أيضاً لمن هم في منأى عنها.

وظهر هذا المفهوم لأول مرة في بريطانيا منذ حوالي 40 عاماً، نتيجة لعدة عوامل، من أبرزها: زيادة عدد الأوراق العلمية التي تظهر وتُنشر في جميع المجالات مثل العلوم، الصحّة، الطعام، الهندسة، التكنولوجيا.

وأيضاً ظهور تطبيقات لهذه الأبحاث التي تُنشَر ونحن في استخدام يومي لها مثل: الهاتف الجوال، الحاسوب الشخصي، الأدوات الكهربائية، مصابيح الإضاءة..إلخ.

فكان لا بد من ظهور مصطلح جديد يربط أصحاب تلك الأبحاث بالأشخاص العامة والذين يستخدمون تطبيقات تلك الأبحاث. ومع ذلك الإنتشار ظهرت إحصائية تقول: أن عدد قّراء الأوراق العلمية والمهتمون بها حوالى 0.6 أي أقل من الواحد الصحيح، هذة النسبة الضئيلة توحي بعدم إهتمام شريحة كبيرة من الشعب منهم العالِم والمختص ومنهم غير المختصّ بالأبحاث العلميّة مما يوحي بضرورة تعميم وإنتشار التواصل العلمي.

ولذلك نستنتج أن كل العلماء الذين لهم باع في مجال تبسيط العلوم، ذاع صيتهم بكثير من العلماء الذين يعملون في معاملهم فقط. وهؤلاء المشاهير أستمدوا شهرتهم من تبسيط العلوم.

لذلك فأن العالم الذي يسلك في تبسيط العلوم ما هو إلا “مطرب” شهير له جماهيره، والعالم الذي يهتم فقط بعمله الأكاديمي فهو “شاعر” يضع كلمات الأغنية للمطرب، لا يظهر كثيراً أمام الجماهير فلا أحد يعرفه شكلاً، لكن المطرب فهو معروف لدى الجميع. فالتواصل العلمى أو الـ Science communication هو المدخل الأساسي للشهرة في المجال العلمي.

هذا الجزء القادم من كتاب (أعظم 100 شخصية على مستوى التاريخ) لمايكل هارت، من حديثه عن سبب ترتيب نيوتن واينشتاين حيث نيوتن في المرتية الثانية واينشتاين في العاشرة:

“عندما كان الفيلسوف الفرنسي فولتيير في بريطانيا، اشترك في مناقشة موضوعها: من هو الأعظم: الأمبراطور الروماني يوليوس قيصر، أو القائد الأغريقي الأسكندر الأكبر، أو القائد المغولي تيمور لنك، أو الزعيم البريطاني كروميل؟

وكان الردّ على هذا السؤال أن قال أحد المتناقشين: بل أعظم الجميع: العالم الرياضى البريطاني إسحاق نيوتن.

وكان ردّ فولتيير: فعلاً نيوتن أعظم… لأنه يحكم عقولنا بالمنطق والصدق… وهؤلاء يستعبدون عقولنا بالعنف، ولذلك فهو يستحق عظيم الأحترام.”

وأينشتاين له نظريات هزّت الرياضيات والفيزياء أيضاً، لكنه يأتي فى المرتية التالية بعد اسحاق نيوتن. لأن نيوتن أوضح وأقدر على الأقناع. ولأنه صاحب الفضل الأول والأخير على ثورته في الطبيعة. أما أينشتاين فرغم عبقريته العظيمة، فقد سبقه كثيرون مهدوا لنظريته هذه.”


ختاماً

رجاءً على كل من يريد التقدّم وعلى كل مسؤول أن يضمّ كتاب التفكير العلمي إلى المناهج المدرسية بل وعمل ورش عمل لمناقشة هذا الكتاب وكيفية الإستفادة منه على أعلى مستوى. ورجاءً على كل شاب فينا أن يعلم ويقرأ عن التفكير العلمي ويأخذ خبراته ومن ثم ينقلها إلى الأجيال القادمة، ويتعلّم ويتدرب على كيفية حل مشاكله بأستخدام الأساليب الحديثة التي تقوم على التفكير العلمي.

10