إذا كنت تعاني من تراجع حالة التركيز لدى طفلك والحاجة المستمرة إلى شرح المواد الدراسية له أكثر من مرة وبطرق مختلفة دون فائدة، فبدلًا من العصبية والغضب منه واتهامه بالغباء وعدم التركيز، فحاول مراجعة المواد السامة التي يتعرض لها طفلك يوميًا ومن أهمها أبخرة الدخان الناجمة عن تدخين السجائر من قبل الآباء!

فصحيح أن بعض الأطفال يحتاجون إلى طريقة معينة في الشرح والتفسير ليتمكنوا من استيعاب المعلومات، فبعضهم يُفضل الصور أو المجسمات، والبعض ينجح في الاستيعاب عن طريق السمع أو الكتابة، إلا أن دراسة مهمة أثبتت أنه حتى الأطفال الطبيعيين جدًا تنخفض علاماتهم الدراسية في الاختبارات إذا تعرّضوا بشكل منتظم لدخان السجائر، بالإضافة إلى المشكلات السلوكية الأخرى والناجمة في الغالب عن الفشل الدراسي والتعنيف الذي يتعرض له الطفل.

ما هي تأثيرات تدخين السجائر من قبل الآباء على الاستيعاب الدراسي للأطفال؟

تتنوع المسارات التي يؤثر بها تدخين أحد الأبوين أو كلاهما على الطفل وحالته العقلية والمزاجية والصحية وبالتالي على سلوكه عمومًا ودرجات الاختبارات، وتتمثل هذه المسارات في:

التأثير على الحالة الصحية

فيؤثر التدخين على الطفل حتى من قبل ولادته، وترتفع المضاعفات بالطبع إذا كانت الأم هي المدخنة، فتدخين الأم يؤثر بشكل مباشر على نمو دماغ الطفل ووزنه عند الولادة وبالتالي انخفاض مقاييس نموه فضلًا عن اعتلال الحالة الصحية العامة وكثرة التعرض إلى نوبات المرض المتكررة.

إن اعتلال صحة الطفل يؤثر بشدة على استيعابه وحتى على انتظامه في الحضور للدراسة بالإضافة إلى أن المرض يقلل من الشعور بالرفاهية العامة ويجعل الجميع في حالة تركيز على الحالة الصحية والتي تكون أكثر أهمية وقتها من التحصيل الدراسي.

ورغم انخفاض معدلات التدخين بين النساء في الوطن العربي إلا أن هناك نسبة لا بأس بها من المدخنات، كما أن التعرض إلى التدخين السلبي في فترة الحمل وعند الولادة يكون له تأثير مماثل أيضًا على الجنين والطفل حديث الولادة.

تراجع مقدرة الإنفاق على التعليم والغذاء

في الكثير من الدراسات ارتبط التراجع المعرفي للأطفال بانخفاض دخل الأسرة، وإذا كان أحد الآباء مدخنًا أيضًا، فإن الإنفاق على التبغ قد يحل محلّ الإنفاق على التغذية الجيدة للأطفال وحتى على منحهم مدارس جيدة أو الاهتمام باقتناء الكتب والوسائل التعليمية المختلفة.

صحيح أن التدخين منتشر أيضًا في الطبقات الغنية، وتأثيره على الأطفال مُشابه أيضًا من الناحية الصحية والعقلية، ولكن يزيد تأثير التدخين على الطبقات منخفضة الدخل بشدة، كما تنخفض قدرة الآباء على توفير الرعاية الصحية العادية فضلًا عن علاج تأثير التدخين على الأطفال.

تأثير التدخين على تغذية الأطفال

يُلاحظ الكثير من المدخنين أن شهيتهم تتراجع باستمرار، وينطبق الأمر نفسه على الأطفال الذين يعانون من التدخين السلبي للآباء، فتتراجع شهيتهم عمومًا ويقل اهتمامهم بالتغذية الصحية والتي لها دور أساسي في تنمية العقل والقدرات والمهارات المعرفية المختلفة.

كما أن التغذية السيئة وتراجع الشهية يرفع من حالة التعرض إلى الأمراض المناعية المختلفة مما يؤثر عمومًا على النمو العقلي والذهني للطفل.

تأثير التدخين السلبي على سلوك الطفل

تنوعت المشكلات السلوكية التي يعاني منها الأطفال من عمر 4-9 سنوات وكان أحد الوالدين أو كلاهما من المدخنين، إذ لوحظ على الأطفال فرط النشاط أو فرط الحركة وتشتيت الانتباه والمشكلات المتنوعة مع الأقران.

وهذا كله بديهي للغاية نظرًا للتأثير السلبي للتدخين على النمو العقلي للطفل، وبالتالي التأثير السلبي على اكتسابه المهارات الاجتماعية المتنوعة، كما أن تراجعه الدراسي يعرضه إلى التعنيف المستمر إن لم يكن في المنزل فبالتأكيد في المدرسة، ومع تعرضه للسخرية من أصدقائه وزملائه نتيجة فشله المستمر في إطلاق الإجابات الصحيحة فإنه يصير أكثر عدوانية تجاه الجميع ابتداء بأقرانه ومرورًا بالأساتذة في المدرسة وانتهاءً بأفراد العائلة.

اعتلال صحة الآباء المدخنين وتأثيره على استيعاب الطفل وسلوكه

في الواقع فإن التأثير المباشر للتدخين السلبي لا تزيد خطورته أهمية عن التأثير غير المباشر، إذ أن ارتباط التدخين بتراجع الحالة الصحية والعقلية للوالدين أو أحدهما يمنع الطفل من تطوير المهارات الاجتماعية المتنوعة، فضلًا عن عدم قدرة هؤلاء الآباء في المتابعة الدراسية الجيدة للطفل والاعتماد فقط على المدرسة.

وفي حين لا تقل المتابعة المنزلية أهمية بأي شكل من الأشكال عن ما يحصل عليه الطفل في المدرسة، فإن النتيجة تكون تراجعًا حادًا في التحصيل الدراسي للأطفال ومعاناتهم من المشكلات الاجتماعية والنفسية المتنوعة سواء لمرض الآباء أو تأثير التبغ على الطفل نفسه.

هل يمكن عكس نتائج تدخين السجائر على الاستيعاب الدراسي للأطفال؟

إذا كان طفلك تعرّض بالفعل إلى جرعة مفرطة من التدخين السلبي وترغبين في العلاج، فإن الأوان لم يفت بعد، ويمكنك بخطوات بسيطة تحسين الحالة العقلية والصحية للطفل بطرق متنوعة، ومنها:

  • التوقف التام عن التعرض إلى التدخين السلبي ولو سيجارة واحدة في اليوم ومنع التدخين في المنزل على الإطلاق حتى في عدم وجود الأطفال.
  • بدء نظام غذائي مكثف للطفل لتخليص الجسم من السموم على أن يكون غنيًا بالفيتامينات والمعادن المتنوعة والمقويات المختلفة، ويمكنك الاستعانة بطبيب وإجراء الفحوصات اللازمة للطفل للتعرف على جوانب النقص في المعادن ودعم جسمه بها.
  • بدء خطة دراسية متمهلة وعميقة مع الطفل سواء من خلال الاستعانة بمدرس خاص أو عن طريق أخصائي نفسي مع عدم تعجل النتائج على الإطلاق والتركيز على التحسن في الأمر دون أي مقارنة بينه وبين أقرانه، فهذه المقارنة ستزيد من المشكلات الدراسية وتعيدك سنوات إلى الخلف.

هل تدخين السجائر الإلكترونية مُضر أيضًا؟

إذا قررت الحمل والإنجاب فيجب منع التدخين نهائيًا وبكل أشكاله، فإذا كانت الأم نفسها من المدخنات فمن الضروري اللجوء إلى مساعدة ببدائل النيكوتين المتنوعة مثل اللاصقات أو العلكة أو جهاز الاستنشاق.

أما عن السجائر الإلكترونية أو الـVAPING فهي بالتأكيد أكثر أمانًا على صحة المدخن والطفل من السجائر العادية، ولكن لا توجد دراسات موثوقة بشأن تأثيرها خلال الحمل، لذا يُفضّل للأم الحامل أن تمتنع تمامًا عن التدخين بكافة أشكاله.

أما تدخين السجائر الإلكترونية في المكان نفسه حيث يتواجد الأطفال فإنه أكثر أمانًا بالطبع ولكنه لن يقلل من مخاطر إدمانهم على التدخين في فترات مبكرة من العمر على الأقل لتقليد الأبوين.

وفي النهاية فيجب التأكيد على عدم وجود أي اختلافات في نتائج الدراسات المتنوعة التي أكدت الصلة بين تدخين الآباء والتفوق الدراسي للأبناء مهما اختلف معدّل تناول السجائر، فلا تقول أن سيجارة في اليوم لن تؤثر، إذ أن التبغ في حد ذاته يعلق في الهواء لفترات طويلة وتأثيره على الأطفال أضعاف تأثيره على البالغين، مما يتطلب الانتباه التام إلى التدخين إلى جوار الأطفال مهما كانت أعمارهم.

اقرأ أيضًا: صورة الجسد عند الأطفال والمراهقين.. كيف تؤثر على شخصيتهم واستيعابهم الدراسي؟