0

قبل أن ننخرط في مجالات الـ STEM، لا بد أن نشير أنهُ منذ الأزل، يُمارَسُ التمييز بصورةٍ مُباشرة وواضحة تجاه فئاتٍ مُحددة من المُجتمع، فبدلًا من تقييم قدراتك وما يُمكنك تقديمه للبشريّة يُصبّ التركيز على جنسك، عرقك، دينك ولون بشرتك.

وقد برزت ملامحُ المرأة خلال مُعظم أشكال ذاك التمييز، فقد أخذ في مُرافقتها كالظلّ في كل خطوةٍ تخطوها؛ بدايةً من خطوةِ التعليم حتى وصولِها إلى شركاتِ التوظيف. فمنهنّ من استطاعت شقّ طريقها وإن كان وعِرًا ووصلت إلى مُبتغاها مثل العالمة ماري كوري، ومنهنّ من فضّلت التخفي وراء ظلّ الرجال كالأخوات برونتي وأعمالهنّ التي صدرت بتوقيعٍ يحملُ أسماء رجال، لإيقانهم أن أعمالهن لن ترى النور إلا بتلك الطريقة.

”حاربني الغربُ لأني عربيّة، وحاربني العربُ لأني امرأة“

زها حديد

وبالحديث عن مجالاتِ الـSTEM بالتحديد، فقد أثبت لنا العلمُ على مرّ التاريخ أنه لا يقبل بالحدود والحواجز، ولا يعترف بالفروق الجندريّة والعرقية والاجتماعية التي يُصمم البشر على وضعِها. وفي مقالي اليوم سأتحدث عن مجالاتِ الستيم؛ الرياضيات والهندسة والعلوم والتكنولوجيا، والتي لم تنجُ هي الأخرى من عمليات الهيمنة الذكوريّة والتهميش الأنثويّ.

مُساواةٌ في الفرصِ أم في النتائج؟

ماذا يعني أن يعيشَ البشرُ في كنفِ مُجتمعٍ مُتساوٍ؟ هل أن يبدؤوا جميعًا من نفسِ النقطة؟ وهل يكفي أن يُمنَح الجميع فُرصًا عادلة وننتظر فوزَ أعلاهم كفاءةً؟ أم أن علينا التأكد من حصولِ كل شخصٍ على شريحةٍ من الكعكة حتى وإن لم يُرِدها؟ هذا ببساطةٍ هو جوهر مُناقشة الفُرصة مُقابل النتيجة؛ طريقتان لتحقيق مبدأ المُساواة لطالما تعارضتا مع بعضِهما البعض. فما الفرقُ الحقيقيّ بينهما ومن الأفضل يا تُرى؟

يسعى مفهوم تكافؤ الفرص إلى وضعِ مؤهلات الشخص وكفاءته العمليّة نُصبَ عينيْه، بينما يُزيل فكرة التعسّف والأحكام المُسبقة والصور النمطيّة من مسارِ رؤيته كي لا تُعكرّها، ومن ثَمّ يتم اختيار الأشخاص وِفقًا لتلك الرؤية التي باتت تتسم بالشفافية. فيؤمن مفهوم تكافؤ الفرص أنه لا ينبغي أن تلعبَ عوامل مثل العرق والجنس ومكانة العائلة دورًا في المكان الذي تنتهي إليه في حياتك.

ولكن يبقى السؤالُ هُنا هو: حتى وإن افترضنا أننا استيقظنا غدًا لنجدَ أنّ العالم قد أصبح فجأةً خاليًا من كل أشكال التمييز -خاصةً في فرعيْ التعليم والعمل- وأنّ مبدأ تكافؤ الفرص أصبح يُطبق بكل حذافيره فهل سيستطيع هؤلاء الأشخاص تسلّق السلم الاجتماعي بين ليلةٍ وضُحاها؟ للأسف لا، لأنّ رحلةَ التعافي من آثارِ القمع والازدراء والتهميش قد تأخذ سنوات طويلة، بل حتى قرونًا!

اقرأ أيضًا: “حلمي دراسة الطب”.. براءة طفوليّة أم استبداد الآباء باختيارات أبنائهم؟

فالأمرُ أشبه بإطلاقِ النار على ساقِ مُتسابقٍ في بدايةِ سباقٍ ما، ثم يُحظَر إطلاق النار في مُنتصفِ السباق، فهل سيتمكن المُتسابق من إكمالِه يا تُرى؟

وعلى الضفّةِ الأخرى، وُجِدَ مفهوم تكافؤ النتائج، والذي بدلًا من مُجرد النظر إلى الفُرص المُتاحة للناس بدأ في تحويلِ نظرِه إلى حيث ينتهي الأمر بالناس. ولهذا، فظاهريًا يسدّ تكافؤ النتائج بعضًا من الفجوات التي خلفّـها مفهوم تكافؤ الفرص، حيث يفترضُ الأول أنّ النجاحَ لا يحقّ للـ ”مُستحَق“ فقط بل أن علينا توزيعه بالتساوي بين الجميع. فبينما ينصّ مبدأ تكافؤ الفرص (نظريًا) على أن يبدأ الجميع سباقَ الحياة في نفسِ التوقيت وعند ذات النقطة فإنّ تكافؤ النتائج تضمن أن ينتهي الجميع في نفس الوقتِ وعند ذات النقطة.

ولأجملَ ما فصلتّه في السطورِ السابقة، فلو أنّ هُناك جامعة أتاحت الفُرصة للجميع لدراسة الطبّ وكانت النتيجة أنّ 80% من طلابها ذكور و20% منهم إناث فذلك ما نُطلق عليه مُساواة في الفرص. أمّا إذا حتمّت الجامعة أخذ 50% مُقابل 50% فذلك ما يُسمى مُساواة في النتائج. وغالبًا ما يتم النظر إلى تكافؤ النتائج بصورةٍ أكثر سلبية كونها تظلمُ في طريقها الكثير وتُصادِر على فرصهم في النجاح.

على هامشِ التاريخ يستقرّ مَن صنعوه!

إنّ ظاهرة تهميش المرأة في مجالاتِ العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ليست وليدة اللحظة، بل يشهدُ التاريخ على ضآلةِ فرصِها في الحصول على تعليمٍ يؤهلها للعمل في تلك المجالات والارتقاء بقدراتِها التي لم يتسنَّ لها إظهارها بعد. فحتى وإن استطاع بعضهنّ تخطي عقبة التعليم بسلام، فإذ بقيود التوظيف تعترضُ طريقهنّ وتوصِد أبوابها في وجوههنّ.

وإن لم توصِدها، فهي لا تفتحها على مِصراعيها مثلما تفعل أمام الذكور، ويظهر ذلك جليًا في المناصب التي تُعرض على كلٍ منهما والفرق الشاسع في الأجور. وقد كافحت العديد من النساء لتحقيقِ النجاح الذي يُرضيهنّ في مجالات الستيم، والتي ظلت لكثيرٍ من السنواتِ حِكرًا على الرجال.

*.Marquette University, United States, 1954*

وعلى الرَغمِ من كل تلك الجهود المبذولة إلا أنه لا يزالُ المُجتمع يأبى تسليطَ الضوءِ على أعمالهنّ بالقدر الكافي، إما خوفًا أو حقدًا، ولهذا سأستعرضُ معكم في الأسطُر القادمة أبرز شخصيتين استطاعتا أن تُثبتا للعالم أنّ العلم لا يعرفُ معنى للتمييز، ورغم الفجوة الضخمة التي تفصلُ بين كلتيهما -سواءً في الزمن المختلف الذي عاشت فيه كل منهما أو في الثقافة التي جاءتا منها- إلا أنهما امتلكتا الشغفَ والهدفَ ذاته.

اقرأ أيضًا: الانتحار في الجامعات.. لماذا يتخذ الطلاب قرارًا بإنهاء حياتهم؟

ماري كوري

أن تُتوجي أمومتك بجائزتيْ نوبل في مجاليْن مُختلفيْن رُبما يبدو مُستحيلًا، ولكنه لم يكن كذلك بالنسبة لماري. تُعدّ ماري كوري مثالًا يُحتذى به لامرأةٍ بدأت من الصفر -بالمعنى الحرفيّ- حيث وُلدت لأسرةٍ بولنديّة فقيرة، ووجدت من بعدِها طريقها الخاصّ الذي لم يخلُ من العقبات والعثرات حتى استطاعت أخيرًا الوصول إلى هدفِها المنشود. كانت تعمل كوري على اكتشافِ الأشعّة الخارجة من عنصر اليورانيوم في الطبيعة وتأثيره، والذي اكتُشف في الأساسِ بفضلِها. وهذا ما جعلها من مؤسسي علم ”الفيزياء الذريّة“ و ”الكيمياء النووية“.

وبدأت تتشكل من بعدِها مصطلحات مثل ”النشاط الإشعاعي“ وكان لزوجِها بيير الفضلَ في مراحلٍ عدّة من رحلتها، فقد اكتشفا معًا بعد الكثير من الدراسات عنصرًا آخر مشعًا غير اليورانيوم والذي أطلقا عليه اسم بولونيوم نسبةً للموطِن الأصليّ لماري. ومن بعدِها حصلت ماري على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1903 ولكنها لم تكتفِ بهذا، ففي عام 1911 حصدت ماري نتيجةَ جهودها كل تلك السنوات باستلامِها لجائزة نوبل الثانية ولكن تلك المرة في مجالِ الكيمياء، لتُصبحَ بهذا أول امرأة تحصُل على جائزة نوبل وأول شخصٍ في العالم يحصُل عليها مرتين!

زها حديد

ومن العالمة ماري كوري البولنديّة وشغفُها بالعناصر النووية إلى المِعمارية زها حديد العِراقية وولعُها بالهندسة والتصميم المِعماريّ. فقد تفردّت زها حديد بمجموعةٍ من الإنشاءات المِعماريّة المُتميزة حولَ العالم، واستطاعت أن تغزو العالم بتصاميمها الاستثنائية وتنضمّ إلى مصاف كِبار المعماريين على مُستوى العالم؛ فقد نفذت أكثر من ٨٠٠ مشروع في ٤٤ دولة مختلفة، من بينهم أمريكا والإمارات وإنجلترا.

وقد وصفها المعماريّ الهولنديّ ”ريم كولهاس“ بأنها كوكبٌ يدورُ في مجرةٍ وحدَه. يبدو الأمر للآن لامعًا وبراقًا، وخالٍ من أي صورة للتمييز، ولكن هل يا تُرى سيبدو كذلك بعد سماعك لتصريحها الذي قالت فيه:

”أنا امرأة، عربية ومعمارية، وبينما لا أستطيع أن أنكرَ حقيقة أن البيولوجيا والجغرافيا حددتا ماهيّتي منذ البداية، من دون أن أختار، فإن الثالثة لم تتبلور وتتحدد إلا بعد أربعين عامًا من العملِ الشاقّ. ويمكنني القول إنّ أغلبَ المصاعب التي واجهتها طوال هذه السنوات لم تكن بسبب عدم قدرتي على العمل أو الإنجاز، بقدر ما كانت بسبب كوني إما امرأة أو عربية. وقد شكلّ هذا لي تحدياتٍ كبيرة سأكون سعيدةً إذا كانت نتيجتها تعبيدَ الطريقِ أمام جيلٍ جديد من المعماريّات“.

وتُعدّ زها حديد أول امرأة تحصُل على جائزة بريتزكر عام 2014، والوسام الذهبيّ الملكيّ عام 2016.

دورُ المرأة العلميّ في الحرب

وقد أدّى اشتعال الحرب العالميّة بجولتيها الأولى والثانية إلى إفساحِ المجال للنساء المهتمات بالعمل في مُختلفِ مجالات الستيم. فبالعودة أدراجنا إلى ماري كوري، لم تقتصر إنجازاتها على المخابر وفقط، فقد انتقلت إنجازاتها أيضًا إلى ساحةِ المعركة حيث نجحت في ابتكارٍ جديد ساهم في إنقاذ نحو مليون جنديّ حينها. فقد تزامن ابتكارها هذا مع اكتشاف أشعة الـX-Ray والذي كان استخدامها يقتصرُ حينها على المستشفيات فقط. وبسبب افتقار جبهات القتال لمثل هذه التكنولوجيا كان يُفقَد الكثير من الجرحى أثناء عملية إسعافهم.

وأمام هذه المُعضِلة فكرت ماري خارجَ الصندوق، حيث قامت بتصميم سيارةٍ مخصصة للتصوير بالأشعة، تكون مظلمةً من الداخل لتُمكّن المُسعفين من تحديد أماكن الرصاصات بالتحديد وكانوا من قبل يضطرون لبترِ قدميه أو ذراعيه نتيجة ذاك اللبس. وغير ماري، فهُناك الكثيرات ممّن ساعدن في مجالات التقنية وفكّ الشفرات، مثل جون كلارك، وهي المرأة الوحيدة التي عملت في الفريق المتخصص بفكّ شفرات إنجما الألمانيّة أثناء الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضًا: العلم في ميزان الأخلاق.. بين صناعة القنابل الذرية وإنتاج اللقاحات!

وأخيرًا، فلا مانعَ من أن يُصبح الرجل طباخًا والمرأة مُبرمجة، ما دامت الفُرص كانت مُتاحة ومُتواجدة لكليهما بلا تحيزٍ أو تفضيل.

المصادر:

(1) (2) (3) (4)

0

شاركنا رأيك حول "مجالات الـ STEM: بين احتكار الذكور ومُحاولة تعزيز فرصِ المُساواة"