ذاكر أقلّ، ذاكر بذكاء: ملخص محاضرة مارتي لوبديل في مشاكل المذاكرة – الجزء الأول

26

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

تحدّثت في مقال سابق عن تجربة مما وجدته على الإنترنت لشاب أنهى أحد مقررات MIT لأربع سنوات في عام واحد، دون الإلتحاق بالمعهد أو دون دروس إضافية. وكيف أنه يمكنك الإستفادة من طرق مذاكرته التي اتبعها.

Study Less

هذه المرة أقدّم إليك أيها القارئ ملخصاً آخر عظيم الفائدة لمحاضرة في جامعة بيرس، ألقاها البروفيسور مارتي لوبديل، أستاذ علم النفس بالجامعة وقتها، يستعرض فيها بعض المشاكل والنقاط التي تواجه الطلاب والدارسين، ويهدف إلى تقليل الوقت الذي تذاكره، مع تطوير أسلوبك في نفس الوقت لتذاكر بذكاء أكثر. لقراءة الجزء الثاني هنا!

المشكلة الأولى: كم من الوقت تستطيع الإستيعاب؟

stressed-out-studying

أظهرت نتائج دراسة أجريت في جامعة ميتشجن على عينة من الطلبة أن غالبية الطلّاب يفقدون قدرتهم على الإستيعاب بعد 25 إلى 30 دقيقة من بدء المذاكرة، حين يصل الطالب إلى إحساس “لقد قرأتها لكنها لا تثبت في رأسي!”.

ويذكر لوبديل مثالاً من حياته عن زميلة له حصلت على GPA قدره 1.0، فأخبرتها الجامعة أنها إن لم تتحسّن فقد تُطرّد من الجامعة، فعزمت على تطبيق قانون جديد على نفسها يلزمها بمذاكرة ست ساعات كل يوم لمدة خمس أيام في كل أسبوع. النتيجة؟ معدل GPA قدره 0.0!!

لهذه الأسباب فإن لوبديل يقول إن النصيحة بالدراسة أكثر وأكثر فقط ليست ناجحة دوماً، بل إنها قد تكون أسوأ في بعض الأحوال.

ويقول بأن النصيحة البسيطة الأولى للمذاكرة هي التوقف بعد أول نصف ساعة لأخذ راحة، خمس دقائق فقط ثم عد للمذاكرة مرة أخرى، ويقول أيضاً أن أغلب الناس يكفيها خمس دقائق لتستعيد نشاطها مرة أخرى، ويمكنك فعل أي شيء تحبه في تلك الدقائق الخمس كمكافأة لنفسك على استذكارك الفعّال في النصف ساعة الفائتة.

وبتلك الطريقة فإن زميلته تلك كانت لتذاكر خمس ساعات ونصف بكفاءة كل ليلة بدلاً مما كانت لتفعله وتسبب بطردها، وهو قسر نفسها على المذاكرة لست ساعات متواصلة لم تحصل منها شيئاً.

لنفترض أن تلك الساعات الست قد انتهت بكفاءة، وقد ذاكرت وحصلت على راحتك بين كل ثلاثين دقيقة، ماذا ستفعل بعد ذلك؟

تعطي نفسك مكافأة على ما فعلت، ربما طعام تحبه، كتاب تقرأه، نزهة تخرج فيها، إلخ. في الغالب تكون تلك المكافأة شيئاً تود فعله أثناء المذاكرة لكنك لا تستطيع أو ينتابك الشعور بالذنب حين تفعله، مثل تصفح الشبكات الإجتماعية مثلاً.

وتلك الطريقة فعالة فيما بعد إذ أنها تعوّد ذهنك على الإستيعاب أكثر فأكثر، خاصة لأولئك الذين يحتاجون لفترات دراسة طويلة، فتلك الطريقة تجعلك تعمل لساعة، ثم ساعة ونصف دون تعب، وهكذا.


المشكلة الثانية: أين تذاكر؟

DE7749DE-FD7F-4D79-9137-97E1E3C8680A

أجريت دراسة في جامعة هاواي عن المشكلة الأساسية التي تواجه الطلبة في المذاكرة، وكانت الإجابة أنهم لا يستطيعون الإندماج في المذاكرة بسهولة، لأن الغرف التي يقيم فيه الطلبة في المدن الجامعية عادة ما تحتوي على سرير وخزانة ومكتب صغير، فهو يذاكر ويأكل وينام ويفعل كل شيء في مكان واحد.

إذاً كيف تحدد الخطأ الذي ينبغي معالجته في إجابة أولئك الطلبة؟ هل نعطيهم أماكن أخرى للمذاكرة؟

يجري البروفيسور تجربة صغيرة مع الطلبة، فيسألهم سؤالاً عاماً ويرفع الطلبة أيديهم تلقائياً للإجابة عليه، ثم يسأل نفس السؤال لطالب واحد ضمن نفس المجموعة، فيجيبه مباشرة دون رفع يده.

ثم يسألهم عن الفرق بين طريقة الإجابة عن السؤال في المرتين رغم أن السؤال واحد والإجابة واحدة، لماذا رفع الطلبة أيديهم جميعاً في حركة آلية حينما سألهم، ثم أجاب واحد منهم دون رفع يده حينما وجه إليه السؤال بمفرده؟

ويقول أن ذلك التصرف الذي يفعلونه بطريقة آلية تعودوا عليها يحتاجون إلى تدريب عقولهم على مثله مع المذاكرة، فيجب تهيئة مكان خاص بالمذاكرة، ولا يفعل فيه أي نشاط سوى المذاكرة، بهذه الطريقة، فإن الدماغ والجسد معاً سيتعرفان على ذلك المكان تلقائياً فور رؤيته ويستعد تلقائياً للمذاكرة.

وكان الحل الذي تمت تجربته في تلك الدراسة بجامعة هاواي التي أسلفت ذكرها أن جعلوا للطلبة مصباحاً أخبروهم أن يضيئوه فقط عندما يبدأون بالمذاكرة، ولا يستخدمونه في أي شئ آخر. فكان الطالب يستخدم مصباحاً للمذاكرة ومصباحاً آخر لسائر شأنه في الغرفة من نوم أو تنظيف أو تغيير ملابس أو غير ذلك.

النتيجة أن درجات أولئك الطلاب تحسنت بمقدار درجة واحدة في الفصل الدراسي اللاحق للتجربة عمن سواهم، وذلك فقط بخطوة بسيطة!

شيء آخر ينبغي ذكره، وهو أنك جعلت الوظيفة الأولية لمكتبك ومصباحك هو المذاكرة، فكر بالأمر على النحو التالي:

  • ما الوظيفة الأولى لغرفة النوم؟ النوم!
  • ما الوظيفة الأولى لغرفة المعيشة؟ التواصل مع الناس والعالم أو مشاهدة التلفاز والنشاطات الإجتماعية

وهكذا فإن عليك الإبتعاد عن السرير أثناء مذاكرتك، أعطه ظهرك وواجه حائطاً خالياً من المشتتات، أضئ مصباحك الذي خصصته للعمل، وحينها سينشط دماغك وضع “أنا أذاكر الآن ولو أزعجتني فربما أقتلك!”. بالطبع يستثنى من ذلك من يستذكرون في بيوتهم وسط أهلهم، فأنا لا أمنعك أبداً من طاعة والديك.

أيضاً من المهم أن يكون المحيط هادئاً من حولك، لابد أن يركز عقلك على المذاكرة فقط، إذا كنت تغني مثلاً وأنت تذاكر في نفس الوقت، فإن عقلك سيظل يذهب ويأتي بين المذاكرة والغناء ولن تتذكر في الإمتحان سوى الجزء المفضل لديك، الغناء بالطبع!


المشكلة الثالثة: كيف تتذكر؟

5p54nj38-1386204731

لعل لديك ذلك الأخ أو الأخت الذين يذاكرون بأسلوب التكرار بلا نهاية، سواءاً كتابة أو ترديد شفهي، بانتظار لحظة سحرية تحول تلك التلاوات إلى تحصيل علمي سليم. بل لعلك تكون أنت من أصحاب تلك الطريقة أيضاً وتفضلها ﻷنك تخرج منها بفائدة!

تلك التلاوة هي Rote learning أو Rote memorization، أي التذكّر عن طريق التكرار.

وإن كانت تلك الطريقة ناجحة معك بحيث تجعلك تفهم المحتوى الذي تذاكره، فلا تغير من طريقتك إذاً! لكن بالنسبة ﻷغلبنا فإن تلك الطريقة غير ناجحة إﻻ في بناء قوالب صمّاء تفرغ في الإمتحانات ثم نخرج من فترة الدراسة وكأننا لم ندخلها أصلاً.

ربما لهذا تجد نفسك أحياناً أمام بعض خريجي الجامعات مندهشاً حين يناقشك في مسألة ما وتقول له ألم تدرسها يا ولدي في فترة ما من حياتك؟! فيجيب بأنه درسها لكنه نسيها أيضاً بانتهاء فترة الدراسة. هؤﻻء يتبعون أسلوب “إن لم أفهمها سأحفظها!”، الإسم متعلم والرأس خاوٍ!

الحل كما يقول لوبديل في أن تحدد ما إذا كان ما تتعلمه حقائق أم مبادئ.

الحقيقة هي تقرير لواقع ثابت ﻻ يتغير.

مثال: معرفة اسم عظمة داخل الجسد.. هذه حقيقة!

أما معرفة وظيفة تلك العظمة وكيفية عملها وعلاقتها بما حولها من العظام والأنسجة والغضاريف وغير ذلك يأخذك نحو معرفة المبدأ الذي تعمل به تلك العظمة وتتصرف وفقاً له.

ويقول أن الأساتذة في الجامعة إنما يريدون من طلابهم أن يستوعبوا المبدأ الذي تعمل به الأشياء وتتصرف وفقاً له، ﻷنك ما إن تفهم المبدأ فلن تنساه، أما الحقائق فيمكن الحصول عليها بسهولة من أي مكان، لهذا لدينا جوجل ومراجع وكتب.

بل لهذا لدينا امتحانات في بعض الجامعات تسمى “امتحان الكتاب المفتوح”، فيمكنك اصطحاب الكتاب معك إلى قاعة الإمتحان، لكنك لن تعرف الحلّ إذا لم تكن قد فهمت المبدأ الذي يُدرسه الكتاب. أيضاً لهذا في مسائل الفيزياء مثلاً توضع الثوابت في ذيل المسألة، فهي الحقائق التي ﻻ يهم حفظها كثيراً بقدر ما يهم فهم كيفية استخدامها في حل المشكلة أو المسألة.

ويلقي البروفيسور على سمع الطلاب 13 حرفاً ثم يطلب منهم بعدها مباشرة سردها عليه بنفس الترتيب الذي قاله، ثم يعيد التجربة مرة أخرى لكن بعد إعادة ترتيب الحروف لتُشكّل معنى.

في المرة الأولى لم يأت الكثير باﻷحرف على وجهها الصحيح، أما في المرة الثانية فقد خمّن البعض أن الحروف تشكل كلمة Happy Thursday، لذلك كانت أسهل في التذكر، لماذا؟ لأنها شكّلت معنى لهم، أو أدركوا مبدأ الكلمة وما تعنيه.


المشكلة الرابعة: كتابة الملاحظات

104356286

يختلف الطلبة في أخذ ملاحظاتهم في المحاضرات، فهناك من يكتب كل ما يخرج من فم المحاضِر، وهناك من يكتفي بتصوير السبورة! ومن يسجل النقاط العريضة والرسومات التوضيحية المهمة ثم يعود آخر النهار ليذاكر ما كتب ويبحث عنه بين الكتب إن أشكل عليه شيء ما “هذه كانت حالتي أنا شخصياً”.

ما رأيك إن قلت لك أن كل ذلك ﻻ يحصل لك الفائدة المثلى مما يقوله المحاضر؟ فكلنا نعود آخر النهار لنجد بضعة أشياء لم نفهمها مما كتبناه بأيدينا! بل ربما لن نعرف لما كتبناها باﻷساس. وللمفارقة، فإن أكبر نسبة ملاحظات ضائعة وغير مفهومة هي من نصيب أكثر الطلاب تسجيلاً، ذلك الذي يعد أنفاس المحاضر في دفتره، فتكاد أن تراه يسجل شيئاً مثل: “ولقد عطس المحاضر ووضع الورقة على المنضدة ولم يمسح أنفه!”.

وقد كان أحد أولئك الطلاب زميلاً لي أثناء دراستي، وكنا معتادين أن يظل يكتب ويكتب، ثم يتوقف فجأة وينظر إلى سطر سابق مما كتب في دهشة كبيرة، وهو يقول لنفسه “بصوت مسموع” ما هذا الذي كتبته؟! وينادي على المحاضر ليسأله عما كتبه هو بيده قبل لحظات!! حتى اعتاد المحاضر بعد ذلك أن يتوقف كل بضع دقائق ليسأل ذلك الطالب في تهكم إن كان لديه سؤال ما.

والحل هو أﻻ تقلق من أن يضيع شيء ما من كلام المحاضر، وتسجل ما تظنه مهماً باﻹضافة للنقاط العريضة والرسومات التوضيحية وغير ذلك. ثم بعد أن تخرج من الدرس مباشرة، تجلس إلى ما كتبت وتبدأ بالتفصيل قليلاً تحت كل نقطة مما سجلت. بهذا فإنك تقيد ما تناوله المحاضر قبل أن يذهب من رأسك مع زحام الطريق وإجهاد المحاضرات.

وإن حدث أثناء استعراضك للمحاضرة ولما سجلته فيها أن وقعت على شيء كتبته ولم تتذكر لماذا كتبته بالضبط، فابحث عن زميل دراسة لك، أو اذهب للمحاضر نفسه، فهذا هو السبب الذي يعمل من أجله، ولعلك لا تلاحظ هذا أحياناً، لكن هذا من أسباب سعادة المحاضر، أن يجد أحداً ما درس ما قاله وجاء ليسأله فيما استشكل عليه.

وإن كان ما تدرسه على الإنترنت، فستجد منتديات للعلم الذي تدرسه إن بحثت جيداً، هذا إن لم تكن الجهة المنظمة للدورة أو المادة هي من تنشأ مثل ذلك المنتدى بين الطلاب الدارسين.


إلى هنا ينتهي الجزء الأول من المشاكل التي تعرض لها لوبديل في محاضرته، أراكم في الجزء الثاني قريباً. لا تنسوا أخذ نقطة واحدة أو اثنتين فقط لتطبيقهما في البداية، فإن رأيتم ثمارهما فعدّ إلى المقال وطبّق نقطة أخرى.

26