قصص النجاح
0

حالي كحال الغالبية من جيل الشباب، لديّ بعض الأحلام والرغبة في أن أحقّق نجاحاً يشعرني أنني تركت أثراً، وكحال هؤلاء أيضاً، كثيراً ما أجدني أفتقد للعزيمة والقدرة على المثابرة فأتجرّع لهذا الإحباط بعضاً من قصص النجاح علّها تشحن همّتي وتعينني على الاستمرار. فمنذ أن شاهدت فيلم الحافة (The edge) لأنتوني هوبكينز وأنا أكرّر عبارة “What man can do, another can do” كترنيمةٍ في لحظات الشك. كان هذا روتيني المستمر لعلاج الإحباط إلى أن صرخت يوماً “فهمنااااااا، والله العظيم فهمنا”. كنت أقرأ خبراً ليس عن أحدٍ غير القديس مارك زوكيربيرج (Mark Zuckerberg) وكيف أنّ صاحب السنوات الستة والثلاثين يمتلك ثروة تقدّر بـ 102 مليار دولار. لم يكن الأمر حقداً على الأغنياء ولكنّي شعرت أن الخبر يمرّغ أنفي بالرقم 36. بدأ الرقم يومض ويكبر حتى اختنقت. ما معنى أن تخبرني أن هذا العبقري الذي لا زال في عقده الرابع حقق نجاحاً لا أحلم به؟! ألا يحمل الخبر ضمنياً سؤالاً بمعنى ماذا فعلت أنت؟ يومها فقط وكما تقول أوبرا شعرت أنّني أعيش لحظة صحوة. وتساءلت هل حقاّ قصص النجاح تلك تلهمنا؟ هل حقّاً تشحننا وتدفعنا لنتابع السعي وراء أحلامنا؟ أم أنّها تترك أثراً سيئاً لا نلحظه على الفور؟ هل ضرر قصص النجاح أبلغ من نفعها؟ وأجبت بنعم وإليك لماذا.

أسباب جعلتني أؤمن أن قصص النجاح تؤذي أكثر مما تنفع وعليّ التوقف عن متابعتها:

الرسالة التي تحاول إيصالها مضلّلة:

قد يقولون الحقيقة ولكن من المؤكّد أنّها ليست كل الحقيقة. لو سألتك الآن عن تعليم كل من مارك زوكيربيرج وبيل غيتس ستجيبني لقد تركا الجامعة سعياً وراء حلميهما، أليس كذلك؟ أليست هذه الرسالة التي تصدّرها جميع الجهات التي تتاجر بقصص نجاحهما لتحصل على متابعين أكثر من الجيل الطامح؟ ألم يقف الكثير من الطلاّب متحدّين آباءهم مجادلين أن لا حاجة لهم للتعليم محتجين بنجاح زوكيربيرج وغيتس؟ ما نقص من السيناريو أن هذان الأخيران تركا هارفارد، ولتصل لهارفارد في المقام الأول عليك أن تكون من صفوة النخبة وأنّ مارك على سبيل المثال حظي بمدرّسٍ خصوصي منذ كان في الثانوية ليعلّمه البرمجة. قد يكونا لم يتخرجا ولكنّهما من المؤكد حصّلا الكثير من التعليم.

كاميرا قصص النجاح تصور القمة وتستخدم الكثير من الفلاتر:

من جوان رولينغستون (JK Rowling)؟ روائية وكاتبة سيناريو ومنتجَة أفلام بريطانيّة حاصلة على وسام الشرف البريطاني، ولقب ديم، عُرِفت بتأليفها سلسلة روايات هاري بوتر الفنتازيّة التي فازت من خلالها بالعديد من الجوائِز وبيعَ أكثر من 400 مليون نسخة من الروايات وأغنى كاتبة في العالم. هذه هي الصورة التي تشاركها المواقع والجهات التي تتحدث عن قصة نجاحها. أما المشهد الذي لا تُلقى الكثير من الأضواء عليه فهو تسلّقها لجبلٍ من المصاعب بينما كانت أم عازبة فقيرة إلى الحد الذي راودتها فيه أفكار انتحارية ولاقت الرفض من 12 دار نشر.
في سؤالٍ مماثل، من بيل غيتس؟ مؤسس مايكروسوفت وأحد أغنى رجال العالم. هذا ما نعرفه جميعاً، قلة هم أولئك الذين يعرفون أنّه أيضاً مؤسس شركة Traf-O-Data التي لم نسمع عنها لأنّها باءت بفشلٍ كبير بتطبيقٍ بالكاد استطاع أن يعمل. مشهد التسلّق الذي اختصرته بسطرين يحتاج فيلماً كاملاً لتكوّن صورة ضبابية عن معاناة أولئك الذين وصلوا القمة. لا تنتظر أن تنجح دون أن تكسر ظفراً.

لأنها تحكم على السمك بقدرته على الطيران

ما يستفزني حقاً، أنّك ستجد في تلك المواقع التي تدعم العمل الحر والإنجاز وتنادي بعبارات كن متفرّداً، اترك بصمتك وكن أنت وليس نسخة من أحد، يستفزّني أنهم يحملون مسطرةً تم تقسيمها بوحداتٍ تناسب النخبة الجالسين في الصف الأول في هذه الحياة ويقيسوننا بها.
للنجاح مقاييس نسبية، قد يكون النجاح بالنسبة لشخص ما أن يؤسس شركةً خاصةً به تدرّ عليه مقداراً معقولاً من الأرباح، أو حصول طبيب مختص بأمراض الذكورة والعقم صورةً لابن مريضٍ يراجعه كان قد يئس من الإنجاب. قد يكون النجاح أن تحظى كتاباتك بنقدٍ جميل أو أن يرسل أحدهم ليوتيوبر برسالةٍ يخبره فيها أنّ مشاركة اليوتيوبر لرحلته مع المرض ساعدته كثيراً في تجاوز مرضه. النجاح يأتي بصور وأشكال مختلفة فلا داعي لأن يأكلنا الإحباط عندما لا تتسع قصتنا في صناديقهم. يقتلني أنّ أخي ذا العشرين عاماً يشعر كفاشل في بعض الأحيان لأنّه لن يستطيع تحقيق قصة نجاحٍ مشابهة لقصة جوبز فقد فاته الرّكب ولن يستطيع اللّحاق به مهما حاول. 20 عاماً ويشعر أنّه تأخّر كثيراً!

قصص النجاح تترك وصمة عار على أولئك الذين لم يصلوا للقمة

قد تحظى بعملٍ جديد، بترقية جديدة أو بدخلٍ أعلى فتمتلئ بالسعادة وتمشي في الطريق عائداً إلى المنزل مغموراً بالرضا إلى أن يقودك سوء حظك إلى تصفح جوالك. لن تصل إلى المنزل إلا وغيمةٌ سوداء فوق رأسك وتصبح الترقية أو الوظيفة الجديدة مجرد تغييرٍ بسيط على حساباتك الاجتماعية. لماذا؟ لأن قصة النجاح التي قفزت على شاشتك والتي تتحدث عن حصول رائد أعمالٍ جديد على تمويلٍ بمقدار مليون دولار سرقت فرحتك. ما تهمل هذه القصة أن تذكره أن 90% من الشركات الناشئة تفشل وأنّ هذا الرائد الذي لاقى شيئاً من النجاح اليوم، قد جرّب وجرّب مسبقاً الكثير من الأفكار والمشاريع وباءت جميعها بالفشل. إن لم تصدقني فقط تصفّح حسابه على اللينكد إن أو الفيسبوك وتصفّح وعدَّ البنود المذكورة في قسم الوظائف والمناصب وكلّها متبوعة بكلمة سابقاً. كلمة سابقاً تلك تعني عثرات ومحاولات باءت بالفشل. لكنّ عنوان شابٌ في الثلاثين حاول وفشل كثيراً لا يبدو جذّاباً، أليس كذلك؟
غير أنّ رائد الأعمال الذي حظي اليوم بتمويلٍ لمشروعه لن يتابعه أحد وينقل قصته التالية إلا إذا نجح، والإحصاءات تخبرك أنّه غالباً سيفشل في السنوات الخمسة الأولى. لذا، لا تعبس واشترِ صحن حلوياتٍ في طريقك إلى المنزل واحتفل بنجاحك لأنّه نجاح.

قصص النجاح تشبه مجلّات الجمال والموضة

كلاهما يخلق صورةً وقالباً لما يجب أن تكون عليه ويخبرانك أنّك إذا لم تطابق هذه الصورة فأنت فاشل. كلاهما يتغذى على عقد النقص التي يزرعانها فيك. لاحظ العناوين: خمس طرق سحريّة لتصغير الأنف يقابله خمس طرق سحريّة لتصبح نجم اجتماعات العمل. ثم يغرقانك بمساحيق التجميل، كتب التنمية البشرية، البرامج الريادية وإعلانات لعمليات التجميل. هل سأل أحدهما إن كنت تريد أن تصغّر أنفك أو تكون محط الأنظار في اجتماعات العمل؟ بالطبع لا، لم يعطياك خياراً وحملا رسالةً أن الأنف الكبير والشخص الهادئ المستمع ليسا أمرين مقبولين.

ما كلُ هذا الركض والسباق؟ لماذا نحتاج الوجود على القمة إن كان نقص الأكسجين والخوف من السقوط يزعجاننا؟ لا يرغب جميعنا في أن يكون الأسرع أو الأذكى أو الأكثر جاذبية أو حتى الأغنى. بعضنا قد يعرّف الغنى بألا يمنعك نقصٌ للمال عن القيام بشيءٍ تحبّه وهذا لا يحتاج أن تمتلك أمازون لأجله. توقّف عن الركض، تنفّس واسأل نفسك: ماذا أريد ولماذا؟

ختاماً، هل يعني هذا أنّه يجب عليك أن تتوقف عن متابعة قصص النجاح؟ من أنا لأخبرك بما يجب عليك القيام به؟! أنا هنا فقط لأشاركك بشفافية تجربتي وأفكاري ولك أنت أن تختار أيّهما الأنسب لك. قد تكون أذكى، أكثر يقظة وحكمة مني وتختار نوع التأثير الذي تحصل عليه من قصص النجاح، وصدّقني سعيك للنجاح نجاح يستحق أن تفخر به.

0

شاركنا رأيك حول "قصص النجاح تضرك أكثر مما تنفعك وعليك التوقف عن قراءتها لهذه الأسباب"