0

قبل أن نبدأ بنقد التعليم المدرسي، لا بد مِن ذكر ما قاله الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في أحد أعماله:

“الفكر الحديث فكر محكوم، شكلًا ومضمونًا، عمقًا وسطحًا، بالعودة وبالرجوع إلى المكان ذاته، ليكرّر المثال.”

أتأمل هذه المقولة بانتباه. أعيد قراءتها مرّات ومرّات حتّى أتذكر أننا كنّا مطالَبين في الكتاتيب ثمّ المدارس والجامعات بمطالعة ذات النص وذات القاعدة الرياضية وذات الشعر لفترات طويلة وبإرجاعها إلى أصحابها فوق ورقة الامتحان..

أتذكّر كيف كانت ماما تحمل عنّي محفظتي التي تكاد تزن ضعف وزني خاصة وأنني فتاة صغيرة نحيفة الجسم، كما أتذكر كيف كانت تمرّ ببالي صورٌ لمعلمين وأساتذة عاجزين عن إكمال البرنامج لقصر الوقت وتراكم المواد والمعلومات. ولكن لِمَ كلّ هذا؟ لِمَ كنت أرمي المحفظة فأحسّ بثقل ينزاح عن كتفيّ وبقيود تنكسر وتتلاشى؟ هل هذا هو الهدف من التعليم أم أن في هذا التدريس تجهيل وتعتيم لبصائرنا وقمع لقدراتنا؟ ظلّت هذه الأسئلة تلازمني حتّى صرت أبحث عن جوهر التدريس وعن ماهيته منطلقةً من إشكالية أساسية عما إذا كان هذا التديرس تعليمًا أم تعليبًا.

نماذج تعليميّة ناجحة وأخرى فاشلة.. ثنائية أخرى تحكم العالم!

تحكم الحياة ثنائيات وتناقضات كلما تناسيناها عادت لتطفو على السطح وتتلألأ بين النجوم فتخبرنا أنها تحرك العالم وتسيّره وتضبط ديناميكيته ومن دول الجنوب والشمال والموت والحياة والحب واللامبالاة والفقر والثراء والكذب والحقيقة نجد أنفسنا مقحمين في مسألة تحدد مستقبل أطفالنا وأوطاننا، ألا وهي المسألة التعليمية أو التربوية إن صحّ القول.

إذ بينما تحتّل دول معيّنة المناصب الأولى في تقييمات عالمية لها علاقة بنماذج التدريس، تجلس أخرى أسفل السلّم وتأبى التقدّم والتجدّد والارتقاء. لكن هذه المقاربة ليست في منأى عن الحراك الاقتصادي والسياسي في الدول وعن واقعها الاجتماعي بل تجمعها بهم علاقة تأثير وتأثر. تقولون كيف ذلك؟ فأردّ. يلعب التدريس دورًا هامًّا في النمو الاقتصادي للدول، وتقول دراسة نشرت في “Journal of Rural development and administration” إنه ما من إنتاجية ونمو اقتصادي دون ضمان تعليم ذي جودة عالية وأن لهذا التعليم انعكاسات إيجابية على مستوى الفرد والمجموعة. يتأكد كلامنا هذا إذا ألقينا نظرة على معدل الجريمة في الدول التي تتفشى فيها ظاهرة ترك المدارس وقارناها بنظريتها في دول توفرّ مدارس وبرامج تعليمية نوعية تبجّل المعرفة على العقاب وتحترم مؤهلات المتعلم كما تقدم له شهادات ومهارات.

اقرأ أيضًا: الانتحار في الجامعات.. لماذا يتخذ الطلاب قرارًا بإنهاء حياتهم؟

التعليم السليم يؤدي لإنسان سليم..

نعود لنقطة البداية وتحديدًا للعنوان لنقف عند أنظمة تعليمية ناجحة، ينمو فيها الطفل ويكبر على قيم إنسانية فضلى، يتعلم فيها كيف يحترم محيطه وكيف يحبّ المختلف عنه وكيف يساهم في النهوض بوطنه. كلامي هذا ليس كلامًا شاعريًا تردده كاتبة مقالات تحلم بالهجرة. لست كذلك، أنا كما يقول الشاعر التونسي الصغير أولاد أحمد: “أحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد، صباحًا مساءً وقبل الصباح وبعد المساء ويوم الأحد” ولكنه كلامٌ أحاول أن أعالج به مسألة مركبة وأجيب من خلاله عن سؤالٍ علينا أن نفكر فيه.. لذلك كان لا بد من نقد للتعليم المدرسي ها هنا.

نذكر من بين هذه الأنظمة نظام التعليم بفنلندا حيث يقرر المعلم أو الأستاذ ما الذي يحتاج الطفل إلى تعلّمه ويوظف التكنولوجيا تلبيةً لهذه الحاجيات في عدد ساعات يبدأ من عشرين ساعة في الصف الأول وهو عدد قليل مقارنة بدول أوروبية أخرى. قد لا تستغرب كلّ هذا لكنّك ستتفاجأ حين أخبرك بأن لهؤلاء التلاميذ أن يتركوا القسم بعد طلب الإذن من المعلم وأن يعملوا في مقهى أو متجر المدرسة ويتعلمون التعامل مع الآخر تمامًا كما يتعلمون الحساب وآليات البيع والشراء، هذا بالإضافة إلى تعويلهم على أنفسهم وزرع ثقافة العمل فيهم.

يسألون الآخر عما يريد، يطلبون منه المبلغ المالي لشراء ما يريد، يرجعون له ما تبقى من أمواله، يشكرونه وهكذا دواليك وفي وقت الفطور، يأكلون ما يوفره المطعم المدرسي مجانًا في طاولات تجمعهم بمدريسهم وأصحابهم ثم ينظفون المواعن قبل الرجوع إلى قاعات الدرس. لهم مكتبات وقاعات للراحة ولعب البلايستيشن وساحات للعب الكرة ولنا قاعات يكاد السقف يسقط فيها من شدّة الإهمال. لهم معلمون يتحكمون في البرامج كيفما شاءوا ولنا معلمون يعانون ضغطًا لإكمال برنامج لا يكتمل. لهم ساعات كثيرة للاستمتاع بها مع العائلة ولنا سويعات قليلة ننام فيها خائفين إن كان المدرّس سيعاقبنا غدًا أم لا.
هذا ما يجعل من نظام تدريسي ناجحًا وآخر فاشلًا. فالأطفال هم الأطفال، والذكاء في جزء كبير منه صناعة وصقل، والعوامل النفسية عوامل لا يمكن تركها جانبًا إن أردنا فهم هذا الموضوع.

نقد التعليم المدرسي.. بين التعليم والتعليب!

لم لا نحب الاستيقاظ باكرًا والذهاب إلى المدارس؟ لم نقفز فرحًا عند ترك قاعات الدرس؟ لم نقوم بواجباتنا فقط لأننا مرغمون على ذلك؟ لماذا ننال شهادات لا تتناسب مع اختبارات الحياة؟ أهذا تعليم أم تعليب؟ تدجين أم صقل مواهب؟ تربية أم استعباد؟ أسئلة كثيرة وأجوبة قليلة تزيد من قلقنا تجاه مستقبلنا ومستقبل أطفالنا.

أتذكر كيف اعتراني الفرح يوم سمعت لأول مرة أغنية بعنوان نحن لا نحتاج إلى تعليم أو “We don’t need no education”. كنت حينها في السنوات الأولى من تعلم اللغة الإنجليزية. رحت أترجم الكلمات وأحس بنار الثورة تلتهم أنفاسي. سعدت كثيرًا لأنني كنت أحس بأن ما أتعلمه في البيت يفوق بكثير ما تلقنه لي المدرسة. كبرت بعدها ولكني وبعد سنوات وعقود، سألت زملائي في الجامعة عما إذا كانوا قد شاركوني شعوري هذا وتفاجأت حين ردّ الجميع “نعم”. تلقينا تعليمًا كلاسيكيًا فيه من الجغرافيا والتاريخ والفرنسية والإنجليزية والإيقاظ العلمي والرياضيات والإنتاج الكتابي والمدنية ما لا يمكن لأي طفل فنلندي أو أوروبي عامة أن يتلقاه. كنا خائفين من عصا المدير ومن عقاب المعلم ومن غضب الولي، فكيف لهذا التدريس أن يكون تعليمًا؟
السلطوية والعنف ومؤسسة العقاب نقيضة للعلم والمعرفة والارتقاء بالذات، والتطبيع معها والقبول بها قد ينتج أجيَالًا تتردد على المدارس ولا تتعلم قانونًا واحدًا من قوانين الحياة.

اقرأ أيضًا: “حلمي دراسة الطب”.. براءة طفوليّة أم استبداد الآباء باختيارات أبنائهم؟

لا يكفي أن نبني قاعات ونشيد جامعات ونملأ البرامج موادّ من كل بقاع الكون حتى نضمن للمواطن تعليمًا يليق به ويوفّر له حياة كريمة يكون فيها متساوٍ معرفيًا واجتماعيًا مع المواطن الذي يؤمن بالحلم الأمريكي أو ذاك الذي يردد نشيد الثورة الفرنسية، بل علينا أن نسعى جاهدين إلى عدم تحويل هذه الأطر إلى زنازين ومصانع تقتل اختلافاتنا وتخفت صوت الإرادة والحلم فينا.

0

شاركنا رأيك حول "التعليم المدرسي: ما بين تعليم الأطفال وتعليب عقولهم!"