تعليم الأخلاق للأطفال
0

تعليم الأخلاق للأطفال والمراهقين أصبح من أكبر التحديات في العصر الحديث، حيث أصبحت البلطجة والتنمر والعنف والأنانية واقتحام الخصوصية هي السمة السائدة، بعد أن كان تعليم الأخلاق يتم بشكلٍ تلقائي؛ من خلال مراقبة الطفل لمن حوله وتقليدهم، وكان معظم هؤلاء يتعامل بدرجةٍ من الأخلاق، على الأقل أمام الناس، فلا يكذب ولا يسرق ولا يصيح بصوتٍ مرتفع.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإن اهتمام الكثير من الآباء أضحى مُنصبَّا أكثر على تعليم اللغات وإتقان موهبة أو أكثر مع الرياضات، وعلى الرغم من أن هذه الأشياء في غاية الأهمية، إلّا أنه لم يعد هناك أي مجال في هذا الجدول المزدحم لتعليم الأخلاق، بل حتى الآباء الذين يطمحون لتعليم أبنائهم عدم الغش والحرص على الأمانة، يواجهون اليوم تحدياتٍ لا حصر لها، لدرجةٍ تجعلهم يتساءلون هل نظلم أبناءنا بتعليمهم الأخلاق؟ وهل يستطيعون العيش في المجتمع أم سيكونون مدعاةً للسخرية وانتهاك الحقوق دون أن يعرفوا كيفية رد الإساءة مما قد يدمرهم تمامًا؟

لذا سنتعرف معًا على الأسباب التي تجعل من الضروري لك ولطفلك أن تحرص على تعليمهم الأخلاق والطرق الصحيحة لذلك.

أسباب تشجعك على تعليم الأخلاق للأطفال والمراهقين

تعليم الأخلاق للأطفال

إذا كنت من المتشككين في أهمية تعليم الأخلاق في العصر الحديث، وتقتنع أن النقود والتعليم والقوة هي فقط الطريق للنجاح، فاسمح لي أن أختلف معك بشدة، وسنرصد معًا بعض الأسباب المنطقية لضرورة تعليم الأخلاق:

الأخلاق تزيد من النجاح على المدى الطويل

يمكن للسرقة والغش أن تحقق نجاحاتٍ تُغري ممارسها بالاستمرار بها، ولكن على المدى الطويل لا بد أن يحقّق فشلًا ذريعًا ينقله من أعلى المراتب إلى أدناها، والصدمة هنا تكون أكثر حدةً وقد تودي به للانتحار.

فالكثير من الدراسات الحديثة أثبتت أن من يتمتعون بالأخلاق هم الأكثر ثقةً، ويزيد الإقبال عليهم ليس فقط في العلاقات الشخصية والاجتماعية، لكن في الأعمال المختلفة التي تزدهر نتيجةً لإخلاصهم وقدرتهم على العطاء والصدق والالتزام.

الأخلاق تزيد من السلام الداخلي ومن استقرار المجتمع

تعليم الأخلاق للأطفال

إذا كنت ترصد الكثير من النماذج التي حققت نجاحًا كبيرًا في أعمالها وتعرف أنها لا تتمتع بأي أخلاق، فانظر إلى مدى تمتعهم بالسلام الداخلي، وهل يعيشون في سعادةٍ حقيقية أم لا ينامون إلا بالمهدئات، ولا ينقطعون عن زيارة الأطباء النفسيين رغم ما يتمتعون به من أموال وسُلطة ونفوذ.

فإيذاء الآخرين يترك ندوبًا لا يمكن محوها حتى لأكثر الناس شرًا، ومن يؤذي غيره أو يغشّه فإنه يتعرض لأنواعٍ من العقاب المتنوعة، التي تزيد عن مجرد اتهامه بجريمة أو إلقاء القبض عليه، فحتى من يفلت بفعلته، لا يستطيع أبدًا تحقيق السلام الداخلي مهما حقّق من نجاحٍ نتيجة انتهاكاته.

الأخلاق أهم العبادات

مع محاولات الالتزام بمخاطبة العقل والجانب النفعي الدنيوي فقط في التعريف بأهمية الأخلاق، إلا أنه لا يمكن على الإطلاق إهمال الجانب الديني والمكاسب الجمة في الحياة الآخرة عند مختلف الأديان.

فهناك قدر لا بأس به من المتدينين يركّزون فقط على العبادات مثل الصلاة وزيارة دور العبادة والصيام وارتداء الحجاب وغيرها، ونحن لا نقلّل منها هنا على الإطلاق، لكنها ليس كافية أبدًا عن تعليم النهي عن السرقة والغش والتنمر وعدم احترام الكبير.

فكما تكافئ طفلك على الصلاة أو الصيام، لا بد من تشجيعه على قول الصدق، وعدم عقابه إذا أخطأ وأقر بفعلته، فهذا يعلمه الصدق والأمانة، لكن يجب تحذيره من الكذب والخيانة وغيرها كما تحذره من الإفطار في أوقات الصيام أو تضييع فروض الصلاة أو عدم الذهاب لأماكن العبادة.

أهم الأخلاق الواجب تعليمها للصغار

تعليم الأطفال الأخلاق

يهتم الكثير من الآباء بتحذير أبنائهم من الكذب أو السرقة وربما الغش أحيانًا، لكن ليست هذه وحدها هي الأخلاق المطلوبة لتنشئة طفلٍ سويٍّ وسعيد ويُعتمد عليه ويشعر بالسلام النفسي:

احترام الآخرين جميعاً على اختلافهم

يحرص الآباء على تعليم الأطفال احترام كبار السن أو الجدة والجد وعدم السخرية من بطء حركتهم أو عدم استماعهم الجيد لما يُقال، لكن يجب التأكيد على ضرورة احترام الجميع مهما كان السن أو المهنة أو الشكل.

فيجب ألا يسخر طفلك من زميله الذي يرتدي ملابس مختلفة، أو يبدو عليها الفقر، ويُعاقب فورًا على هذا السلوك، ولا يجب أن يسخر من شكل شعر أقرانه أو ملامحهم أو لون بشرتهم، حتى إذا كان هذا الفعل بينك وبينه فقط.

فالذي يبدأ بسخرية عابرة يتحوّل بعد هذا إلى التنمر وتوجه مضاد لشخصيات وأفراد معينين يتمتعون بالاختلاف، مما يزيد من عدوانية الطفل وقد يعرضه للمساءلة بعد هذا سواءً القانونية أو حتى في العمل وبين الأقران.

التكيّف والمرونة

يجب أن يتعلم الأطفال التنازل قليلًا عن رغباتهم، فليس كل ما يريدونه قابلًا للتحقيق، لا الآن ولا بعد أن يكبروا، لذا حاول عدم الاستجابة لأشياء قليلة من رغباتهم حتى إذا كان في وسعك تحقيقها، وهذا فقط بعد تعويدهم على التكيّف مع الحرمان والفقد.

فعندما يعتاد الطفل على الحصول على كل ما يحتاج إليه، يصير أنانيًا ولا يحترم رغبات الآخرين، وقد يسرق، أو حتى يقتل بعد هذا لأسباب تافهة.

مساعدة الآخرين

تعليم الأخلاق للأطفال

هذه القيمة قد تكون خطرة على بعض الأطفال حاليًا، فعندما يطلب منه شخصٌ غريب في الطريق أن يساعده في شيء، قد يعرّضه هذا للاختطاف، لكن ليس معنى هذا أن نترك قيمة المساعدة بشكلٍ تام، ويمكن من خلال قيامك بمساعدة أشقائك أو أسرتك أو حتى زوجتك في المنزل، أن يتعلّم الطفل قيمة مساعدة الآخرين.

احترام الأديان

وهي قيمة نفتقد لها بشدة في هذه الأيام، حتى بين أصحاب الدين الواحد، بل والمذهب الواحد أيضًا، فيختلفون حول بعض الفتاوى أو القضايا، وقد تقوم حروب بسببها، أو الكثير من الشجارات سواءً الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي أو الفعلية على أرض الواقع.

ومن الضروري للغاية تعليم الطفل أنّ لكل شخص الحق في اختيار دينه، مع الحرص على تعليمه الكثير عن الدين الذي ترغب في أن يعتنقه وربطه بكل مناحي الحياة منذ الصغر، ثم منح الفرصة له للإطلاع على الديانات والثقافات الأخرى ومناقشته بها بشكلٍ عقلاني تجعله يؤمن بالدين الذي تعتنقه عن اقتناع وفي الوقت نفسه لا يؤذي أصحاب الأديان الأخرى سواءً السماوية أو الوضعية.

العدل

وهي من القيم التي يشعر الجميع أنها مُفتقدة بشدة، فإذا سرق الغني ذو النفوذ لا يُحاكم، أمّا الفقير فينال حُكماً مُضاعفاً، إذا زنت امرأة تُقتل أما الرجل فلا يناله شيء، إذا ضرب ابنك زميله لا تعاقبه، وفي الوقت ذاته تُقيم الدنيا ولا تُقعدها إذا تعرَّض هو للضرب من زميله.. وهذا كله غياب تام لقيمة العدل.

فمن الضروري للغاية أن تركّز مع طفلك على تحقيق قيمة العدل، سواءّ كان هو المخطئ أم صاحب الحق، وهذا لن يجعله ضعيفًا على الإطلاق، بل من القوة تمامًا إعادة الحقوق لأصحابها والحرص على تحقيق العدالة.

قيمة التعلم

قد تتعجب من وجود قيمة التعليم ضمن الأخلاق، ولكن التعليم هنا لا يعني فقط الفيزياء والكيمياء أو حتى اللغات، لكن التعلم الدائم من المواقف المختلفة، وعدم الإصرار على الخطأ، أو حتى اعتبار أنه طالما نجح في المدرسة فهو يعرف كلّ شيء، فهذا كفيلٌ بتنشئة إنسانٍ جاهل، حتى إذا كان يملك شهادة الدكتوراه، فيمكن أن نتعلم من أيّ شيءٍ في الحياة حتى لو من إنسانٍ بسيطٍ أو حتى نملة، وأن نستمرّ في حالة التّعلم دائمًا مهما تقلّدنا من مناصب أو كبرنا في العمر.

طرق تعليم الأخلاق للأطفال

اتفقنا أن مراقبة الطفل للكبار هي العامل الأكبر في تعليمهم الأخلاق، ولكن لأن الأبوين فقط ليسا كافيين، حتى مع التزامهما التام بالأخلاق التي يرغبان في غرسها، فإن هناك طرق أخرى يمكنك بها مساعدة طفلك على تعلم الأخلاق دون مجهود كبير:

الامتناع عن أسلوب المحاضرات

جميعنا يكره النصائح المباشرة والمحاضرات، والأطفال كذلك لا يُطيقون الأوامر المباشرة، لذا حاول اتباع طريقة الأسئلة دائمًا، فإذا اكتشفت كذبه لا تقل له أن الكذب أمرٌ خاطئ، أو يؤدي بك للنار وهكذا.. فهي كلُّها كلماتٌ ستذهب هباءً، لكن ابدأ في سؤاله عن سبب كذبه ورأيه في الشخص الكاذب، وهل سيكون سعيدًا إذا كذبت أنت عليه، وغيرها من أسئلة بحيث ينفر الطفل نفسه من الفعل.

تطبيقات الهاتف المحمول

نعم، فالوقت الذي يجلسه طفلك في الألعاب يمكن أن يساعدك في التربية إذا اخترت بعناية بعض التطبيقات التي تُعلِّم الأخلاق، وأذكر هنا تطبيق جيل المناسب للأطفال من سن 3-9 سنوات، من خلال الموسيقى والألعاب والحكايات يهدف لدعمك في دورك التربوي.

الثناء على كل التزام أخلاقي

إذا كسر ابنك شيئًا ولكن اعترف لك، فلا تلتفت مطلقًا للتلفيات واشكره على صراحته ولا تعاقبه أو حتى تحذره من العمل نفسه في المستقبل، فاعترافه يعني شعوره بالندم ويجب دعم هذا السلوك فيه، وهكذا في كل قيمة، سواءً المساعدة في ترتيب غرفته، أو منح أمواله لشخصٍ فقير، أو مشاركة لعبته المفضلة وغيرها، فلا بد أن يعقب كلّ سلوكٍ جيّد مكافأةً متغيرة ليستمر في السلوك الجيد.

التأكيد على الهدف الأكبر من الالتزام بالأخلاق

ستواجه أسئلةً محرجةً من طفلك، مثل ما جدوى عدم الكذب طالما لم يضرّ أحد؟ أو أنا أكره فلان أو لا أحبه، فلماذا عليّ التعامل معه؟ أو غيرها من قيم قد لا يكون لديك إجابةً واضحة عن جدوى ممارستها، أو الالتزام بها، أو فوائدها في الدنيا، أو النجاح في الحياة.

وهنا يجب أن تكون أنت مقتنعاً بالهدف الأسمى والطويل الأجل للقيم الأخلاقية، فتدرك أنّ الكذب قد يُنّجي بشكلٍ مؤقت، لكنّه يُهلك صاحبه فيما بعد، وبالتالي تحرص أنت نفسك على تلك القيم لتكون قدوةً واضحة لأطفالك فيما بعد.

في النهاية، فإن تعليم الأخلاق للأبناء يجب أن يكون على شكلٍ متوازٍ وليس متتالٍ، فكلّ قيمة تؤكّد على ما بعدها، فلن تكون أدّيت النجاح المطلوب إذا كان الطفل كذّابًا ولكنّه متعاطفٌ مع الآخرين، أو كان أمينًا ولكنّه يهزأ بمن حوله، فهي كلّها سلسلة تؤدي إحداها للأخرى.

اقرأ أيضاً: عندما تصبح الدرجات أهم منهم.. نتائج لن تتوقعيها للضغط الدراسي على الأبناء

0

شاركنا رأيك حول "تعليم الأخلاق للأطفال.. هل نظلم أبناءنا عند تعليمهم عدم الغش والأمانة واحترام الآخر؟"