كيف تعاقب بطريقة صحيحة؟…4R سر الانضباط السلوكي

1

إن الانضباط السلوكي خلال التعلم يعتبر من الأمور التي تسعى جميع المؤسسات التعليمية وأولياء الأمور إلى تحقيقها، حيث لطالما اقترنت التربية بالتعليم في مختلف الأنظمة الدراسية. بين الاثنين، نلاحظ استخدام “العقاب” كوسيلة لتصحيح سلوكات التلاميذ تحت ما يسمى اصطلاحًا ب“الانضباط العقابي / punitive discipline“.

من خلال هذا الموضوع، سنحاول أن نستعرض نتائج إحدى الأبحاث، والتي خلصت إلى ضرورة تجاوز هذا النوع من الانضباط إلى ما يسمى “الانضباط الإيجابي / positive discipline“.

خلل الانضباط العقابي

إن الملاحظة التي تعتبر انطلاقة أبحاث عالمة النفس واختصاصية التربية الأمريكية جان نيلسن هو أن العقاب في المدارس أو من طرف الوالدين له نتائج جيدة نسبيًّا على المدى القصير، حيث أنه يمكن من تجاوز الموقف وإحداث ردة فعل قد تعتبر “مقبولة” في وقت الحدث. لكن، وبملاحظة نتائج العقاب على المدى البعيد، اتضح أن له ترتبات تثبت بصفة مباشرة خلل نظام “الانضباط العقابي”. تختزل هذه النتائج فيما يعرف ب 4R، وهي كالتالي:

الاستياء / Resentment

هذا غير عادل. لا أستطيع الوثوق بالبالغين.”

يعتبر التلميذ أو الطفل هنا من استياءه من العقاب نفسه، بحيث أنه – ورغم أنه معاقب – يرى أن الأمر غير عادل، وأن الفعل الذي قام به لا يستدعي أبدًا هكذا عقاب. وبالتالي، فالجهل بالأسباب، وعدم فهم الوضعية والخطأ المرتكب، قد يجعله يرى غطرسة في الكبار سنًا وظلمًا لم يكن يستحقه. وبالتالي، سينمو لديه حقدٌ نفسي، بل وقد يؤدي الأمر إلى تحول شخصيته إلى شخصية عنيفة ومتمردة، وذلك بسبب افتقار المنطق لوضعية العقاب ككل.

الانتقام / Revenge

“لقد ربحوا هذه المرة، لكنني سأفعل المرة القادمة !

هناك تلاميذ وأطفال ممن يأخذون الأمر على شكل مواجهة، بحيث يعتبرون العقاب هذه المرة وكأنه خسارة جولة أولى، وأن عليه الانتقام من الأستاذ أو الوالدين لما فعلاه. في الغالب، سيقوم بعمل سيء، وربما يتعدى الأمر إلى محاولة إلحاق الضرر بالمُعاقِب.

التمرد / Rebellion

“سأريهم أنني أستطيع القيام بما أريد فعله”

يجمع هذا السلوك أو رد الفعل بين الاثنين اللذان سبق ذكرهما، إذ ولعدم ثقته في الكبار سنًا، سيحاول أن ينتقم منهما عن طريق القيام بما يحلوا لها، أو بمعنى أصح، القيام بما لا يُريده المعاقب، حتى وإن هو نفسه لم يرده، فقط لأجل العناد. مثلًا، إن عاقبته المدرسة على الحديث مع زميله، فإنه سيستمر في حديثه معه حتى وإن كان لايريد ذلك، وإن طلب الوالدان مثلًا ألا يرتكب أي خطأ في حل مسألة رياضية مثلًا وإلا عوقب، فإنه سيفعل ذلك عن قصد وإن كان يعلم أنه أمر غير صائب.

شخصية المتمرد هذه تعتبر الأصعب، فكمية العناد والتحدي قد تؤدي إلى أفكار وإلى نتائج لايمكن تصورها.

الانسحاب / Retreat

“فقط، يجب ألا أُمسك هذه المرة !

هذا المُعاقبُ يرى الأمور من زاوية مختلفة قليلًا، فبالنسبة له، فقد عوقب ليس لارتكابه سلوكًا مخالفًا وإنما لأنه أُمسك، وبالتالي، فهمه الوحيد أن يتوخى الحذر في المرات القادمة، وأن لابأس بما يقوم به طالما لم يكتشفه أحد. هي نظرة غريبة قليلًا، وربما كان لها نتائج كبيرة خاصةً إن تفاقمت الأفعال والسلوكات لما هو أكبر.

هذه الشخصيات الأربعة هي النتيجة الحتمية لاستخدام أساليب العقاب التقليدية من ضرب أو عزل أو غيرهما. والتي يجب، حسب د. جان نيلسن، مواجهتها قبل أن تنمو داخل الأطفال والتلاميذ بسبب هذا النوع من الانضباط السلوكي غير المفيد.

“الانضباط الإيجابي” البديل الأنسب

مقابل الانضباط العقابي، تم تقديم ما يعرف اصطلاحًا ب”الانضباط الإيجابي”، وهو منهج مخالف لسابقه، مبني على مجموعة من الأسس والقواعد تسعى جميعها إلى ترسيخ انضباطٍ:

  • حازمٍ لكن مفيد وإيجابي (مبني على الاحترام والتشجيع).
  • يساعد الأطفال والتلاميذ على تطوير شعور الانتماء والأهمية (تعزيز أساليب التواصل).
  • فعالٍ على المدى الطويل.
  • متأسس على قيم العمل الجماعي والذي يعمل على تعزيز المهارات الفردية داخل بيئة مبنية على الاحترام، الاهتمام، المسؤولية والتعاون.
  • تقوية الثقة في النفس وفي القدرات واستخدام الإمكانيات الخاصة من أجل بناء شخصية واعية ومسؤولة.

بناءًا على هذه المبادئ، يسعى الانضباط الإيجابي إلى تقديم أربع عناصر أساسية يمكن أن تضمن معاقبة الطفل أو التلميذ بطريقة ناجحة دون أن تؤثر سلبًا على سلوكه، تتلخص هذه العناصر في ما عرف أيضًا ب 4R، وهي:

ذو صلة / Related

يجب أن يتم اختيار العقاب ذو صلة بالسلوك، أي أن يكون العقاب من نفس جنس الفعل الأصلي، حتى يتذكره التلميذ على المدى الطويل كلما فكر في القيام بالأمر مرة أخرى.

محترم / Respectful:

نعم.. يجب على العقاب أن يطرح بطريقة محترمة وبأدب، فلا تصرخ على التلميذ ولا تبدأ بتأنبيه أو تأذيبه، بل تحدث معه وكأنه شخصٌ راشد وحاول أن تبرز له خطأه وأنه قد يضر به أو بمن حوله. بهذه الطريقة، ستساهم بطريقة غير مباشرة في توعيته وتوجيهه نحو ما يجب فعله وما يجب تجنبه، وتستغل بذلك العقاب كأسلوب للتربية.

معقول / Reasonable:

يجب ألا تنسَ سنّ التلميذ أو الطفل الذي تريد معاقبته، وبالتالي، حاول أن تجد عقابًا مناسبًّا له، ولا تبالغ في ردة فعلك أو تقييمك للسلوك الذي قام به، حتى لا يرى أنك ظلمته أو أنك شخص مستبد أو ظالم.

مكشوف / Revealed:

من الممكن أن تكشف عن عقاب السلوك قبل أن يقوم به التلميذ، كأن تقول مثلًا “من يقم بكذا… فسيحرم من…”، بهذه الطريقة سيصبح العقاب كتنبيه قبلي، وستتمكن من جهة من ترك الاختيار للتلميذ في القيام بذلك السلوك السيء، ومن جهة أخرى ستبرر عقابك، ما دمت قد أنذرته في البداية، هكذا، لن يرى في الأمر ظلمًا أو غطرسة.

بهذه الطريقة وبالالتزام بهذه النقاط، سيتم توجيه التربية والتعليم لمستوى أكثر وعيًّا وإيجابية..

1

شاركنا رأيك حول "كيف تعاقب بطريقة صحيحة؟…4R سر الانضباط السلوكي"