يتباين التعلم ويختلف وفقاً لكل شخص، فهناك من يمتلك حدّة في التعلّم تأهله لاستيعاب كم كبير من المعلومات خلال وقت قياسي ولربما دون الحاجة لأخذ راحة أو فترات مستقطعة حتى! في حين أن البعض الآخر يكون أقل استيعاباً وتشتتاً وبطئاً في التعلم، ولربما يتطلب منه الأمر إعادة المعلومة الواحدة عدة مرات حتى يفهمها بشكل واضح. مع العلم أن فترات الهبوط قد تكون طبيعية للجميع، فهناك أوقات تشتد فيها صعوبة وبطء التعلّم ويكون الفهم والاستذكار صعباً، لا سيما عندما تجتمع المشتتات أو الأمراض وغيرها من العوامل التي لا طاقة لنا بها.

إلا أن هناك بنود عامة يمكن الالتزام بها لتجنب بطء التعلم وصعوباته المختلفة، ولعل النقاط الأربع القادمة خير ما يمكن الحديث عنه في هذا الجانب.

ضعف التركيز: حاول تجنّبه قدر الإمكان!

التركيز هو الحجر الأساس في عملية التعلّم. فإن كنت لا تصبّ القدر الكافي من التركيز فيما تريد تعلّمه فلا شك أنك ستغدو متعلماً بطيئاً ومتكاسلاً. وبمجرد الالتزام بصرامة التركيز أثناء التعلم، ستلاحظ التغييرات الكبيرة التي تطرأ عليك، ولعل النقاط التالية ستفيدك جداً في موضوع زيادة التركيز:

  • احرص على البيئة الهادئة قليلة المشتتات: من الطبيعي أن يكون المكان الصاخب المليء بالضجيج وإشعارات الهاتف مثيراً للتشتت ومنفّراً للتركيز! لذلك لا بد من الحرص على أن تكون بيئة التعلم المتمثلة بالغرفة أو الصالة بأنها هادئة قدر المستطاع وبعيدة عن شتى أنواع المشتتات.
  • الحفاظ على التركيز أسهل من التركيز أكثر من مرة: لا يوجد شيء اسمه تعدد المهام، إنما يوجد التنقل ما بين المهام! فأنت لا تفعل عدة أمور في الوقت نفسه، إنما تنقل تركيزك خلال "فترة واحدة" بين عدة أمور معاً فقط. ولربما تنفع آلية تعدد المهام مع البعض إلا أنها بشكل عام غير فعالة وتتسبب في ضياع التركيز وسوء تدفقه. خصوصاً أنه عند فقدان التركيز لا بد من فترة إقلاع من جديد حتى يفهم الدماغ النشاط الذي كان قيد التنفيذ ويعيد تشغيله، وطبعاً هذا كلهُ يكون محسوباً ضمن الوقت الكلي للدراسة والتعلم الذي يضيع سداً.
  • ضبط الصحة والقسط الكافي من الراحة: يؤدي السلوك الغذائي التعيس والحرمان من الكمية الوفيرة من الماء والسوائل المغذية وغيرها من العادات الصحية الروتينية السيئة إلى تدهور الجسم وفقدان التركيز. فالقدرات التعليمية للجسم مرتبطة مع القدرات والأساسات الصحية التي يمتلكها، فلا يمكن للعقل أن يعمل بكفاءة وسرعة عندما يكون الجسم ضعيفاً منهكاً! فاحرص على النوم جيداً وتناول الغذاء الصحي والراحة الكافية حتى تكون في أوج تركيزك عندما تريد التعلّم.

لعقليّة النمو دور أيضاً!

«سواءً كنت تعتقد أنك تستطيع أو لا تستطيع، فأنت غالباً على حق!» -هنري فورد

تختلف عقلية النمو وفقاً لكل شخص، فالبعض يرى بثبات الصفات وأنها هبة من السماء ولا يمكن تغييرها أو زحزحتها من مكانها، في حين يرى الآخرين بمرونة الإنسان وقدرته على التطور والتكيف مع الظروف الجديدة. ومما وجدَ في هذا الجانب، أن أولئك الذين يملكون العقلية الثانية المتمثلة بالقدرة على تحسين الصفات وتجويدها كانوا أكثر قدرة على التطور وتحقيق التغييرات المطلوبة في أسلوبهم.

فمثلاً الاعتقاد المسبق بأنك لا تستطيع الإقلاع عن التدخين، سيعيق فعلاً قدرتك على الإقلاع لو أردت ذلك، أما لو كنت تعتقد بأن كل عادة قابلة للكسر ويمكن إزالتها مع قليل من العزم والإرادة، فإن هذا سيساهم فعلاً في ترجيح الكفة لصالحك أكثر وأكثر. وهذا هو بالضبط مشابه لما يحدث في العملية التعليمية وسجال صعوبة وبطء التعلّم، فالاعتقاد ببطء التعليم وضعف التركيز، سيتركك محصوراً ضمن بطء التعلم وتشتت التركيز!

التوقعات الخيالية جداً جداً!

اكتساب المهارات الجديدة والمجالات المعمّقة لا بد لهُ من بعض الوقت. لربما من لعنة العصر الحديث أن عناوين من نمط "في يوم واحد" وخلال فترة قصيرة، وغيرها مما يكتب عادةً ضمن العناوين، أصبحت توهم القارئ الذي ينشد أن التعلّم، أنّ كل شيء قابل للتعلم والاستيعاب خلال مدة محدودة لا تتجاوز الأسبوع! وهذا خاطئ تماماً! الكثير من الأمور تحتاج لوقت حتى تنضج، فاحرص على ألا تكون توقعاتك خيالية وحالمة جداً!

التعلّم هو عملية طويلة الأمد، قلة هم الذين يجادلون بعكس ذلك، فلا بد للشرنقة أن تخضع لفترة حضانة حتى تنضج وتخرج منها الفراشة، والإنسان الأمر ذاته. ولكي تتأكد من ذلك، بإمكانك سؤال الطلبة القدماء الذين ينخرطون في نفس النشاطات التي تفعلها، واسألهم عن الأوقات والمدة التي كانوا بحاجة إليها وتعلم ما ينبغي تعلمه! خصوصاً أن التعلم من الواجب أن يكون بطيئأً في المراحل البدائية لأنه يكون بمثابة بناء الأساسات الأولية التي سيقع عليها كل شيء فيما بعد! لذلك فإنّ التسرع بتلك العملية سيهدد بنيان العملية كلها بالدمار في حال أي خطأ تراكمي خلال تلك المدة! فاحرص على التوقعات السليمة لا تلك المبالغ بها كثيراً.

للخبرة السابقة دور في سرعة التعلّم

مَن برأيك يمكنه أن يتعلم رياضة التزلج على الجليد بسرعة أكبر. راكب أمواج سابق؟ أم إنسان لم يلعب الرياضة يوماً ما في حياته؟ بالتأكيد راكب الأمواج، وذلك نظراً للخبرة السابقة التي يمتلكها. ويمكن أن نعمم هذا المثال على العملية التعليمية بكاملها، فالإنسان الذي يملك خبرة ولو خارج السياق قليلاً سيكون أسرع من ذلك الذي يكون حديثاً أو بعيداً عن المادة التي ينوي استيعابها.

وهذا ليس شيئاً سيئاً مطلقاً، على العكس فهذا هو هدف التعلم أساساً! الإنسان يتعلم شيء جديد لأنه أساساً لا يعرفه! المهم فقط ألا تكون توقعاته جداً مثالية ويلوم نفسه على كل شيء، حينها سيتحطم من عدة نواحي ويعتقد أنه بطيء أو بليد وأن الآخرين سريعو الفهم والاستيعاب أكثر منه، في حين أنهم من ظروف متباينة وعوامل أخرى لا يستطيع إدراكها!

لو أردنا تكثيف كل النقاط السابقة عن صعوبة وبطء التعلّم فهي أنه لا فرق كبير بين التعلّم بسرعة وبطء، المهم في كل القضية هو أن يكون التعلّم فعّالاً قدر الإمكان، خصوصاً في مرحلة بناء الأساسات وعدم الإلمام المسبق بالمواد المطروحة، حينها من الطبيعي أن يكون التعليم بطيئاً وصعباً ربما، أما لو كانت العوائق ناتجة من ظروف بيئية تقوم بالتشتيت، فلعلَ الخطوات السابقة كانت خير دليل لتفاديها وعلاجها.

اقرأ أيضاً: في طريقهم للأفول.. لماذا سيقل عدد الأساتذة الجامعيين في المستقبل؟