التركيز والحدّة هي الاستثمار الأمثل في جميع الأعمال اليومية، ففي العمل هناك حاجة لهُ، وفي المدرسة لا بد من وجوده، وفي الجامعة لا غنى عنهُ، وفي التواصل الاجتماعي ومختلف العلاقات والمعاملات اليومية لا بد للذهن أن يكون متفتحًا وصاحيًا لا خاملًا ومتقاعسًا وفي تناوب مستمر ما بين الصحو والغفلة.. الغفلة والصحو! لذلك لا بد من الحفاظ على التركيز وزيادة قوّة الانتباه وإيقاظ جذوة النشاط في العقل.

فالأكواب المتلاحقة من الكافيين سواءً كانت قهوة أو شاي أو مشروبات أخرى، قد تفيد في زيادة الطاقة وإنعاش التركيز بشكل لحظي، إلا أن الحاجة ملحة أيضًا لوجود استراتيجية عامة شاملة يمكن تبنيها كنهج حياة يوميّة يُطبق باستمرار وانتظام، لا مجرد مواد وسوائل تدخل للجسم، في محاولة يائسة لوهم الإيقاظ!

لهذا كان لا بد من بضع خطوات تساعد على تحسين التركيز وتزيد من النشاط والانتباه لحدوده القصوى.

1. اسمح لعقلك بالشرود.. أحيانًا!

على عكس السائد، فإن التركيز المبالغ به ينقلب على صاحبهِ وبالًا فيما بعد، لذلك فإنّ السماح بين الفينة والأخرى بشرود الذهن والتجوّل هنا وهناك، يحسن من المسار العام للتركيز ويزيد الإنتاجية فيما بعد كتحصيل حاصل. خصوصًا أن التركيز الشامل لفترات طويلة قد يعطي ثماره في المدى قصير المنظور لكنه مع التكرار يسبب التعب وبالتالي التدني في أداء المهام القادمة وإنجازها بشكل أسوأ من ذي قبل.

لهذا ينصح المختصون في المجال النفسي بأهمية الشرود المنضبط أثناء أداء المهام، واستغلال أوقات الراحة والفاصل في حالة أشبه ما تكون «بأحلام اليقظة» إذ يرتخي فيها الذهن ويسرح بعيدًا عن الإرهاق الشديد الذي كان يفرضه عليه التركيز، وفيما بعد يمكن العودة للعمل بشكل أنشط وأكثر فاعليةً.

2. فترات الراحة مهمة جدًا

لن تحتاج هذه الفقرة إثبات علمي لأن الجميع على دراية بها تحت سلطة الحس العام والتجربة السابقة دون الحاجة للعلماء وتجاربهم، إلا أن التأكيد عليها مرة أخرى ضروري كونها مهمة جدًا في عملية التركيز التي نتحدث عنها. إذ تشير الدراسات أن التركيز يكون على شكل دوائر وليس استمرارية خطية نحو الأمام. بمعنى أنّ الغالبية العظمى من الناس لا يستطيعون التركيز لأكثر من 90 دقيقة دون أخذ 15 دقيقة راحة. فالعملية دائرة من الفترات المتقطعة المتناوبة ما بين التركيز والراحة.

ويشير العلماء لأن أفضل ما يمكن فعله لاستغلال فترة الراحة هو أمر مُعاكس تمامًا لما كنت تفعله وقت التركيز! فبدلًا من الانتقال للتركيز في عمل آخر أثناء فترة الراحة أو إضاعة الوقت في قراءة الرسائل المُجهدة، حاول مثلًا أن تسقي النباتات من حولك أو تسمع لأغنية ما أو ربما تمشي بضع خطوات في المكان الذي أنت فيه.

3. درّب دماغك على التركيز

مما يثير السعادة في النفوس أن بنية الدماغ مرنة، وأنه لو كان الإنسان يعاني من مشاكل متعلقة بالتركيز والانتباه فإن ذلك قابل للحل من خلال تمرين الدماغ على وضعيات أخرى يمكن القيام بها. وذلك من خلال ممارسة بعض التمارين المعززة للانتباه كالألعاب الاستراتيجية والشطرنج وغيرها من الأنشطة التي تعمل على بناء استراتيجيات وتتبّع الخطط، فوفقًا لإحدى الدراسات التي أجريت في عام 2015، فإن أولئك الذين يقضون ربع ساعة في ممارسة هذه التمارين على مدار الأسبوع كانوا ذوي تركيز أفضل من الذين لم يفعلوا.

كما أن هناك بعض التقنيات الأخرى المساعدة في ذلك، كممارسة التأمل والصفاء الذهني لمدة وجيزة تتيح للدماغ ترتيب نفسه وبالتالي الانعكاس على النتائج التي يُخرجها لاحقًا.

4. لا بد مِن ممارسة الرياضة

الدماغ السليم في الجسم السليم، والارتباط بين الناحية الفيزيائية الجسدية والعقلية الإدراكية وثيق جدًا، فإن نشدت الحصول على تركيز أفضل وانتباه متواصل، فلا بد من مراقبة الجسد والمدخلات الفيزيائية التي تفعلها يوميًا وعلى مدار الأسبوع، فإن كان التراخي والتثاقل هو عنوان المرحلة، فلا بد حينها من تغيير هذا النمط والانخراط الجدي في ممارسة الرياضة على اختلاف أنواعها، بدءًا من المشي وحتى تلك الرياضات القاسية التي تتطلب نشاطًا بدنيًا مجهدًا.

ولا يقتصر التحسّن المستمر في التركيز على الشباب فحسب، إذ وجدت إحدى الدراسات أن كبار السن الذين يمارسون الرياضة لحوالي 75 دقيقة في الأسبوع كانوا أفضل تركيزًا وأحسن انتباهًا.

5. مكتب بلا مشتتات!

لزيادة التركيز يكفي للإنسان أن يقوم فقط بالعكس، أي بإنهاء عوامل التشتت التي تعوق التركيز، وليس فقط التركيز على تحسين التركيز نفسه! عندما تقل هذه المشتتات، يصبح مِن الأسهل صبّ الانتباه على المادة المُراد العمل عليها. ولعل من أبرز المشتتات الواجب إزالتها هي تلك الأشياء المتواجدة على الطاولات والمكاتب والتي غالبًا ما تكون غير مرتبة ومتناثرة هنا وهناك. فتخفيض هذه المشتتات أمر مهم. وبالتالي نكون قد قطعنا الطريق على الدماغ -كحرقة استباقية- من النظر إلى ما هو حول المكتب من تلفاز أو ملحقات الأخرى، ليُحصر بذلك التركيز في مجال مُحدد وأكثر دقة.

6. القسط الوافي مِن النوم

استكمالًا لفقرة العقل السليم في الجسم السليم لا بد من التساؤل عن ماهيّة الأشياء التي تجعل من العقل سليمًا وتلك التي لا تجعله كذلك. فإن أردنا تلك الأولى؛ لوجدنا أنّ النوم الكافي والجيد لمدة تقدر بـ 8 ساعات كل يوم من أبرز عوامل السلامة الدماغية، أما تلك التي تضر الدماغ؛ فالحرمان من النوم أو اقتصاره على سويعات قليلة، سيضر بالدماغ والانتباه ويشتت التركيز، وحتى لو شربت أطنانًا من القهوة كل يوم، سيصل الدماغ لمرحلة الانهيار في أي لحظة، كونه لم يحصل على القسط الكافي الذي يحتاجه من النوم.

إضافةً لهذا، تشير الدراسات إلى أن القيلولة خلال النهار تساعد في تجويد عمل الدماغ، إذ تعمل على تحسين الانتباه واستعادة الحيوية والنشاط.

7. كن بطيئًا قدر الإمكان

يتحكم بالدماغ نظامان للتفكير، نظام سريع وآخر بطيء. الأول غالبًا ما يتوافق مع الاستجابات الغريزية للإنسان؛ كالخوف من الأخطار المحدقة به كالمفترسات والقلق، فيعمل على الجري والتفكير بسرعة في محاولة للهرب وتدارك الموقف على أقصى سرعة ممكنة. أما النظام الثاني الحديث فهو البطيء الذي ظهر في الفترات المتأخرة من عمر الجنس البشري؛ وهو المسؤول عن المعالجة البطيئة للأمور التي تتطلب وقتًا للتفكّر والتعقل وليس مجرد حل سريع للواجب المعطى بغية تجنب الأخطار المحدقة وحسب.

ولعل التركيز يعمل على النظام البطيء، بالتالي فإن الوعي باستخدام النظام البطيء أثناء التركيز أفضل ما يمكن فعله حتى يكون التركيز في وضعه الأمثل، فلا بد من إدراك أن التركيز نفسه عملية هادئة وبطيئة لا يمكن أن تحصل على عجل. فلا تسرع كثيرًا بل على العكس، ينبغي أن تكون بطيئًا حتى تصل لأفضل مستوى ممكن من الانتباه المنشود.

اقرأ أيضًا: النوم الجيد والكافي.. أبرز تقنية للتعلّم بعيدًا عن سُبل الدراسة التقليدية!