العلم والمعرفة شيئان جميلان، لكن وضعهما قيد التنفيذ والتطبيق الفعلي سيكون أجمل! فقراءة الأكوام المتكدّسة من كتب التنمية البشرية والمساعدة الذاتية أمر سهل إلى حدٍ كبير، لكن ما هو أفضل من ذلك هم أولئك الذين يترجمون تلك الأقوال النظرية إلى أفعال ملموسة! فصحيح أن المعرفة قوّة، لكن بقاءها ضمن الكتب وعلى الرفوف المتراكم عليها الأتربة هو ضعف! فلا بد من نقل تلك النظريات المثالية لأرض الواقع حتى تكون أكثر فائدةً ونجاعةً. ولا بد من إدراك سُبل كيف تحوّل معرفتك إلى أفعال!

فمن السهل الحديث بالأفكار الجميلة، والأنظمة الصحية الجيدة، والمثل الأخلاقية الرفيعة، لكن المحك ومربط الفرس هو الإنسان الذي ينفذها في يده لا يبقيها كلامًا على لسانه! لأجل هذا، وابتغاءً لتحويل المعرفة إلى أفعال قيد التنفيذ، لدينا بعض النقاط الإرشادية التي تساعد في ذلك وتهدي إلى الطريق.

 

أولًا: نقّح معرفتك جيدًا

للفكرة والمعرفة أهمية كبيرة في عالم اليوم والبارحة والغد أيضًا، إلا أن فعاليتهم القصوى لا تعتمد فقط على التنفيذ وحسب، بل بمدى فعالية هذا التنفيذ وفي أي سياق ومسار قد تم وضعه. فتعلّم المعلومات لمجرد غرض تعلّم المعلومات سيكون أمرًا غير فعال، وعلى العكس فقد يعيقك هذا في بعض الأحيان عن التفكير الإبداعي واجتراح أفكار جديدة كنت تنوي الولوج إليها. فالدماغ المليء بالمعلومات غير ذات النفع قد يؤثر على مختلف مناحي التفكير لديك ويصبح من الصعب تحريره ليكون عنيدًا جدًا حينها.

الفكرة الهامة هنا للتنفيذ الحقيقي للمعرفة هو تنقيحها قدر الإمكان واستخلاص الزبدة والجوهر الذي بالإمكان تطبيقه بشكل فعال وسلس. وليس فقط حشو الدماغ بالمعلومات لمجرد الحشو لا أكثر! حينها ستعرف كيف تحوّل معرفتك إلى أفعال!

ثانيًا: لا تبخس نفسك حقها

لا يمكن للإنسان أن ينتج في الخارج شيئًا قيمًا طالما أن لديه عطب في الداخل! فالخارج ما هو إلا شعاع ينبثق من الداخل وينتج منه بسبب مباشر. ولهذا كان لا بد من معرفة النفس وإعطائها حقها بشكل وافي وعدم إجبارها على الخوض فيما لا تصلح للخوض فيه، حينها من الطبيعي أن تتحطم وألا تعيش في عالم الخيال فحسب، إنما الانفصال التام عن الواقع!

عندما نريد للمعرفة أن تتحول لتنفيذ، لا بد من أن نمر على أنفسنا ونسألها بما تريده حقًا!

ثالثًا: لا مزيد من التسويف

قد تكون "التسويفات" الصغيرة التي تجري بين الفينة والأخرى أمر طبيعي حدوثه، إلا أن التسويف الذي يعيق عن التنفيذ بشكل كامل، أمر سيئ جدًا، وهو مرادف آخر للشلل وعدم إمكانية التنفيذ. فلا بد من فهم التسويف والدوافع التي تسببه. هل هو الخوف من التطبيق؟ الخوف من المجهول؟ عدم الإلمام التام بكامل التفاصيل؟ التراجع بعد الإقدام؟ الكسل فقط ولا شيء آخر؟

يحدث التسويف بشكل طبيعي مع الجميع وقبل بداية مختلف المشاريع، سواءً فيما يتعلق بالعمل أو الدراسة أو المهام المنزلية وأي شيء آخر، لكن في لحظة ما، لا سيما عندما تكون هناك مادة دسمة لا بد من طرحها أمام العلن والإفصاح عنها، يصبح التنفيذ واجبًا أكثر من أي وقت مضى.

رابعًا: الثقة بالنفس ضرورية أيضًا

الخوف من الفشل مثل التسويف تمامًا، قد يحدث في بعض الأوقات، وقد يكون وجوده ضروريًا في الأوقات الأخرى، إلا أن الاستغراق فيه لدرجة الإعاقة وإلغاء المشاريع أو اقتصارها في أفكار الرأس وبناء قصور وقلاع فقط من خيال، فلا بد حينها من مراجعة النفس قليلًا وفهمها، وزيادة الثقة بها. فإن كان الجهل رأس كل الرذائل كما قال أفلاطون فيما مضى، فإن ضعف الثقة بالنفس وعدم التجرؤ على اجتراح الأفكار الجديدة هو رأس كل المثالية والاستغراق في النظريات الحالمة، وعدم اقتراب من أرض الواقع قيد أنملة!

امتلك الثقة وتجرأ على تنفيذ ما تفكّر به! وأدرك تمامًا كيف تحوّل معرفتك إلى أفعال!

خامسًا: لا مناص من إدارة الوقت وتنظيمه

لا مناص من إدارة الوقت وتنظيمه في جميع المشاريع الناجحة، بدءًا من الدراسة والعمل، وحتى إطلاق المشاريع الناشئة والمرحلة التأسيسية، فالتنظيم والانضباط واحترام وجود حيز زمني لكل أمر ينبغي تنفيذه هو رأس كل النجاح الذي ستجنيه في الفترة اللاحقة. وفيما يتعلق بتحويل المعرفة إلى أفعال، فإن التشتت وعدم الانضباط عامل مساعد في ذلك. فمن الطبيعي أن تجد صعوبة في ذلك عندما تملك جدولًا مزدحمًا ورأسًا مشوشًا لا مكان فيه للتفكير بكيفية التنفيذ! 

لذلك أرح عقلك قليلًا، امسك ورقة وقلم، حدد وقتًا وحيزًا زمنيًا لكل شيء، وحاول أن تنفذ حينها.

سادسًا: شارك الآخرين وتنافس معهم!

وجود شريك مساعد مهم في أمرين، الأول هو إعطاء النصيحة وتقييم محايد لما تفعله ومحاولة تقييمك في حالة الاعوجاج وتحفيزك في حالة الابتهاج. الثانية هو الشريك المنافس الذي يدفعك للعمل والمثابرة ويخلق شعلة الحماس المتقدة في داخلك. لذلك لا بد من وجود قرين على عدة جبهات لك، سواءً الداعمة أو المنافسة، لأن بغير وجودهم سيكون الكسل في أوجه وستبقى غالبية الأفكار حبيسة الدماغ والنظريات الحالمة والمثل التي لا يُمكن تطبيقها.

اقرأ أيضًا: في طريقهم للأفول.. لماذا سيقل عدد الأساتذة الجامعيين في المستقبل؟