الجامعة كوجه آخر للحرب.. كيف تنتهي الأبحاث العلمية في المصانع العسكرية؟

الجامعة وجه آخر للحرب: كتب وانفجار
حنان مشقوق
حنان مشقوق

5 د

لطالما أثنينا على العلم والتعليم، وأشدنا بروادهِ من الباحثين والمطورين وغيرهم. فهذه قضية بالكاد يمكن النقاش بها؛ فُطرنا عليها وجُبِلت في قناعاتنا المطلقة وقيمنا الحياتية؛ فالعلم سبيل للتطور. ولا يمكننا أن نتخيل بشكل ما أن الجامعة وأبحاثها قد تكون وجه آخر للحرب! فغالبًا أنت لا تقرأ سطور هذا المقال إلا وكلك امتنان لصنّاع التقنية من أجهزة إلكترونية وحاسوبية، وصولًا إلى شبكات الاتصالات والإنترنت. دعنا من هذا كله ولنحيد في تفكيرنا قليلًا؛ إلى جانب آخر يستوجب منا تفكيرًا مطوّلًا؛ لنفكر سويًا في الحرب الروسية الأوكرانية وحروب أخرى وآلاف الضحايا المكدسين يمينًا وشمالًا.

الآن ووفق منظورك، فقد نقلت تفكيرك من عظمة أشخاص استوجبوا منا احترامًا مبالغًا، نحو آخرين صنعوا حروبًا وقتلوا نفوسًا، ودمروا أحلامًا على طرقات حروبهم. لكن الأمر ليس كذلك! بل إننا نتجه نحو كيان مُشترك؛ وعقول واحدة، نحو علماء وباحثين ورواد مجالات مختلفة!


جامعات بمآرب هجومية.. لا علمية

ربما نعتقد جميعًا أن الهدف الأسمى من التعلم يتلخص في تطوير الكون من حولنا؛ نبدأ رحلة شاقة نحو الوصول إلى قمة المعرفة متسلّحين بقيم ومبادئ تخط انتصارات علمية ورقمية وطبية وفلسفية والعديد غيرها. لكننا لم نتصور أن انتصاراتنا هذه محض خسارات، وأن الانتصارات الحقيقة يحققها أرباب القتال وصنّاع الحروب! وخساراتنا تمسّ حياتنا وأماننا وأحلامنا.

بالنظر إلى اليوم بنظرة واقعية نرى أن الحروب بدأت تلف الكوكب، بالكاد تنتظر إحدى الدول بادرة اختلاف بالرأي لتبدأ بشن هجوم على نظيرتها في الجانب المقابل، تفتح في وجهها النيران، وتطوق حدودها بالمدافع. فكيف وصلنا إلى هنا؟!

من المخيف التفكير في أن كل ما يحدث الآن هو نتاج خطط منظمة جنّدت آلاف العلماء والمتخصصين لتوظيف علومهم ومعارفهم سبيلَ تطوير أسلحة فتاكة تحقق قوة هائلة تسيطر عليها دولة ما لتخوض منافسة "فرد العضلات" أمام الدول الأخرى. لكن كيف؟

ذو صلة

تشير العديد من الدراسات إلى تجنيد القوى الكبرى لطلبة الجامعات نحو تعلم التقانة والابتكارات العسكرية لتوظيف خبراتهم في بناء جيوش من الأسلحة والاختراعات التي تساهم في دفع عجلة التطور العسكري وبسط الهيمنة على العالم. كل ذلك عبر شراكات بحثية بين مصانع الأسلحة والجامعات "مصانع المسلِحين".


الحرية الأكاديمية في خطر!

بالرغم من التأكيد على أهمية الحرية الأكاديمية، إلا أن التوجهات الحالية تخلّ بقوانينها، وتحشد آلاف الأبحاث الأكاديمية لخدمة توجهات عسكرية. إذ تتجه العديد من المؤسسات العسكرية ومصانع الأسلحة إلى تمويل الأبحاث الجامعية لخدمة مصالحها القتالية.

تعتمد حاليًا العديد من جامعات الولايات المتحدة الكبرى على تمويل مباشر من البنتاغون، وبخاصة تخصصات STEM القائمة على الهندسة والرياضيات والعلوم والتكنولوجيا. وهو الأمر الذي لا يقتصر على الجامعات الأمريكية فقط، بل يطوق نطاق مختلف الجامعات العالمية.

ويزداد اليوم احتمال توجيه البحوث الأكاديمية نحو أهداف عسكرية نظرًا لزيادة ميزانية الدفاع وثروة مصنعي الأسلحة حول العالم. وبخاصة كون العديد من الدول كأستراليا تخطط لأكبر عملية بناء دفاعي منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يستدعي شراكات بحثية بين الجامعات والصناعات الدفاعية تتعارض مع مبادئ الحرية الأكاديمية.

وبالتوجه نحو أستراليا بشكل محدد، فقد التزمت الحكومة منذ العام 2016 بزيادة ميزانية الدفاع بنسبة 81% على مدى عقد من الزمن؛ بالإضافة إلى تجنيد 4400 موظف جديد في قوات الدفاع الأسترالية؛ واستثمار ما يقدر بقيمة 3.8 مليار دولار في صناعة الأسلحة؛ في سعيها لتصبح أستراليا واحدةً من أكبر عشر دول مصدرة للأسلحة عالميًا. وتتطلب هذه الخطة خريجين يتمتعون بالمهارات اللازمة لتنمية واستدامة الصناعة العسكرية وصناعة الأسلحة؛ لتساهم بحوثهم العلمية في تطوير التقنيات العسكرية بشدة.


شراكات تدّعي الأكاديمية.. ليظهر حينها أن الجامعة وجه آخر للحرب!

فقد أعلنت جامعة ملبورن في العام 2017 عن شراكة بحثية بين معهد الدفاع وشركة لوكهيد مارتن التي تعتبر أكبر مصنع للأسلحة في العالم؛ لتنشئ الجامعة على إثر هذه الشراكة مركزًا مشتركًا للبحوث بجوار الحرم الجامعي مثّل أول مركز أبحاث تابع لشركة لوكهيد مارتن خارج الولايات المتحدة الأمريكية.

أما عن منحى الشراكة، فيقوم على تقديم المركز لمجموعة من المنح الدراسية للدكتوراه، وتدريبات داخلية، مع تمويل ضخم للمشاريع البحثية. لتوقّع ملبورن بعدها بأسبوعين فقط اتفاقية مماثلة مع شركة تصنيع الأسلحة البريطانية BAE Systems.

لم تكن الشراكتان السابقتان الوحيدتين المعلن عنهما في الجامعات الغربية، بل أعلنت كلٌّ من جامعة أديلايد وجامعة فليندرز وجامعة جنوب أستراليا عن تمويل أبحاثها العسكرية من قبل شركة BAE Systems، بهدف إنشاء مزيد من دورات التدريب الدفاعية والبحث العسكري.

كما تشارك قرابة 32 جامعة أسترالية في برنامج شراكات العلوم الدفاعية، الذي يهدف إلى تحقيق المزيد من الشراكات بين القطاع الجامعي البحثي والقطاع العسكري الدفاعي؛ ليشكلا تلاحمًا فريدًا يظلل العالم بدمار القوى العسكرية المخيف.


قضايا أخلاقية تنتهك السلام العالمي.. هل يبيع العلم نفسه للقوة؟

بالرغم من السطوة العسكرية المُسيطرة على الساحة العامة، إلا أن الأنظار مؤخرًا بدأت تتجه حولهم، ولا تفتأ مقصات الاتهامات تفتت أوراق خططهم. فالقضايا الأخلاقية التي تثيرها هذه الشركات وتهديدها لمنحى التعليم الجامعي، بات محور اهتمام عالمي؛ وبدأت الخطط تتكشف واحدة تلو الأخرى.

ففي الماضي، واجهت شركة لوكهيد مارتن مزاعم بالفساد نتيجة للضغط السياسي الواقع على الولايات المتحدة؛ ليتكشف عن تنسيق كبير لبرامج رشوة ومخالفات حول بيع الشركة لأسلحتها لمَن لا يستحقها وينتهك القوانين الدوليّة. لتليها شركة BAE التي واجهت اتهامات شبيهة بتلك السابقة.

وتتعرض الآن كلتا الشركتين لحظر قاطع وفق معاهدة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة النووية؛ في حين تسحب العديد من المؤسسات المالية استثماراتها من هذه الشركات وغيرها من مصنعي الأسلحة؛ وخاصة بعد إعلان مؤسسة السلام العالمي ومعهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام عن تفشي الرشوة والاحتيالات في عمليات تجارة الأسلحة التي تجرى بالخفاء بين المصانع العسكرية والأنظمة القمعية المختلفة، مما ينشئ دعائم حروب تودي يوميًا بحياة آلاف الأبرياء.

وهو الأمر الذي دفع بدوره بعضًا من الجامعات إلى فض الشراكات المقامة مع هذه الشركات؛ لتعلن عن بداية عهد تعليمي لا يشوبه تطوير عسكري.


دماؤنا ثمن لعلومهم

من وجهة نظر بعيدة المنحى عن الشركات، ربما يمكن القول إن تجنيد هذه العقول الخبيرة لتصنيع أسلحة تودي بحياة آلاف الأبرياء يحمِّل الجامعات عبئًا كبيرًا. لتصبح بذلك المؤسسة العريقة المعرفة بالجامعة وجهًا آخر للحرب. فكل منهم ملام… وكل منهم مذنب. بدلًا من رسم خطط سلام، تبحث عن الحصول على الأموال بشتى الطرق، فتوقّع صفقات جميعنا أطراف فيها. طرف يحصد عقولًا يوظفها في صناعاته وحروبه، وطرف يحصد أموالًا طائلة ودعمًا مستمرًا، أما الطرف الأخير فنصيبه الأوفر من الصفقة، فهو ذاك الجانب الذي يحصد آلامًا ومعارك وحروبًا وقتلى وضحايا، آثامًا وأحزانًا، أحلامًا مدفونة وعلومًا يهاب استخدامها.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة