كبرت ونسيت أن أنسى. نسيت أن أنسى كيف كان الأولاد يسخرون منّا نحن الفتيات قصيرات القامة في المدارس ونسيت أن أنسى كيف كان هؤلاء الأولاد أنفسهم يحوّلون ساحة المعهد إلى حلبة صراع وأرض حروب. نسيت أن أنسى عصا المعلّم وصراخ الأستاذة وتنمّر الإطار الإداري للإعدادية. كبرت ولكنّ النسيان قد خذلني وتركني فريسةً سهلةً لذكريات العنف في مدارسنا.

كان العنف وما زال ينخر المدارس ويجلس حذونا في مقاعد الدراسة. يصفعنا ويؤلمنا ويسخر منّا ويضعف مجتمعاتنا حتّى أفقنا منذ أيام في تونس على خبر طعن تلميذ لأستاذه بسكّين خلال حصّة الدرس. تلت هذه الحادثة المريرة إضرابات ووقفات احتجاجية تندد بالعنف في المدارس وصحبته صورٌ وفيديوهات لتلاميذ قرروا أن يبددوا ظلمة الحادثة ويستبدلوها بأجواء يسيطر عليها الحبّ والدفء الإنساني.

لكن لم كلّ هذا العنف في قاعات ظننا أنّها ستنشر المحبة وتدعم الإنساني الجميل مقابل ردع اللاإنساني البشع؟ لم استحالت مدارسنا ومعاهدنا مراكز شرطة يعنّف فيها الموقوفون ويسلبون حقوقهم؟ هل سنصير محكومين بمشاهدة صور العنف صباح مساء وقبل الصباح وبعد المساء ويوم الأحد؟

العنف.. بين العوامل النفسية والظروف الخارجية

لا يقف العنف حصرًا عند الضرب والسبّ والتهديد بل تتوسّع دائرته ليضمّ في تعريفه كل ما ينجر عنه إلحاق أذى نفسي أو جسدي بالآخر أو بالنفس بصفة متعمدة وذلك باعتماد القوّة والإكراه. فالزوج الذي يجبر زوجته على مضاجعته معنِّف والمعلّم الذي يسخر من تلميذه ويقلل من شأنه ويحتقره معنّف وصاحب الشركة الذي يأكل أموال عمّاله معنّف كذلك. الإكراه والإجبار والتحرش الجنسي والتمييز العنصري عزيزي القارئ عنف وجرم في حقّ الغير.

يقول سارتر: “لا يوجد شهود على العنف، بل شركاء فيه” ونحن شهود عليه وشركاء فيه، إذ نراه يطرق أبوابنا ثم يدفعها ويدخل بيوتنا ويهدد مدارسنا دون أن نحرّك ساكنًا. نرى تلاميذ يتشاجرون أمام المعاهد فنلتزم الصمت خوفًا من الضرب والشتم وتعترضنا في القسم معلّمة تهزأ من تلميذة صغيرة لأن شعرها مجعّد فنسكت ونواصل التركيز على دراسة النصّ. نحفظ عن ظهر قلب شعرًا يتغنّى بالجمال في صورة واحدة وحيدة وينبذ كل مظاهر الاختلاف ونردده حتى نطبّع معه ونقبل به وكأن رفض الاختلاف ليس عنفًا.

ليس العنف بظاهرة غريبة عن عالمٍ يعلو فيه صوت قرع طبول الحرب ويركب فيه مواطنون زوارق الموت بينما يموت آخرون تحت أقدام أعوان الشرطة، ويسخر فيه روّاد مواقع التواصل الاجتماعي من لاعبة كرة قدم. يزرع فينا هذا العنف منذ نعومة أظافرنا ثمّ نحمله في جيوب ميدعاتنا وحقائبنا إلى المدرسة حيث تفيض رؤوسنا بمعلومات لا تعني شيئًا في مدرسة الحياة، ويحلّ الرعب والفردانية محلّ الألفة والتعاون فنخرج منها ناقمين وندخل إليها خائفين ومترددين.

اقرأ أيضًا: أكذوبة الدرجات النهائية والمركز الأول وتأثيرها على الطفل

التنمر في المدارس الأمريكية تبعاً لتدرّج الصفوف.

أطفال بنفسيات متباينة يزجّون في أبنية لا مكان فيها للإحاطة النفسية والاجتماعية، تُمارس عليهم العقوبات ويأطرهم أستاذ صار كهلًا معنِّفًا بعد أن كان على الأغلب طفلًا معنَّفًا. هكذا هو العنف، حركة دائرية لا نهاية لها ولا بداية. ننخرط فيها ولا نخرج منها إلّا إن أردنا ذلك بشدّة. تقول دراسة أمريكية غطت الفترة الزمنية المتراوحة بين سنتي 2005 و2007 إن 28% من الأطفال المرسمين بالصف 6 – 12 قد تعرضّوا إلى التنمّر في المؤسسات التربوية الأمريكية في حين يعترف 70% من المراهقين والشباب أنهم قد شهدوا هذه الظاهرة في معاهدهم ومدارسهم وجامعاتهم مرةً على الأقل. أكان من الأفضل العيش على طريقة بطل فيلم Captain Fantastic وإنقاذ أطفالنا من المدارس أم أن علينا أن ننقذ مدارسنا تلك من عنف الإنسان وبطشه؟

فيلم Captain Fantastic

النتائج: قطيعة بين الأستاذ والتلميذ وعنف يتضاعف كل يوم

ليلنا طويل وسجننا بات فينا وخارجنا. لم نعد نجد مرفأ نرتاح فيه من الكلام البذيء والضرب المبرح والسخرية والصراخ ولم نعد قادرين حتّى على تصديق المربّي أو التلميذ. تلاشت ثقتنا في المؤسسة التعليمية واتجه الكون إلى التعليم الخاص ظنًا منه أن هذا الأخير سيأخذ منه المال ويعطيه صفاء الذهن وراحة البال وقبول الاختلاف. تضاعف العنف في القاعات وفشلت الدروس في تهذيب النفوس وفي تكريس مبادئ صار الحديث عنها ضربًا من ضروب الخيال. كما تضاعفت الأمراض النفسية والبيولوجية وصرنا نرى أحلامًا معلّقة في السماء بانتحار صغارٍ عانوا الأمرّين في المدارس وفقدوا حبهم للحياة.

أشارت دراسة شملت 80 متعلمًا و20 مدرسًا مقسمين إلى أربع مدارس في جنوب إفريقيا إلى نتائج العنف المسلّط على المتعلم في هذه المدارس، فوجدت أن 63.3% منهم كانوا يعانون من صعوبات ونقص في التركيز وأن 72.2% كانوا يعانون من الاكتئاب، وهي أرقام ضخمة تمثّل صيحة فزع في وجه كلّ من تجاهل أزمة التعليم في العالم. لكن الأستاذ ليس دائمًا جلادًا فهو ضحيّة لسياسات أكبر وبرامج أوسع. في هذا السياق، كتبت أستاذة فرنسية الجنسية تدعى ماريون أرمانغود كتابًا بعنوان “لقد قتلوا المدرسة” أو بلغته الأصلية “ils ont tué l’école“، تحدثت فيه عن الراتب القليل والمحبط للأساتذة والمعلمين بعد 5 أعوام من الدراسة الجامعية وعشرات الساعات من العمل المتواصل وعن انعدام التكوين المستمر لهم وغياب الإحاطة النفسية كذلك.

اقرأ أيضًا: في طريقهم للأفول.. لماذا سيقل عدد الأساتذة الجامعيين في المستقبل؟

دراسة جنوب أفريقية توضّح تأثيرات العنف على الطلاب.

لا شيء يتغيّر في المدارس. نغيّر ثيابنا ونعدّ حقائبنا ونركض نحوها لنكون ما نحن عليه في العائلة وما كان عليه آباؤنا في العمل وفي المطاعم والمقاهي والحانات. نحمل العنف الذي كبر فينا إلى مؤسسات كان عليها أن تساعدنا نسبيًا على التخلّص من هذه العادات السيّئة. نمارسه هنا وهناك حتى نتحول إلى الوحوش التي كانت تسكن كوابيسنا ثم نعود ليمارس علينا خلف قضبان البيوت والغرف. ولئن كانت القوّة والسلطويّة والعنف غرائز متجذرة في نفوسنا ومخزوننا الجيني، فإن التنظيم المجتمعي والأخلاقي اليوم لا يقبل نظريًا هذا العنف بالرغم من أنه يشرّع له عند الدولة وأجهزتها ويمارسه كانعكاس لنا فيستبيح دم الضعيف ويحترم بطش القوي.

اقرأ أيضًا: «حلمي دراسة الطب».. براءة طفوليّة أم استبداد الآباء باختيارات أبنائهم؟