الامتحانات
0

كنت في الصف الثالث الثانوي عندما سمعت لأول مرة معلم اللغة العربية يؤكد علينا قراءة رأس السؤال بطريقة دقيقة جدًا وحكى لنا عن الطالبة التي كانت تكبرنا بعام واحد وكانت من المتميزين وكيف ضاعت منها الكثير من الدرجات بسبب قراءتها بداية السؤال بطريقة خاطئة. كان السائد وقتها أن يوضع امتحان اللغة العربية لقسم النصوص الأدبية بثلاثة أسئلة يكون الأول منها إجباريًا، فكان يُكتب في ورقة الأسئلة “أجب على سؤالين من الثلاثة أسئلة التالية على أن يكون التالي منهما” الواقعة التي حكى عنها المعلم قرر واضع الامتحان فيها أن يعبر عن كونه ليس كغيره وأن امتحانًا هو واضعه لن يمر مرور الكرام وغير صيغة السؤال للتالي “أجب على سؤالين من الأسئلة الثلاثة التالية على أن يكون الثاني منهما” بالطبع لم ينتبه معظم الطلاب في حينها وضاعت درجات السؤال الإجباري على معظم الطلاب الذين لم يختاروا الإجابة عليه. هنا يجب أن نسأل بوضوح على أي أساس يتم اختيار المعلم الذي يضع الاختبارات ولم يلجأ بعض المعلمين إلى أسئلة لا تختبر الطالب بأي شيء وما هي الأسس التي يجب الالتزام بها عند وضع الامتحانات؟ في السطور القادمة نحاول الإجابة على تلك التساؤلات.

هل يختار المعلم عمله أم أنه يفرض عليه؟

لا شك أن مهنة التدريس هي من أعظم المهن، فهي المسؤولة الأولى عن كل ما يتلقاه المرء في حياته بداية من تعلمه الكتابة والقراءة إلى التدريس بالكليات والجامعات في كل مناحي الحياة، هذا الأمر انتبهت له بعض الدول كألمانيا عندما قررت أن تضع في ميزانيتها العامة أعلى الأجور للمعلمين معللة السبب بأنه لا يمكن للمعلم أن يتساوى بالقاضي والطبيب والمحامي فكيف يتساوون مع من علموهم؟

لكن يبقى السؤال هل هذا يحدث في الدول العربية؟ للأسف لا بالتأكيد، ففي دولة كجمهورية مصر العربية التي تعتبر من أكبر الدول العربية وأهمها، لا تجد من يختار مهنته فالأمر متروك لمكتب التنسيق الذي يدخله الجميع رغمًا عنه بعد امتحانات الثانوية العامة ليختار بالنيابة عنا جميعًا ما يؤهله لنا الدرجات التي حصلنا عليها، وعليه فيمكن لمن اراد أن يكون طبيبًا أن يدخل كلية التربية ليصير معلم، ومن المحتمل أن يصبح من تمنى أن يكون عسكريًا كلية التربية أيضًا، ويأتي للحياة العملية معلم لم يفكر يومًا بالتدريس كمهنة له. قد يرى البعض هنا أنه ما دام الجميع مصاب بتلك اللعنة -لعنة مكتب التنسيق- فلم ذلك الندب على المعلمين تحديدًا؟ الإجابة ببساطة لخطورة وأهمية دور المعلم، المعلم الذي يعتبر المسؤول الأول بعد الأم والأب في تأسيس شخصية الطفل والمؤثر الأول الخارجي في عالمه لا يمكن مقارنته بغيره من المهن مع كامل التقدير لجميع المهن لكن التدريس هو المهنة الوحيدة التي تتصل اتصالًا واضحًا ومباشرًا بعقل الإنسان الذي يعتبر أقيم ما في الوجود.

الامتحانات وسيلة لتقييم الطالب أم تقييم المعلم؟

الامتحانات هي إحدى وسائل التفاعل بين المعلم والطالب داخل العملية التعليمية، وتعتبر المرحلة الأخيرة في التقييم، فالبداية دائمًا عندما يقوم المعلم بشرح المعلومة للطلاب بأكثر من صيغة حتى يتمكن جميع الطلاب وباختلاف مهاراتهم وقدراتهم التحصيلية على استيعاب المعلومة ثم فتح المناقشة والأسئلة ثم الامتحانات بالنهاية. لذا فللامتحانات وحدها القول الفصل في معرفة نسبة نجاح العملية التعليمية.

اقرأ أيضًا: أكذوبة الدرجات النهائية والمركز الأول وتأثيرها على الطفل

من المسؤول عن نجاح العملية التعليمية؟

بدون تردد، الطالب والمعلم. المعلم المتيبس في أفكاره وطريقة طرحه للأفكار دون مراعاة لتغير الأجيال وتغير المعطيات من حولهم سيتسبب في فشل العملية التعليمية، والطالب المستهتر الذي لا يعبأ بدروسه سيتسبب في خلل العملية التعليمية أيضًا. لذا فإن الامتحانات هي التقييم الفعلي لأداء الطالب والمعلم، المعلم في طريقة شرحه للمعلومة، والطالب في مدى التزامه بالمذاكرة.

بعض الآراء التربوية في فكرة الامتحانات

يرى بعض التربويين أن فكرة الامتحان الموحد عليها الكثير من المأخذ من أهمها أن الامتحان الموحد يضع جميع الطلاب على خط واحد دون وضع الفروق الفردية في الاعتبار، وعليه نصح الكثير من التربويين بتقسيم الطلاب ووضع امتحان مناسب لكل قسم حيث يحتوي القسم على عدد من الطلاب المتقاربين في مدى الإدراك والاستيعاب والاهتمام.

لماذا يلجأ بعض المعلمين للخدع عند وضع الامتحانات؟

كما أوضحنا سالفًا بأنه لا فائدة من وضع الامتحانات سوى تقييم مدى استيعاب الطالب للمعلومة ومدى استذكاره لها ومعرفة قدرته على حفظ المعلومة واستدعائها من الذاكرة عند الحاجة لذلك. من المقبول أن توضع بعض أسئلة الامتحانات بصورة غير تقليدية وغير مباشرة لمعرفة قدرة الطالب على تدوير المعلومة وإعادة صياغتها عندما يطلب منه ذلك، لكن من غير المفهوم ولا المقبول أن نختبر الطالب فيما هو ليس مجالًا للاختبار بالأساس ولا يفيد من الغرض الأساسي لوضع الامتحانات.
لذا فإن تلك الخدع لا ترتبط بأي رابط بالطالب وإنما ترتبط بالمعلم الذي من المحتمل أنه يفعل ذلك إما لجهل أو لاضطرابات نفسية.
الجهل بالمقصود المباشر من الامتحانات يجعل المعلم في حالة تخبط عندما يُطلب منه وضع الأسئلة.
الاضطرابات التي تصيب المعلم كما تصيب كل البشر يمكنها أن تجعله يتصرف بغرابة عند وضع الامتحانات، فبعض المعلمين يجد متعة عندما يضع امتحانًا لا يستطيع أحد أن يفهم أسئلته، والبعض يشعر بإرضاء لغروره عندما يخدع الطلاب في رأس سؤال ليجيب بالخطأ، ليقف الجميع مذهولًا من النتيجة الحادثة بعد امتحان لم يختبر الطلبة في المعلومات التي تم تدريسها لهم.

0

شاركنا رأيك حول "خدع الامتحانات هل تفيد الطالب أم أنها ترضي غرور المعلم؟"