لماذا نفشل دائماً في التعامل مع الأطفال؟

1

الأطفال كائنات بسيطة ورقيقة للغاية، لكن عند التعامل معهم يكون الأمر أكثر تعقيداً.. نبذل الكثير من الجهد حتى ينشئوا بطريقة معيّنة ونُفاجئ بالعكس تماماً.. نلحقهم بأفضل المدارس، ولا يتعلمون شيئاً.. نوجههم للصواب فيتعمدون الخطأ.. هل يحبون إيذاء أنفسهم مثلًا؟ أم أن المشكلة فينا نحن الكِبار؟

المشكلة مشكلة تواصل، لكن هذا الإنسان الصغير له طبيعة خاصة جداً، تختلف كليًا عن الطريقة التي نفكّر بها نحن الكبار. إذا أردت أن تعرف لماذا لا يستجيب الطفل لنصائحك أو لماذا لا يحب المذاكرة ولماذا يكتسب بعض العادات السيئة رغم توجيهاتك السليمة.. فأنت بحاجة لفهم الكثير عن طبيعة الطفل أولًا.

كيف يتعلّم الأطفال أي شيء؟

تعليم الأطفال3

عقل الطفل عقل ماص، يمتص كل شيء من البيئة المحيطة به لا إراديًا، مثل لغة ولهجة والديه وسلوكهم وطباعهم. فلا تنتظر من الطفل أن يكون منظمًا وهو يعيش في بيئة فوضوية، بل هيئ له بيئة منظمة أولًا وسيعتاد عليها وتصبح جزءً من طبيعته. ولا تعاقب الطفل على طريقة الكلام غير اللائقة وكل من حوله يفعلون ذلك، فالطفل يتأثر ببيئته حتى قبل أن يولد.

في الأسابيع الأخيرة من الحمل يستطيع الطفل التقاط الكلمات من العالم الخارجي. وفي تجربة طريفة أجراها علماء من أمريكا والسويد وفنلندا؛ طُلب من بعض الأمهات، أن يُسمعوا أطفالهم كلمات معينة بانتظام، وبعد الولادة أجرى العلماء فحصوات لأدمغة الأطفال وهم يستمعون للكلمات نفسها، ليجدوا أنهم يتذكرون هذه الكلمات ويستطيعون التعرف عليها. ولذلك سينصحك خبراء التربية بأن تكون حريصًا على الألفاظ وطريقة الكلام أمام المرأة الحامل، لأن هناك كائناً صغيراً يسمع ويتلقط هذه الألفاظ، دون أن تشعر.

بيئة الطفل هي أول مُعلم له، وينشأ الطفل ليكون انعكاسًا لها بما فيها من إيجابيات وسلبيات.


لماذا يكره الأطفال التعليم؟

تعليم الأطفال6

طرق التعليم سواء في البيت أو المدرسة لا تناسب طبيعة الطفل. أعطِ طفلًا لُعبة وستجده يحاول استكشافها وفكّها وتركيبها، ليرى كيف تعمل وكيف تتحرك ومما تتكون. الطفل لا يعبث ولا يريد إفساد الأشياء بل هذه هي الطريقة التي يتعلّم بها الطفل.. الاستكشاف وليس الحفظ والتلقين.

مثالٌ آخر، نحن الآن نستغرب كثيراً من قدرة الأطفال على استخدام التكنولوجيا.. الهواتف والتعامل مع الإنترنت والبحث على جوجل، وحتى فيس بوك، وهم بارعون في ذلك جداً. هل تعلموا ذلك في المدرسة؟ أم بشغفهم في الاستكشاف وتجريب الأشياء؟

المدارس في الدول المتقدمة فهمت هذا المبدأ واستطاعت استغلاله جيداً، فهي تعطي اهتماماً كبيراً جداً للأنشطة التعليمية أكثر مما تعطيه للواجبات والامتحانات.

وتقول الطبيبة الإيطالية والخبيرة التربوية ماريا مونتيسوري، أن الطفل يولد ولديه شغف للتعلم – التعلم بمعناه الأشمل من الذهاب للمدرسة – وهو يتعلم بحواسه وبالتجريب والأنشطة أكثر مما يتعلمه من الحفظ.


لا يولد الطفل صفحة بيضاء

Child doing homework. Sad girl writing, reeding

يتأثر الطفل بكل صغيرة وكبيرة في البيئة المحيطة، تضيف إلى شخصيته وتُشكلها، فهو يمتصّ من حوله القيم الأخلاقية أو حب الجمال أو تقدير العلم أو الاعتماد على النفس، أو كما يقول التربويون: “الطفل ابنُ بيئته”.

لكن كل طفل أيضاً يولد ولديه طباع وميول تختلف من شخص لآخر. أحد الأطفال قد يُظهِر حباً للغناء، طفل آخر قد يُحبّ الكرة، طفل ثالث قد تكون موهبته في الحديث ويصبح مشروع مذيع أو محاضر ناجح، رابع قد يحب اللغات ويصبح من هؤلاء الذين يتكلمون عشرة لغات في نفس الوقت، وهكذا.

وإذا توفرت للطفل البيئة الصديقة التي تُنمّي هذه الموهبة سيستطيع بسهولة عندما يكبر أن يعرف هدفه في الحياة. والعكس صحيح إذا لم يتعرّض الطفل لتجارب عديدة يستطيع منها أن يحدد ماذا يحب أكثر.

تقول الدراسات التربوية أن الطفل الصغير يحمل في داخله الشخص الذي سيكون عليه عندما يكبر. وكشف أحد الأبحاث لجامعة كاليفورنيا أن الأطفال الذين كانوا متحدثين جيدين في سن سبع سنوات، أصبحوا بالفعل أشخاصاً يتميزون بالحديث بطلاقة والكاريزما. أما الأطفال الذين لم يتمتعوا بطلاقة الحديث، أصبحوا أقل اجتماعية وأكثر ميلًا للاعتماد على الآخرين.

ببساطة لا يجب أن يكون الطفل متفوقاً في جميع الأشياء أو المواد الدراسية، دور الأهل هو اكتشاف ميوله وتنميتها، بدلاً من أن يفرضوا عليه أشياء لا يحبها ويتفاجؤون بأنه لا يستجيب لهم ثم يصفونه بالفشل!


لماذا لا يسمعون الكلام؟

تعليم الأطفال 4

هذا السؤال الذي يسأله كل الآباء والمدرسين لأنفسهم، لماذا لا يستجيب الأطفال لتوجيهات الكبار، هل المشكلة في الأطفال أنفسهم، أم في الطريقة التي يتلقون بها هذه التوجيهات؟

تقول الخبيرة التربوية جانيت لانسبري في مدونتها، أن الأطفال منذ ولادتهم وهم يحاولون فهم آبائهم وطريقة كلامهم وحتى كلامهم غير المنطوق، وفي الغالب يعرفون جيداً ما يريده آبائهم لكنهم يختارون أن يفعلوا العكس تماماً.. لعدة أسباب، وهي:

  • من الناحية النفسية، يحتاج الطفل مثل الكبار تماماً أن يشعر بالحب والتقدير، فلن يسمع الكلام إذا شعر أنه مثل العقاب أو التهديد، فتوجيهات الآباء غالباً ما تكون مُحمّلة بجرعة من الغضب والإحباط؛ فيلجأ اطفل للمقاومة والتمرّد لأنه يشعر بالخوف وعدم الحب. الطفل في هذه اللحظة يريد المساعدة لا اللوم، وهو بهذا السلوكه يرسل لك رسالة اعتراض خفية، وكأنه يقول لك كن لطيفاً معي ولا تجعلني أخاف منك حتى أسمع الكلام! المزيد من الصراخ في وجه الطفل قد يجعله يطيعك خوفاً في بعض الأحيان وليس كلها.. لكنه حتماً سيدمّر علاقتك به، وثقته في حبك له وشعوره بالأمان معك.
  • بالنسبة للأطفال الصغار فالكلمات لا تكفي حتى يفهموا ما تطلبه منهم، إذا كنت تتعامل مع طفل في عمر العام ورأيته يعبث بشي وطلبت منه مرة واثنين أن يتوقف ولم يفعل، فهو لا يعاندك لأنه يريد إغاظتك، ولكنه فقط لا يفهم ما تقوله. أنت تحدثه بكلام لا يستطيع عقله الصغير استيعاب معناه مثلك، ولذلك سينفجر في البكاء إذا أوقفته رغماً عنه لأنه سيرى أنك تؤذيه بلا سبب!

تعليم الأطفال7

  • قد يكون لدى الطفل شيء أفضل ليفعله لكنك لا تفهم شخصيته جيداً. على سبيل المثال لا تطلب من طفل كثير الحركة أن يجلس هادئًا طوال الوقت، استغلّ نشاطه الزائد في لعبة رياضية مثلاً أو أن يساعدك في بعض الأعمال.
  • لا أحد يريد أن يكون محاطًا بالأوامر طوال الوقت، فالطفل يولد ولديه رغبه في استكشاف كل ما حوله، ويريد مساحة من الحرية ليلعب ويستكشف ويفهم الأشياء. كثرة الأوامر والنواهي تصيب الطفل بالإحباط وتجعله إما طفلًا انطوائيًا يخاف من فعل أي شيء، أو طفلًا شديد العند والتمرّد يرهقك كثيراً جداً. ستنصحك جانيت في هذه الحالة بأن توازن بين التوجيه السليم وإعطاء مساحة من الحرية للطفل لتنمو شخصيته ويستطيع الاعتماد على نفسه دون توجيهاتك.
  • الإقناع! نعم، يحتاج الطفل للهدوء والنقاش وأن تقنعه بما تريده أن يفعل، علماء النفس يقولون أن الطفل يفهم مشاعر والديه منذ ولادته، والطفل الرضيع يشعر إذا كانت والدته سعيدة أو حزينة. إذا لم تكن مقتنعًأ بما تقوله للطفل ولم يشعر بجديتك، فسيأخذ الأمر كأنه مزاحًا، المعادلة الصعبة هي أن توازن بين إظهار الحب والحزم في نفس الوقت!

وأخيراً التعامل مع الأطفال ليس كالتعامل مع أي إنسان آخر، هم كائنات من نوع خاص، يحتاجون لمعاملة خاصة ولفهم لطبيعة تكوينهم وطريقة تفكيرهم، والتي تختلف تماماً عن عالم الكِبار.


 المصادر 1 | 2
1

شاركنا رأيك حول "لماذا نفشل دائماً في التعامل مع الأطفال؟"

  1. アラビア パレスチナ

    مقال جميل و به بعض النواحي الجيدة المدروسة نفسياً . لديَ طلب هل بالامكان طباعة النص و توزيعه مجاناً ، في اطار الحفاظ على نفسية الطفل و السعي الى حل مشاكله النفسية قبل بدايتها ( وقاية ) .

أضف تعليقًا