0

يندب الكثير من المحسوبين على المجتمع الأكاديمي وغيرهم من المثقفين العُتاة فيما يفعلون، حظهم لأن الناس بشكلٍ عام والطلاب بشكلٍ خاص يستخدمون ويكيبيديا كمصدر عند الرجوع لمرجع ما يبتغون النهل منه. مع العلم أن الموقع يحوي كمًا كبيرًا من التنسيق والترجمة التي تجعل منهُ بيئة خصبة للاستشهاد ولو بشكل بسيط. إلا أن خاصية التحرير وقدرة أي أحد على التعديل فيه، قد تشكل عثرة يتحوّط بها الكثير مِن الولوج في مجتمع ويكيبيديا. ويكون ذلك خصوصًا في صفحات بعض الشخصيات الجدليّة من المشاهير الذين يكرههم الجمهور، فتجدونهم حينها يدخلون بشكل مستمر لتلك الصفحات ويحاولون تعديلها وتخريبها، لكون تلك الشخصيات لا تلقى القبول الواسع لديهم.

على الرغم من كل تلك الانتقادات التي تشاع عن ويكيبيديا، إلا أنها منصة مهمة جدًا، وتساهم بشكل ما في عملية «محو الأميّة» لأولئك الذين يريدون الاطلاع على موضوع ما خصوصًا للمرة الأولى. بالتالي، قد تشكل هذه المنصة منجم ذهبٍ لأولئك الذين يحتاجونها، إلا أنه من غير المنطقي والسليم، التسليم لها بشكل كامل وعدم إخضاعها لغربال النقد والفلترة!

لذلك، كان لا بد من نقاطٍ سريعة قد تفيد الإنسان الباحث بشكل عام، والطالب بشكل خاص، لاستخدام ويكيبيديا بطريقة سليمة تحقق له الاستفادة المثلى.

أولًا: لا تستخدم ويكيبيديا لمجرّد أنها الخيار الأول أمامك!

عندما يطرق الطالب على لوحة المفاتيح ضمن خانة البحث في جوجل، لا بد من أن النتيجة الأولى التي ستظهر على ارتباط وثيق مع الخطوة التالية التي سيفعلها؛ ألا وهي النقر والدخول إلى الرابط الموجود. إلا أن ترتيب النتيجة لتكون الأولى قد لا يعني المصداقية أبدًا. ويكيبيديا مصدر مهم بلا شك، لكن على الأقل ينبغي أن يكون هناك متابعة لعدّة نتائج تظهر في الصفحة الأولى مِن البحث، فتصنيف ويكيبيديا على الدوام في بداية الصفحة الأولى، يعود لضخامة الموقع من جهة، ومدى تنسيق محتواه وعلاقته مع متطلبات محركات البحث، إلا أن هذا لا يعني بشكلٍ قاطع الجودة.

لذلك، ينبغي على مَن يبحث أن يتأكد من عدة نتائج لا فقط النتيجة الأولى وحسب، وذلك في سبيل الحصول على تجربة استخدام شاملة، تساعده في التحقق من المعلومة ودقتها بشكل أكبر.

ثانيًا: لا تستخدم ويكيبيديا كمرجع

لأن الذي يقوم بالتعديل هو شخص مجهول، ولا أحد يدري مصداقية هذا التعديل. ومن المهم ذكره هنا أن المقصود بالاستخدام كمرجع هو «Citation» أي الاقتباس العلمي الذي يُسند لمصدر آخر كمرجع. هذا هو الذي ينبغي تجنبه. كما أن ويكيبيديا نفسها هي التي تنصح بعدم فعل ذلك! إذ يوجد شرح جيد وإجابة على هذا التساؤل في صفحة الأسئلة الأكثر شيوعًا ضمن منصة ويكيبيديا. يمكنكم قراءتها عبر الرابط التالي هنا.

والإجابة على هذا السؤال في البند رقم خمسة، وذلك بالقول إنّه من المفضل تجنّب النسخ كل كلمة بشكل حرفي، ويفضل أن يكون هناك أكثر من مصدر عند الاقتباس، وألا تستخدم ويكيبيديا إلا لمعرفة بداية الطريقة وتلمس ماهيّة الموضوع المراد التحدث عنه.

فلا داعٍ لأن تشعر بالذنب عند عدم استخدام ويكيبيديا كمرجع، لأنها هي نفسها تدعوك لعدم فعل ذلك!

ثالثًا: نقرة إضافيّة لن تضر كثيرًا!

مِن اللمسات الجميلة الموجودة ضمن ويكيبيديا أنها مزودة بكمٍ كبير من الروابط والمصادر الخارجية التي بالإمكان الاطلاع عليها للتوسع في المادة المطروحة والنظر إليها من عدّة جوانب. فكل تلك الاقتباسات والاستشهادات تكون منسوبة لأصحابها بروابط خارجية. يمكن من خلال نقرات وضغطات بسيطة البحث بحرية أكبر ومحاولة التأصيل للموضوع من مصادر مختلفة متعددة.

رابعًا: تأكّد مِن المصادر في الأسفل

بمعنى.. عندما تضغط على إحدى الروابط وتخرج من ويكيبيديا لا يعني أنك أصبحت في مأمن! ينبغي أن تعي مدى مصداقية الموقع المأخوذ منه ولأي جهة أو توجه منحاز. هناك مصادر تكون ذات سمعة جيدة ويمكن الاتكال عليها، في حين أن هناك بعض المصادر تجارية أو معروفة بوضع الشائعات والأخبار الملفقة. المهم ألّا تسلّم فورًا لمجرد أنّ هناك مصدر خارجي، فمن المهم التأكد من هوية هذا المصدر ومدى مصداقية طرحهِ.

خامسًا: اهتم بمصادر الكتب

من الجميل الاستشهاد بالمصادر الإلكترونية الموجودة على الإنترنت؛ والتي لا تحتاج سوى لبضعة نقرات صغيرة هنا وهناك حتى تجد نفسك أمام كم كبير من المعلومات المتوافدة. إلا أن هذا لا يغني عن المصادر الرصينة التي تتربع الكتب في رأس قائمتها. إذ تزود ويكيبيديا صفحاتها بقائمة غنية في الأسفل بتلك المراجع من الكتب التي تم الاستشهاد بها والاقتباس منها.

فعلى الرغم من التنوّع الموجود في الساحة الإلكترونية، إلا أن التعمق في موضوع؛ خصوصًا عندما يكون بحثًا محكمًا، يكون بحاجة لكتب ومصادر رصينة بالإمكان الاعتماد عليها.

سادسًا: إن أردت الاقتباس، فاقتبس بذكاء!

الحصيلة النهائية لكل النقاط السابقة، أن يكون الطالب والباحث يقظًا أثناء استخدام ويكيبيديا أو حتى غيرها من المصادر، ولا يسلّم عقلهُ لأي رابط هنا وهناك دون شكٍ أو فلترة. الكثير من المصادر غير موثوقة ولا تقدّم ولا تغني من جوع. لذلك من المهم الانتقاء بشكل ذكي، والإلمام بطريقة التفكير النقديّة، وليس التسليم بشكل مباشر. خصوصًا عندما يكون الاستخدام لمجالات وأغراض بحثية، وليس فقط صياغة موضوع بسيط ينتهي من فوره.

لماذا يمكننا اعتبار ويكيبيديا مصدرًا موثوقًا إلى حدٍ ما؟

لأنه من المستحيل للمعلومات المضللة أن تبقى كثيرًا على الشبكة، لا سيما أن ويكيبيديا تحوي جيشًا من المحررين الذين يعملون على الدوام، فلو حدث وعُدّلت بعض المعلومات على نحوٍِ خاطئ فإنها ستُدارك فورًا ومن المستبعد أن تبقى كثيرًا.

إضافةً لأن التعديلات التي يقبل بها المحررون غالبًا ما تكون مستندة لاقتباسات أو أخبار موثوقة، فالتعديل لا يتم بشكل اعتباطي، إنما يمر على فريق التحرير الذي يسمح بهِ.

ربما فقط تكون تلك المقالات غير شائعة الصيت هي الأكثر عرضةً للتشويه، كونها غير مشهورة فلا يلتفت إليها جمهور المحررين كثيرًا، إلا أن المقالات ذات الزيارات المرتفعة، ستخضع دومًا لعدسة التصويب، وتُنسق وترتب على الدوام.

لو ألمّ الطالب والباحث بالخطوات السابقة لصيانة طريقة تفكيره عن الزلل، ولو بقيت ويكيبيديا على آليتها في تصيّد التعديلات الخاطئة والعمل على نبذها، فيمكننا أن نقول بثقة إنها مصدر موثوق إلى حد كبير، لكن كما قلنا، لغرض بداية الأبحاث أو الاطلاع العام عن موضوع ما وليس الاستشهاد العلمي المحكّم! لأنها هي نفسها ترفض ذلك، لا أنت فقط!

اقرأ أيضاً: في طريقهم للأفول.. لماذا سيقل عدد الأساتذة الجامعيين في المستقبل؟

في زمن اقتصاد الانتباه.. هل معلومات ويكيبيديا ضحلة؟

الإجابة باختصار.. لا يمكن أن تغني الأوبرا لجمهور قليل السمع!

لنكن صريحين قليلًا، نحن نعيش في زمن اقتصاد الانتباه، حيث يقذف كل واحدٍ منا يوميًا بفيالق من الإشعارات والتنبيهات، لذلك لا يمكننا التعويل على الإنترنت بشكل عام ليكون مصدرًا عميقًا في أي شيء. لأنه أساسًا ليس لهكذا وجد! فمن المعروف أن غالبية المقالات تحتوي من 1000 – 3000 كلمة مثلًا، وهذه تعتبر بشكل ما مقالات طويلة، لكن حتى هذا النمط من الكتابة يعتبر قصير للباحث العلمي ولمَن يبتغِ معرفةً حقيقيةً!

للمقال حدود لا يمكنهُ تخطيها، فإن أراد أحدٌ ما البحث بشكلٍ موسع لا بد أن يتخلى عن الإنترنت ومقالاته حينها ويتجه لما هو أوسع. فالمقالات تأتي بالمعرفة الأفقيّة التي تكون على إلمام بأفكار متنوعة من عدة مجالات وسياقات لكنّها ضحلة. في حين تأتي الكتب والمراجع الثقيلة بالمعرفة العمودية التي تكون غالبًا محدودة بأفكار معينة، لكن بشكل عميق ومفصّل.

فلو طرحنا السؤال التالي: أنت قد تقرأ في اليوم الواحد عشر مقالات. ما هي القيمة الفكرية التي ستجنيها منها؟

هناك قيمة نعم. لكنها بسيطة وتعوم على الأسطح لأفكار متناثرة أفقية هنا وهناك. أما لو قرأت مثلًا كتابًا عن موضوع واحد مُحدد، فأنت لن تشتت انتباهك بكثير من التشعّبات المُختلفة، ولكنك ستلمّ تماماً بموضوع الكتاب بشكل كامل؛ والذي غالبًا ما يكون أطال وأجاد في فكرة ما لمدة قد تتجاوز 300 صفحة ربما!

في زمن اقتصاد الانتباه، ويكيبيديا ليست ضحلة أبدًا. هي فقط تلعب اللعبة كما هي القواعد مرسومة، ولعلها أيضًا تلعبها أفضل من غيرها. فكما قلنا أنها تزوّد المحتوى الخاص بكم كبير من المراجع والحواشي في الأسفل، لذلك يمكننا أن نثق بها لدرجة ما، وأن نأتمن ما نقرأه فيها.

ويكيبيديا.. الأداة الأفضل لمحو الأمية

لا سيما على شبكة الإنترنت.. فالإنسان يتعرض فيها لوابل يومي من الأخبار المضللة هنا وهناك، ولعلَ ويكيبيديا بوصفها أداةً لمحو الأمية عن موضوع معين، وإمساك طرف الخيط للتعرّف عليه، أداة لا غنى عنها أبدًا. خصوصًا لدى الطلاب والتلاميذ ومَن هم في بداية مشوارهم الدراسي أو البحثي. فقطعًا لن يتجه التلميذ الصغير لأمهات الكتب والمراجع! بل سيكتفي بالبحث السريع عنه في نتائج البحث، لتكون ويكيبيديا هي الخيار الأول أمامه.

اقرأ أيضاً: كيف تضبط التوازن بين الدراسة من جهة والسلامة النفسية من جهة أخرى؟

حينها يمكننا أن نقول إن ويكيبيديا مصدر جيد لطلاب المدارس القاصدين الاطلاع على موضوعٍ ما، على العكس أيضًا، فقد يشجّع وجودها الطلاب على حب البحث والاستعانة بالمصادر منذُ سنٍ مبكرة. فلو غرست هذه البذرة في الطفل باكرًا واهتم بها الأهل، فإن العقليّة التي سينشأ بها الطالب ستكون نقديةً لا تقبل التسليم بشكلٍ فوري لكل ما هب ودب.

فلا يسعنا القول بعد كل هذا سوى إن ويكيبيديا مصدرٌ جيد إلى حدٍ كبير، خصوصًا لمَن هم على أطراف المعرفة وشواطئها، إلا أن التزام عدة نقاط نقدية لا يضر في شيء أبدًا، وهذا ما يمكن تطبيقه ليس فقط على ويكيبيديا، بل على مختلف مصادر المعرفة ومواقعها على الإنترنت أو أرض الواقع حتى.

0

شاركنا رأيك حول "ويكيبيديا كمصدر: نقاط سريعة لضمان أفضل تجربة استخدام ممكنة"