الكتاب همينغوي ودرويش وموراكامي
0

قبل أن نتطرق لحديثنا عن بعض النصائح لإتقان الكتابة وإنجاز المهام، لا بد مِن ذكر ما قال الشاعر الفلسطيني “محمود درويش” في كتابه “في حضرة الغياب“:

“الكتابة اقتراب واغتراب ويتبادلان الماضي والحاضر”

بالطبع لا يمكن غض الطرف عن تميّزه في الدرويشيات سواء في الكتابة النثرية أو الشعرية. والحقيقة أنّ درويش كانت له طقوس خاصة في الكتابة، فقد كان يستيقظ في الثامنة صباحًا، ويتناول قهوته، ثم يرتدي ثيابًا أنيقة وحذاءً، بعد ذلك يجلس على المكتب وينتظر الوحي. في بعض الأحيان كان يخرج لنا بكلمات هي الدُر في ذاتها، وقد لا يكتب شيئًا على الإطلاق، لكنه في النهاية يبدع في اختيار كلمات أنيقة، أثرت في الكبار والصغار حتى يومنا هذا. كان يتلاعب بالكلمات ويرتبها جيدًا، يدقق في وقع كل كلمة ومعناها ومغزاها وما ترمي إليه. 

صورة للشاعر الفلسطيني محمود درويش.

يرغب العديد من الناس في تعلم الكتابة لأهداف مختلفة، هناك من يريد استخدامها للتواصل مع العالم أو التعبير عن نفسه، وهناك من يحترفها سعيًا للكسب المادي واتخاذها وظيفة. ولكي يكون الكاتب ناجحًا، ينبغي أن يحافظ على إبداعه من خلال روتين صارم، يحفز صاحبه على الإبداع والابتكار، تمامًا مثلما كان يفعل درويش الذي كان يتزين وكأنه ذاهب في موعد غرامي مع سيدة حسناء.

إليك أبرز النصائح لإتقان الكتابة وإنجاز المهام

ابدأ بالمهام الصعبة في الصباح الباكر.. هذا ما نصح به إرنست همينغوي، وكذلك العلم!

ربما سمعت من قبل نصيحة “ابدأ بالأهم ولو كان الأصعب”، وليس من الضروري أن يكون قائلها عالم أعصاب، ربما شخص يعيش في محيطك، ولكن لديه تجارب مع الضغط وتعدد المهام، فخرج لك بهذه النصيحة بناءً على خبرته. وهنا سؤال مهم، ألا وهو: ما مدى دقة هذه النصيحة؟ 

حسنًا، في تقرير منشور بمجلة “Nature“، يحذر الكاتب من الانجذاب للمهام السهلة، فالدماغ البشري آلة تحليل ممتازة، حيث يحلل المهام ويحسب التكلفة ويتأكد من العائد، في النهاية، يميل لإنجاز المهام السهلة، التي لا تكلفه عناءً كبيرًا، وتأتي له بعائد فوري، وهذه سمات المهام السهلة. لكن هذا يؤثر على الدوافع وتمنع المرء من إنهاء المهام الصعبة، وفي كل يوم، يؤجلها لنهاية القائمة، وعندما يحين دورها، يكون قد استهلك طاقة كبيرة، فيضطر لوضعها في قائمة الغد وهكذا دواليك. 

من ناحية أخرى، “إرنست همينغوي”، وهو كاتب وصحفي أمريكي صاحب لقب “البابا” الذي خرج بمجموعة من الروائع الأدبية أثرت في الأدب أثناء القرن العشرين، وأثبت جدارته حتى حصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1964. صرح هيمينغوي من قبل لمجلة باريس ريفيو أنه يستيقظ في الساعة السادسة، ويبدأ عمله في الكتابة باكرًا، حيث يكون الوقت مناسبًا ولا أحد يزعجك أو يقطع حبل أفكارك.

صورة للكاتب ارنست همينغوي.

إضافة إلى ذلك، عند إنهاء المهام الصعبة، يشعر المرء بأنه قد أزال شيئًا ثقيلًا عن كاهله، ويصبح أكثر انتعاشًا ورغبة في إنجاز المزيد. لكن التأجيل المستمر لا يكون طيبًا للنفس، وهذا ما حدث معي عندما أجلت كتابة تقرير لبضعة أشهر، كلما هممت بالكتابة فيه، انتابتني رهبة بسبب صعوبة الفكرة، وعندما أنهيته، كدت من أطير من فرط السرور. وأيقنت أنني إذا كنت أنهيته في وقت سابق، لما شعرت بالقلق كل هذا الوقت. 

روتين صارم.. نجاح مبهر

“عندما كنت صغيرًا، لم يمنعني أي شيء عن جدول أعمالي، حتى العلاقات الغرامية.. يجب أن تبدأ علاقات الغرام بعد الغداء”

غراهام غرين

مجال الكتابة عمومًا، خاصة العمل الحر، يعتمد على الإنتاجية، كلما عملت أكثر، ربحت أكثر. قد يخسر أولئك الذين يكتبون عندما يكونون في حالة مزاجية جيدة فقط. يجب أن يلتزم الكاتب بروتين صارم ويضع هدفًا محددًا من عدد الكلمات، ينجزها في بداية اليوم أو في وقت محدد. وهذا لا يُثني عن ممارسة الأنشطة الأخرى مثل الرياضة أو الذهاب لقضاء بعض الأوقات مع الأصدقاء، فالكتابة مهنة لا تلهي عن الحياة، بالعكس إنها تساعدك على تنظيم الأفكار وتجعل حياتك أكثر تنظيمًا. وتذكر ما قاله غراهام غرين “يجب أن تبدأ علاقات الغرام بعد الغداء”. (يقصد، لا تكن مثل البلهاء الذين تغلبهم العاطفة وتلهيهم عن العمل والنجاح).

العقل السليم في الجسم السليم

تتمتع الرياضة بفوائد عديدة، ربما أبرزها حالة السعادة التي تنتاب الشخص بعد ممارستها، وذلك بسبب إفراز هرمونات السعادة مثل: الدوبامين أو السروتونين والإندورفين. إضافة إلى ذلك، تُظهر الأبحاث دور ممارسة الرياضة في تعزيز تدفق الدم إلى الدماغ، ما يساعد في بناء المزيد من الروابط بين أعصاب الدماغ، هذا كفيل بتحفيز الإبداع وتطوير المهارات. 

وهذا روتين الكاتب الياباني الشهير “هاروكي موراكامي“، حيث اعتاد على الاستيقاظ في الصباح الباكر عند الرابعة أو الخامسة صباحًا، والبدء بالعمل على كتاباته لمدة 5 أو 6 ساعات، ثم يذهب لممارسة الرياضة ويقرأ قليلًا، بعد ذلك يخلد إلى النوم في تمام الساعة التاسعة مساءً. هذا هو هاروكي موراكامي عبقري الأدب الياباني. لقد أدرك أنّ الرياضة تعزز عقله وتساعده على إنجاز مهامه بنجاح.

كذلك العمل في مجال الكتابة من المنزل، حتى وإن كنت تعيش في مكان ضيق، لا تحرم نفسك من ممارسة الرياضة، يمكنك الخروج للمشي أو الجري في الهواء الطلق، فهذا يعزز الإبداع ويُولد المزيد والمزيد من الأفكار. 

احذر من الإنترنت.. إنه فخ!

وفقًا لموقع “Statistics“، لقد ارتفع معدل استخدام البشر للإنترنت بصورة مقلقة، ففي عام 2020 فقط، كان متوسط قضاء المتصلين بالشبكة العنكبوتية على الإنترنت نحو 145 دقيقة! (وهذا معدل كبير بالمناسبة، إذا كنت تستخدمه لفترة أطول من ذلك، ابتسم لست وحدك، أنا أتحدث عن المتوسط فقط). 

لكن السؤال الملح، هل يستخدم كل المتصلين بالإنترنت ميزة الاتصال هذه بطريقة مفيدة؟ قطعًا لا. ربما يكون السواد الأعظم يستخدمونه فقط في اللهو واللعب. لذلك على الكاتب أن يكون حريصًا على وقته وقطع الاتصال بالإنترنت أثناء ساعات العمل. أعلم جيدًا أنّ الكاتب قد يحتاج للإنترنت للبحث عن معلومة تفيده في الكتابة، لا بأس، لكن ابتعد عن وسائل التواصل الاجتماعي قدر الإمكان، ولا تفتحها إلا للضرورة القصوى. 

نصائح لإتقان الكتابة وإنجاز المهام من واقع التجربة 

نصائح لإتقان الكتابة وإنجاز المهام من واقع التجربة.

ستكون النصائح خلال السطور القادمة من تجربتي الشخصية في مجال التدوين والصحافة عمومًا، ربما تفيدك.. 

فقط ابدأ 

“كلمة بعد كلمة بعد كلمة هي القوة”

مارغريت أتوود

تبدو نصيحة مألوفة، أليس كذلك؟ حسنًا، إنها كذلك، لكني مدركة لها جيدًا، في بعض الأحيان، أجد نفسي لا أريد الكتابة ولا أقترب من مكتبي حتى، أبعد ناظري عنه. هذا يحدث بصورة طبيعية لمن ينهمكون في الكتابة وينتجون بغزارة، ثم فجأة، يشعرون بحاجة للبعد عن الكتابة، ونسميها في وسطنا هذا بـ “قفلة كاتب”. لكن هناك مهام كثيرة، يجب عليّ إنجازها! فأقرر أن أبدأ، مجرد إنهاء مقدمة التقرير يحفزني لإنهائه والبحث أكثر. أما في الصباح الباكر، عندما أجد للراحة طعمًا لذيذًا، خاصة في الشتاء الذي يساهم البرد المصاحب له في تقوية جاذبية الوسادة، حتى أنها تضرب بقوانين نيوتن عرض الحائط. أو في الصيف الصديق المخلص للكسل، يمكن التغلب على كل هذا من خلال البدء. وهذا ليس في الكتابة فقط، بل في كل شيء تريد إنجازه. تذكر “فقط ابدأ”. 

القراءة ثم القراءة ثم القراءة.. لأنها حياة 

“الكتابة تأتي من القراءة، والقراءة هي أفضل معلم لكيفية الكتابة”

آني برولكس

إذا سألت أي كاتب عن نصيحته لك، ستكون أول نصيحة يجب أن تكون “دودة كتب” (لا أعلم إذا كنت مطلع على اللهجة المصرية وتدرك أنّ “دودة كتب”، تعني أن تكون قارئًا نهمًا، حسنًا، هذا ما أقصد) القراءة تساعدك في توليد الكثير والكثير من الأفكار وربطها ببعضها، حتى تكون أكثر إحاطة بالمعلومات. كما أنها تطور أسلوبك في الكتابة. 

وفي هذا الصدد، لا أنصحك بالقراءة لكاتب واحد وتقول هذا كاتبي المفضل ولا أقرأ لسواه. لا يا عزيزي، هذا أكبر خطأ قد ترتكبه في حق نفسك. فكل كاتب حر، يكتب ما يعبر عن آرائه وأفكاره، إنها حريته الشخصية، ماذا أقول لك! هناك نظريات علمية انتشرت في وقت ما، وأثبت العلم فيما بعد أنها خاطئة تمامًا ولا محل لها من الصحة، مع ذلك، لم تُحرق هذه الكتب وظلت قائمة. هذا ليس لنشر الأفكار الخاطئة، بل حفاظًا على التاريخ.

لنعد إلى موضوعنا، القراءة تساعدك على أن تكون مفكرًا جيدًا، قد تُربكك في البداية، لكنها ستريك أشياء كثيرة لم ترها من قبل، وتجبرك على الإبداع والخروج بزوايا معالجة ممتازة لموضوعاتك. 

لا تكف عن تطوير ذاتك

عندما تكتب موضوعًا مميزًا وتجد عددًا كبيرًا من الناس يصفقون لك، فلا تظن أنك قد أتيت بما لم يأتِ به الأوائل، استمع للانتقادات جيدًا، فأفضل نصيحة هي التي تأتي من عدوك، والناقد ليس من الضرورة أن يكون حبيبًا أو صديقًا. ربما يكون عدوًا، يرى عيوبًا في أعمالك، فيستغلها ويهاجمك من خلالها. كن ذكيًا واستمع إليه وصحح أخطاءك. ولا عيب في ذلك. وإذا وجدت كتابًا أو أي ورشة عمل تفيدك في مجال الكتابة ومتأكد من جودتها، احصل عليها، ستفيدك. واسأل المدرب عن نصائحه والخلل الذي يراه في كتاباتك لتستطيع تطويرها في المستقبل. 

استخدم الورقة والقلم 

آخر النصائح لإتقان الكتابة وإنجاز المهام هي هذه. إذ أعلم أنّ التكنولوجيا سيطرت على حياتنا، لدرجة أننا استغنينا عن الورقة والقلم، لكن حتى اللحظة التي أكتب فيها، لا أستطيع تخيل حياتي دون الورقة والقلم. أشعر أنني بخير عند المكوث بعيدًا عن شاشة اللاب توب أو الهاتف ومعي قلمي ودفتر أوراق، أسطر فيهم أفكاري وأكتب خواطري وأُولد أفكارًا جديدة. إنها لحظات مذهلة. (هل أخبرك سرًا؟ هذا يكون في الصباح الباكر).

وأخيرًا.. ربما يرى بعض الناس أنّ الكتابة حياة وتجربة تستحق، وهناك من يروها عملًا مملًا شاقًا، لكن إذا كنت قد وصلت لهذه الكلمات من التقرير، أخمن أنك تهوى الكتابة أو تريد أن تطورها في يوم ما. على أي حال، استمتع واتخذها صديقة، فالكتابة حقًا صديقة مخلصة (عن تجربة) ولا تحتاج لأدوات كثيرة، فقط ابدأ! واحترم الكتابة كما كان يفعل درويش. 

اقرأ أيضًا: التخرج ليس نهاية المطاف، إليك أهم النصائح لمرحلة بعد التخرج من الجامعة

0

شاركنا رأيك حول "من همينغوي ودرويش وصولًا إلى موراكامي.. أبرز نصائح الكتّاب لإتقان الكتابة وإنجاز المهام!"