وعادت الأندلس: خواطر أندلسيّة لحاضر يعانق الماضي بشغف! – الجزء الثاني

0

نكمل اليوم رحلتنا التي كنا قد بدأناها منذ ثلاثة أيام في الجزء الأول من خواطر أندلسية، فإلى ربوع الأندلس:

كلمة السر .. فلسطيني !!

الأندلس
كلمة السر كانت فلسطيني

عندما قررنا أننا لن نقوم بتأجير سيارة ، بل سنعتمد على الحافلات لم نكن نعلم ( فوائد ركوب الحافلة ) وما أروع الحافلات فما إن ركبناها حتى إكتشفنا أن جيراننا في المقعد يتحدثون اللغة العربية – يا الله .. عرب عرب 🙂 – وكان موعدنا حينها مع الحاجة أم مهدي المغربية ( من منطقة سبتة المُحتلة من قبل إسبانيا ) ، وكالعادة فإن الكيمياء بين العرب تفعل فعلها وتبلورت الأحاديث سريعاً ، وما إن عرفت أننا فلسطينيين حتى قررت ( أن تشفق علينا ) وأنها ستأخذنا لحجز تذكرة حافلة إلى غرناطة ( المدينة الثانية حسب الخطة ) ، لأن السفر بلا حجز مخاطرة ، فإصطحبنا إلى محطة الحافلة وحجزت لنا ، ونحن – كالأطرش في الزفة – لا نفهم من إسبانيّاتها مع الموظفة شيئاً ، ثم علمت أننا لم نحجز فندقاً، فقررت أن تأتي معنا لتحجز لنا في هوستيل جيّد، وحتى عندما وصلنا، وكشفت ان هناك غرفة فارغة ، لم تترك الموظف وطالبته بتخفيض السعر لأننا فلسطينيين ، ونحن طبعاً لا نفهم من إسبانيّتها إلا كلمة ( بالستينا ) .. ولم تذهب حتى إطمأنت علينا وحجزت لنا، بارك الله فيها هي وإبنها ، وكان هذه اولى النفحات الأندلسيّة 🙂

حتى اللافتة .. كنز !!

الأندلس
كانت هذه اللائحة كلوحة فنية رائعة

قرطبة ، إشبيلية ، غرناطة ، مالقة .. كلمات عشتها كثيراً في الكتب ، في نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ، في التاريخ الاندلس المصور لطارق سويدان ، في كتاب رحلات إبن بطوطة .. وكنت كلما رأيت هذه الكلمات في الشارع فكنت الحقها وانغشل بتصويرها وكأنها لوحة فنيّة فريدة .. تجعل من الأندلس ، ذلك الفردوس المفقود .. واقعاً مُعاش !!

فريق مالقة لكرة القدم .. قطري !!

الأندلس
ملعب مالقة النصف عربي

ليست القصبة هي المعالم الوحيد الذي يُذكرك بالمسلمين في مالقة ، فعندما تصعد على قمّة القلعة، يُمكنك أن تشاهد معلم، نصف عربي، ألا وهو ملعب مالقة، فأثناء رحلتنا في الطائرة إكتشفت في حديث مع زميلي أن أحد الأمراء الخليجيين قام بشراء فريق مالقة لكرة القدم، وعندما نقبت عن الموضوع وجدت أن الشيخ عبدالله بن ناصر القطري قام بشراء الفريق بمبلغ 25 مليون يورو .. فقط !! الله يرحم الملك الزيري باديس بن حبوس الذي بنى قصبة مالقة في القرن الحادي عشر الميلادي .. هل كان يعلم أنه سـ ” يُجاور ” ملعب مالقة النصف عربي يوما ً ما ؟

مالقة .. أخت حيفا !!

الأندلس
الأندلس أخت فلسطين

الاندلس أخت فلسطين، ومالقة أخت حيفا .. هذا ما خطر ببالي عندما كنت أصعد جبل القلعة والقصبة – القصر – والذي يطل على البحر ، فتذكرت حيفا ، وكيف كنت أجلس مستمتعاً على جبل الكرمل ، في ساحات جامعة حيفا ، التقط الصور للبحر والسهول الخصبة هُناك .. ولا ينحصر الامر هنا .. فقرطبة ذكرتني بالقدس واشبيلية بيافا .. وماربية بهرتسليا .. وكروم الزيتون في طريق غرناطة قرطبة كانت تذكرني بجبال الضفة الغربية .. وهذا باب .. يستحق الخوض والتدوين !!

البيتزا .. حيث حُرقت كُتبنا !!

الأندلس
ميدان باب الرملة

بعد أكثر من ساعة ونصف من جولتنا في حي البيازين الذي لا زال يحتفظ بطابعه الأندلسي، تقريباً كما كان قبل أكثر من 500 عام ،، وصلنا إلى أكبر ميادين غرناطة ، ميدان باب الرملة Bib-Rambla، وحيث تكثر المطاعم ايضاً ، قررنا أن نتناول البيتزا هُناك ، قبل إنطلاقنا إلى قرية الورود في الريف الأندلسي ، ولم أكن أعرف حينها أنني جالس في باب الرملة، ولم أكن أعرف أيضاً ، ما علمتني أياه الباحثة الأندلسيّة أديبة روميرو حين إلتقيتها في قرية الورود : أنه وبعد سقوط غرناطة وبعد أن بدأ عصر إضهاد المُسلمين ، اُشعلت النار في آلاف الكُتب الإسلاميّة التي كانت تحويها مكتبات غرناطة وجعلت الكتب تحترق وتحرق لمدة ثلاثة أيام بلياليها .. تماماً ، حيث كنت أتناول البيتزا، مع شيء من السبرايت والليمون .. بإستمتاع !!!

شارلكان .. الإمبراطور الخائب !!

الأندلس
أحد القصور في الأندلس

قد تتألم إذا عرفت أن الإمبراطور شارلكان قام بهدم جزء من قصر الحمراء وبنى قصراً له فيه، وذلك بعد ثلاثة عقود من سقوط غرناطة، ولكن سُبحان الله، فإن الله يُمهل ولا يُهمل ، فإذا زُرت قصر الحمراء ، ستجد أنك مضطر لحجز تذكرة لدخول القصر قبل 48 ساعة ، وستجد أنك حتى بعد الحجز قد تضطر للوقوف في طابور طويل عريض حتى تدخل ، وكل ذلك قد يشعرك بعظمة ذلك القصر .. وقد يُشعرك بشيء من الشماته تجاه شارلكان، صاحب القصر المُجاور لقصر الحمراء .. والذي قام ببناء ذلك القصر حتى يُقحم إسمه في التاريخ غصباً عن التاريخ، والذي إن دخلته لن تجد فيه سوى بضعة أفراد قلائل، دخلوا إليه هروباً من سطوة الشمس ، لا أكثر !!

مسجد وإلا كنيسة ؟؟

الأندلس
كنيسة أم مسجد؟

لست باحثاً في التاريخ ولا الآثار ، ومع ذلك فلم يكن صعباً ان ألاحظ أثناء تجوالي في حي لا ماكارينا في إشبيلية ، أن الكنيسة التي أمامي ليست طبيعيّة، وأن هُناك نكهة مسجد في الموضوع، هذا الامر كان يساورني في كثير من المناطق في الأندلس، وما حصل معي في إشبيلية أنني إكتشفت الحكاية من كتاب دليل سياحي للأندلس وإشبيلية ، وصدقت خواطري .. فإن نكهة المساجد في هذه الكنائس حقيقة وهي كثيرة جدا جداً في إشبيلية ، وهي تعرف بالـ Mudéjar style، ممكن نسميه ، الفن المُديخاري ، والمُديخار ، أي المدجنين وهم جماعة من المسلمين الذين عاشوا تحت الحكم الإسباني بعد سقوط الخلافة في الأندلس ، وساهموا في نقل الكثير من العلوم الإسلامية لأوروبا .. وهي جماعة أخرى نكاد لا نعرف عنها إلا القليل !!

في متحف الحياة الأندلسية .. في قرطبة

الأندلس
خارطة

متحف الحياة الأندلسية في قرطبة، الواقع على ضفاف نهر الوادي الكبير، كان من أمتع التجارب التي عشتها، هُناك سمعت محاضرة لأكثر من عالم أندلسي، من بينهم إبن العربي وإبن رشد ، وهُناك سمعت الأذان يصدح من نموذج مسجد قرطبة كما كان أيام عزّه .. وهناك رأيت الفن والابداع في قصر الحمراء ، ورأيت تصوير لمجلس الخليفة ومجالس العلماء والمديح وغيرها .. وهناك سمعت عن مدى إحترام الإسلام للقيم البيئية ( الايكولوجيا ) من خلال عرض مجسم النظام المائي في الاندلس .. وهناك ورأيت أبداعات المسلمين في العلوم ، كأدوات ابو القاسم الزهراوي في الطب والجراحة .. وجهاز الزرقاوي في مراقبة الكواكب والاوقات .. ورأيت خارطة العالم للإدريسي .. ورأيت الكثير .. ولكن لشكل فلسطين على الخارطة كان طعم مميز 🙂

عالِم .. على الطراز الأندلسي !!

الأندلس

من قال أن زمن العظماء قد ولى فهو مُخطئ .. لأنه لا يعرف العلامة علي الكتاني .. العالم المتخصص في علم الذرة والبلازما والباحث في مجال الطاقة الشمسية .. والمهندس الكهربائي .. وليس هذا فحسب فقد كان داعياً إلى الله .. ومؤرخاً بارعاً .. وعارفاً بشؤون الاقليات الإسلامية في امريكا واوروبا .. ومُلماً بارعاً في تاريخ الأندلس والقضية الأندلسية المُعاصرة .. ويعتبر الكتاني مهندس البعث الإسلامي في الاندلس .. وهو الرجل الذي أعاد الآذان لأحد مساجد قُرطبة .. ولم يكن غريباً انه فارق الحياة فيها وذلك في عام 2001 بينما كان عائداً إلى بلاده ، في المغرب العربي !!

هكذا نموذج يُذكرني بثلة من العلماء الأندلسيين القُدامى ، وعلى رأسهم إبن رشد .. ذلك الأندلسي القرطبي .. الذي برع في الفقة والفلسفة والطب والفلك والرياضات !!

اللهم إرحمه .. واسكنه فسيح جناتك !!

قصر إشبيلية .. الفقير !!

الأندلس
قصر إشبيلية

دعوني أعترف ، أنني لم أكن أعرف أي شيء عن قصر إشبيلية ( Alcázares ) فقصر الحمراء سرق كل الأبصار ، وحتى دخولي إليه لم أكن أتوقعه بديعاً إلى ذلك الحد، ولم أتوقع أن أبقى فيه ساعات دون أن أنتهي من التجول فيه ، فحدائقة واسعة شاسعة .. حتى إنني إكتشفت في اخر نص ساعة ، أنني لم أدخل القصر بعد ، فكل ما دخلته كان ملحقاته .. ولكن للأسف فقد خرجت منه مضطراً لأن صديقي كاد يموت جوعاً !!

وقد صورت فيه مئات الصور حتى أن بطاقة الذاكرة إمتلأت هُناك .. ولم تعد تطيق المزيد ، مما سهل على صديقي أن يقنعني بالخروج !

الأندلس
الأندلس

ومن إشبيليا تنتهي رحلتنا التي أرجو أن تكون قد أمتعتكم وأفادتكم ولعل لنا لقاءاً برحلات جديدة قريبة إن شاء الله.

0

شاركنا رأيك حول "وعادت الأندلس: خواطر أندلسيّة لحاضر يعانق الماضي بشغف! – الجزء الثاني"