الثقافة والتنمية

0

إن التنمية مفهوم لا ينتمي إلى علم واحد بل لابد من تعاون العديد من العلوم المختلفة والتخصصات المتباينة جنباً إلى جنب لتحقيق التنمية، فلقد ثبت عقم تفسير الظاهرات بالعامل الواحد وأصبح اتجاه الدراسات المعاصرة يقوم على مبدأ التكامل، وقد اختلف المفكرون الاجتماعيون فيما بينهم في تحديد لمفهوم التنمية وأبعادها ومعوقاتها، كما أن البعض يفرق بين (التنمية الاجتماعية) و(تنمية المجتمع) على أساس أن الأول يهتم بالخدمات الاجتماعية الصرفة، أما الثاني فتدخل فيه الخدمات الاجتماعية والخدمات الاقتصادية جميعاً ويطبق أساساً فى المجتمعات المحلية.

أيضاً لا يمكننا الفصل بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية، لقد كتب إنجلز في رسالة إلى ستاركنبرج يقول فيها:

“إن التطورات السياسية والقانونية والفلسفية والدينية والأدبية والفنية وغيرها تقوم كلها على أساس من التطورات الاقتصادية، غير أنها جميعاً تؤثر أيضاً إحداها في الأخرى كما تؤثر في الأساس الاقتصادي، وليس الوضع الاقتصادي هو العنصر الفعال الوحيد، في حين تلتزم العناصر الأخرى بموقف سلبي، بل هناك بالأحرى تأثير متبادل، على أساس من الضرورة الاقتصادية التي يتبين دائماً أنها العنصر الحاسم فى آخر الأمر”.

حيث إن مضمون المجتمع هو إنتاج الحياة وإعادة إنتاجها ابتداء من الحقيقة البسيطة القائلة بأن الكائنات البشرية ينبغي أن تأكل وتشرب وأن تسكن وتلبس،  وانتهاء بذلك العدد الهائل من الآلات والمعدات والقوى الإنتاجية الحديثة والأشكال التى تتخذها أشكال التنظيم الاجتماعي، والمؤسسات الاجتماعية، والقوانين، والآراء، والمعتقدات. تتنوع كل هذه الأشكال فيما بينها تنوعاً كبيراً، وهى تتلاءم لفترة من الزمن مع حالة قوى الإنتاج، ثم تتناقض معها، فتصبح جامدة ومعوقة، فلا بد من تجديدها المرة تلو الأخرى.

وللتنمية تعريفات عديدة، ومن بينها التعريف الذى اصطلحت عليه هيئة الأمم المتحدة عام 1956، والذي ينص على أن “التنمية هي العملية التي بمقتضاها يتم توجيه الجهود لكل من الأهالي والحكومة لتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية فى المجتمعات المحلية لمساعدتها على الاندماج فى حياة الأمة والإسهام في تقدمها بأقصى ما يمكن”.

ولكن الأنثروبولوجي المصري الدكتور أحمد أبو زيد يرى أن مفهوم التنمية والمصطلحات المتصلة به مثل  “التنمية الشاملة” و”التنمية المستدامة” كلها صناعة غربية لجأ إليها العلماء والمفكرون السياسيون في الغرب لترسيخ النظرة الغربية الاستعلائية في التمييز والتفرقة بين “المجتمعات الغربية الراقية المتقدمة” و “المجتمعات اللاغربية” التي يطلق عليها الآن اسم المجتمعات (النامية) كبديل مهذب عن كلمة المجتمعات (المتخلفة) التي كانت تستخدم إلى ما قبل العقد السادس من القرن الماضي ..  فالاستعمار يعزو تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تلك البلاد إلى طبيعة التكوين الذهني والاستعداد النفسي لهذه الشعوب، إلى جانب الظروف البيئية غير المواتية والتي تعجز تلك الشعوب عن السيطرة عليها أو التحكم فيها نتيجة لذلك القصور الطبيعي في قدراتها.

ولكن الحقيقة هي أن أحد أهم أسباب فشل معظم جهود التنمية فى العالم الثالث هو عدم الاهتمام بما فيه الكفاية بالثقافات الوطنية في تلك المجتمعات، وإغفال مقتضياتها ومتطلباتها عند التخطيط والتنفيذ.
فمثلاً “الرامايانا” كما يقول الدكتور أحمد أبو زيد في دراسة له باسم الملاحم كتاريخ وثقافة والمنشورة بمجلة عالم الفكر، المجلد السادس عشر – العدد الأول – أبريل- مايو- يونيه 1985 يقول إن الرمايانا ليست مجرد جزء من التراث الهندي القديم وإنما تمثل جزءاً من الواقع الحي في المجتمع الهندي الحديث .. ولا تزال شخصيات الملحمة- وخصوصا الأبطال – يجسدون المثل الأعلى الذى يتمثل به الهندوس، وربما كان هذا أوضح بالنسبة لمحاكاة النساء لبطلة الملحمة (سيتا) في إخلاصها ووفائها لزوجها، وتمسكها بصيانة عفتها وشرفها، إذ تتم تنشئة الفتاة الهندوسية وتربيتها على النمط الذي يميز سلوك (سيتا) وتصرفاتها وفكرتها عن الواجبات الزوجية والعائلية ونظرتها بوجه خاص إلى الزوج، ولقد دخل (راما) إلى الضمير الشعبي هناك .. وتغلغل فيه بطريقة أخرى أكثر دلالة وأهمية.

وعلى ذلك فدراسة (الرامايانا) لا تعتبر مجرد دراسة لجزء من تراث الماضي وأحداثه وأساطيره، وإنما هي دراسة لصورة المجتمع الهندوسي كما يتمثل فى ذلك العمل الإبداعي الذي يحتوي الكثير من التفاصيل والمعلومات الهامة، وهذا يبين مدى علاقة الملحمة القديمة بحياة المجتمع الهندوسي المعاصر.

ويقول “جو مارى شانكر” في مقال له عام 1998 في نشرة (إكسبرس) التي يصدرها المركز الدولي لمعلومات التنمية بكندا: “إن مفهوم التنمية لم يعد قاصراً الآن على محاولة اللحاق إقتصادياً بالدول الأكثر تقدماً بقدر ما يهتم بالكشف عن قدرات الشعوب ودراستها دراسة عميقة لفهمها والاسترشاد بها، كما يعني أن التنمية ذاتها خرجت من نطاق الاقتصار على الاهتمام بمشكلات اقتصادية ضيقة ومحددة والانطلاق إلى مجالات أوسع وأرحب يصعب تناولها بكفاية من دون الإحاطة الشاملة والدقيقة بتلك الثقافات الوطنية، كما إن الالتفات إلى هذه الثقافات لا يعني فقط معرفة مدى تقبل تلك الثقافات للمشروعات المقترحة من الهيئات والمنظمات الغربية ولا حتى مجرد الاسترشاد بالعادات والأعراف والقيم الثقافية التقليدية في وضع مشروعات التنمية، وإنما يقتضي في الوقت ذاته التعرف على الهوية الثقافية للمجتمع، لأن هذه الهوية تختلف من دولة لأخرى، وحتى داخل الدائرة الثقافية الواحدة التي تنتمي إليها هذه الدول.

كذلك تقول الدكتورة نعمات أحمد فؤاد فى كتابها (الأدب والحضارة): “إن اعتماد الحضارة الحديثة على العقل وحده أفقدها الكثير من نعيم النفس والروح، إن العصر الحاضر سباق مدنياً، ولكنه معنوياً معدم، لا يعرف كيف يعيش، كيف يحب .. كيف يكره .. ليس عنده “فن الحياة” .. وأزمة الإنسان المعاصر أن التربية قد عنيت بذهنه دون وجدانه فعجز عن إيجاد المعادل المعنوي للتقدم العلمي الذي أحدثه العقل، الذى يهدد الانسانية بالدمار، لأن العقل مارد، فبقدر مايصنع الكثير يستطيع أن يدمر في لحظة مابناه فى سنين، فالحضارة الحديثة على نقيض الحضارة القديمة  هي حضارة كم لا كيف. إن ناطحات السحاب بناء أما الهرم عمارة، أى أنه بناء حلت فيه القيمة .. سكنت .. الهرم يشغل الفضاء بالكم .. ويشغل الأرض بالكيف .. ويشغل التاريخ بالتسجيل .. ويشغل الناس بالتفكير.

والدول لا تصنع الحضارة إلا إذا أمنت واطمأنت، فعملت وجودت فى العمل، وربحت تجارتها ثم افتنت وابتكرت وأبدعت فالحضارات الكبيرة اقترنت بإبداعات ثقافية كبيرة، إذ اقترنت الحضارة المصرية مثلاً بمتون الأهرام وحكم أمينوبي وأمنحتب وشعر بثناؤر وتسابيح إخناتون. والحضارة الصينية اقترنت بما خطه “لاوزا” و “كونفوشيوس”. واقترنت الحضارة الهندية برسائل لأوبانيشاد والماهاباهاراتا والرامايانا. واقترنت الحضارة الفارسية بالشاهنامة ورباعيات الخيام وأشعار المتصوفة اقترانا جلياً. وارتبطت الحضارة الإغريقية بالإلياذة والأوديسة وروائع المسرح لأيسخيليوس ويوربيديس وأريستوفانيس وغيرهم. واقترنت الحضارة الإسلامية  بألف ليلة وليلة بعد أن صقلتها مصر وأضافت اليها، وتائية ابن الفارض وقصة حي بن يقظان لابن طفيل ومقدمة ابن خلدون ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري .. كما يأتى القرآن الكريم على قمة الحضارة الإسلامية. كما اقترن عصر النهضة فى أوروبا بأسماء مثل فولتير وجان جاك روسو وشيكسبير وجوته ونيتشه ودانتي وغيرهم من أعلام الفكر الغربي.

وقد نص مؤتمر لليونيسكو فى مكسيكو سيتي عام 1982 عن “السياسة الثقافية” على أن “الثقافة تتخلل نسيج الحياة كله بحيث يمكننا الخلط بين الثقافة وبين الحياة ذاتها وعدم القدرة على الفصل بينهما “.

ولكن بعض المهتمين بالتنمية كثيراً ما يعترضون على أخذ الثقافات التقليدية في الاعتبار عند التخطيط والتنفيذ بزعم أن الثقافة محافظة بالضرورة بل ورجعية وأنها –أي الثقافة- تشد الإنسان إلى الماضي بحكم علاقاتها بالتقاليد والقيم والأعراف المتوارثة وهم يرون أن هذه الطبيعة للثقافة تتعارض مع مفهوم التنمية بأبعادها التقدمية والمستقبلية، كما يرون أن المجتمعات النامية لكي تلحق بالعالم المتقدم، فإنه يتعين عليها أن تتخلص أولاً من كثير من عناصر الثقافة التقليدية بكل ماتحمله من أوهام وغيبيات تمنعهم من مسايرة الأوضاع المتغيرة فى العالم المعاصر، وأن هذه المجتمعات النامية يتعين عليها أيضاً تقبل القيم والأوضاع وأنماط السلوك وأساليب التفكير العقلاني السائدة في الغرب المتقدم، حتى تستطيع تحقيق التقدم الاقتصادي المنشود كي تتحرر من نظم الحكم التقليدية الفاسدة وتتمكن من إقرار حقوق الإنسان.

لكن هناك رأي آخر يرى أن مشروعات التنمية التي قد تتعارض مع هذا التراث الحضاري والثقافي والتي قد تتطلب التنكر لبعض عناصره يجب ألا ننصرف عنها تماماً، حتى وإن كان ذلك على حساب المكاسب الاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تحققها تلك المشروعات.

ومن هؤلاء الدكتور هانى جابر الذي يقول في كتاب له بعنوان (مدخل الى دراسة الثقافة المادية):

“إن الثقافة المادية بكل أشكالها تخلصت من كثير من رواسب الظاهرة الشعبية التقليدية .. وأصبحت ذات صبغة عملية وحرية أكبر ، أى أصبحت لها أبعاد إنسانية تتحكم فيها قوة التجارة والفعل الجمالي العملي، وإغفال هذا البعد الجديد في تطور المعنى من الظاهرة الشعبية كإنتاج حرفي وإبداعي هو إغفال أن التشكيل الفني أصبح قوة اقتصادية منظمة لها إطارها التجاري، وهذا التحول في المعاني جعل المجتمعات التي كنا نتعارف عليها بالتقليدية تعيش في المعاصرة بإنتاجها المادي ودليلها التخصص وهدفها الحرفة، وظيفتها اقتصادية تجارية”.

ويوماً بعد يوم تزداد شقة الخلاف بين كل من مؤيدي الرأيين، ولكن هذا لا يعني استحالة التوصل إلى درجة معقولة من التوفيق بين الرأيين للوصول إلى صيغة ما للتفاهم والتعاون مما يخفف من حدة الإنقسامات القائمة الآن على أرض الواقع والتي تعبر عن نفسها في ذلك الصخب العالي الذى يصاحب المؤتمرات الدولية في استنكار ورفض واضحين لمواقف وسياسات وتاريخ الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا بطبيعة الحال.

المصادر:

  • الملاحم كتاريخ وثقافة ..
    د. أحمد أبو زيد: مجلة عالم الفكر .. المجلد السادس عشر .. العدد الأول (أبريل* مايو* يونيو 1985).
  • كتاب “ضرورة الفن” ..
    أرنست فيشر.. ترجمة سعد حليم .. مكتبة الأسرة
  • دراسات فى علم الاجتماع والانثرو بولوجيا ..
    د. عبد الهادى الجوهرى .. المكتب الجامعى الحديث
  • الأدب و الحضارة ..
    د. نعمات أحمد فؤاد .. إصدار دار المعارف
  • الفولكلور ودليل العمل الميدانى “مدخل إلى دراسة الثقافة المادية ” … د. هاني إبراهيم جابر .. الولاء للطبع والتوزيع.
  • الثقافة كبعد غائب عن التنمية ..
    دراسة  للدكتور أحمد أبو زيد .. على موقع الإنترنت http://www.balagh.com
0

شاركنا رأيك حول "الثقافة والتنمية"