قد يبدو الظلام مخيفًا بالنسبة لك لكنه يُفيدك أكثر مما تتخيل!

الظلام
ضحى نبيل
ضحى نبيل

5 د

منذ قرون عديدة كان الناس يقضُون قسطًا كبيرًا من يومهم في الظلام يصل لـ 12 ساعة كل يوم مع وجود مصادر إضاءة ضعيفة كالنيران والشموع، وكانت فترة نومهم تدوم وسط الظلام الدامس حتى تسطع الشمس من جديد فيخرجون لقضاء مهامهم تحت أشعتها المضيئة ثم ينتهي يومهم بغروب ذلك الضوء. استمرت الحياة على هذا المنوال حتى جاء وقت اختراع الكهرباء التي جعلت ليلنا مثل نهارنا، فالأضواء في كل مكان في الشوارع وفي كل غرفة بالمنازل وحتى وقت النوم حيث أصبح الكثير من الأشخاص يفضلون وجود أي مصدر للضوء بجانبهم لكي يستطيعوا النوم؛ فهل أثر ذلك التغيير على أجسامنا بالسلب على مر الزمان؟ وهل حقًا نحتاج لأن نقضي بعض الوقت في الظلام كي نصبح أفضل؟ سنتعرف معًا على الإجابة.


لا نستطيع العيش بدون ضوء، لكن الكثير من الضوء أصبح السبب في حدوث “تلوث ضوئي”

نعم يوجد مصطلح بهذا الاسم! قد تقول لنفسك إن الضوء لا يمكن أن يشكل خطرًا علينا ليُطلق على الزائد عن حاجتنا منه “تلوث”، لكنه بالفعل يسبب الكثير من المشكلات، فالتلوث الضوئي هو الاستخدام المفرط وغير المنظم للأضواء الصناعية في البيئة والذي يعود بآثار سلبية على الإنسان وعلى الطبيعة بشكل عام. لكي تتخيل معي مدى سوء الأمر، لك أن تعلم أن قديمًا عندما كانت الناس تخرج وتنظر للسماء كانت ترى النجوم بشكل لا يقارن أبدًا بما نراه اليوم، حتى أن ذراع المجرة كان واضحًا في السماء كوضوح القمر! وذلك لأن الظلام كان لا يقطعه شيء وكانت مصادر الضوء محدودة للغاية؛ وهذا المشهد بالمناسبة مشابه لما يمكنك أن تراه اليوم في السماء إذا خرجت عن أضواء المدن المزدحمة إلى طرق السفر مثلًا أو إلى الشواطئ، سيدهشك المنظر حقًا!


التلوث الضوئي

كلما زادت نسبة التلوث الضوئي كلما زادت آثاره السلبية على الكائنات الحية والبيئة، فملايين الطيور المهاجرة تموت كل سنة بسبب تشتيتها أثناء رحلتها في الليل وانجذابها للأضواء القادمة من المباني فتصطدم بها، كذلك سلحفاة البحر فهي تعيش في المياه وتضع بيضها على الشاطئ، وعندما يحين وقت فقس البيض من المفترض أن ينجذب الصغار للمحيط استرشادًا بضوء القمر لكن بدلًا من ذلك ينجذب الملايين منهم كل سنة للأضواء البعيدة عن الشاطئ تجاه المدينة ويلقون حتفهم إثر ذلك!

بدأت بالفعل بعض المنظمات في أخذ خطوات إيجابية في التوعية بتقليل نسبة التلوث الضوئي للحفاظ على حياة تلك الكائنات كمبادرة “Lights Out” عن طريق إقناع مُلاك البنايات العالية بإطفاء الأضواء الزائدة عن الحاجة أثناء موسم هجرة الطيور لمحاولة توفير ممر آمن لهم.

ذو صلة
التلوث الضوئي والطيور المهاجرة

كيف أثر علينا نقص الظلام مع الوقت؟

مع مرور الوقت أصبحنا نتعرض لقدر قليل من ضوء الشمس بالنهار ولقدر كبير من الأضواء الصناعية بالليل سواءً كانت صادرة من الشاشات أو أضواء المنازل والأسواق وغيرها خاصةً وأن جزءًا كبيرًا من الناس حاليًا أصبح يعمل من المنزل أو يعمل في دوام مسائي، وهذا من شأنه -حسبما وجد العلماء- أن يعبث بالساعة البيولوجية الخاصة بالجسم مما يزيد من خطر حدوث مشاكل صحية كالسمنة والسكري وسرطان الثدي.

الساعة البيولوجية

الساعة البيولوجية هي ساعة داخلية بالجسم تطورت على مدار ملايين السنين يتحكم بها المخ عن طريق تتبع ضوء الشمس كل يوم، وعلى أساسه ينظم دورة النوم والاستيقاظ للإنسان بحيث يتناسب مع بداية ونهاية اليوم الطبيعية لكي تصبح 24 ساعة ككل، كما أنها مرتبطة بتنظيم درجة حرارة الجسم وضغط الدم ومستويات النشاط والشعور بالجوع والتوتر وغيرها من الوظائف الحيوية؛ وبالتالي مع وجود كمية كبيرة من الأضواء بالليل على مدى طويل يحدث خلل وعدم اتزان بتلك الدورة مما يؤثر على وظائف الجسم. لذلك تشعر باضطراب عندما تسافر في رحلات جوية طويلة فيحدث ما يسمى بـ “Jet Lag” أو اختلاف التوقيت حيث تستغرق ساعتك البيولوجية بعض الوقت حتى يحدث لها إعادة ضبط حسب توقيت المكان الجديد.


كيف يستجيب جسمك للظلام الحالك؟

  • مع حلول الليل تبدأ الغدة النخامية بالمخ في إفراز كميات كبيرة من هرمون “الميلاتونين” الذي يُعرف بهرمون النوم، فهو يساعد الساعة البيولوجية لتحافظ على توازنها ويساعد على منحك نومًا عميقًا وهادئًا، حيث يعطي للجسم الإشارة بأنه حان الوقت للراحة، لكنه يتأثر تأثيرًا مباشرًا بالضوء، فكلما زادت كمية الضوء التي تتعرض لها كلما نقصت كمية الميلاتونين في جسمك لذلك تكون مستوياته قليلة جدًا بالنهار.
  • بجانب تنظيم النوم يساعد الميلاتونين في رفع كفاءة المناعة وتنظيم ضغط الدم ومستويات هرمون الكورتيزول بالجسم، وبعض الدراسات تشير إلى أنه يمكن أن يحسن من صحة العين ويقلل من أعراض الاكتئاب الموسمي وارتجاع حمض المعدة. وبسبب تلك الفوائد المتعددة له صرحت بعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية باستخدامه على شكل مكملات غذائية لمن يعانون من الأرق أو اضطرابات في النوم من أجل الحصول على جودة نوم أفضل.
  • هرمون آخر يزداد إفرازه في الظلام وقت النوم وهو هرمون “الللبتين” المسؤول عن الإحساس بالشبع، والذي بزيادته لن يجعلك تضطر للاستيقاظ بسبب الجوع في منتصف الليل، وبالتالي فهو أيضًا سيزيد من كفاءة نومك.

ماذا إن كنت فعلًا تحتاج لضوء بجانبك؟

لنكن واقعيين، لا يمكن للجميع النوم بالظلام الدامس كمن يملك فوبيا من الظلام أو ما شابه ذلك، ولذلك إن كنت منهم فأنصحك بتغيير نوع الضوء الموجود بالغرفة وقت النوم كأن تختار الضوء الأحمر بدلًا من الأبيض وذلك لأن الضوء الأحمر له طول موجي طويل ووفقًا لبعض الدراسات، فإن التعرض لهذا النوع من الضوء قبل أو أثناء النوم قد يزيد من جودة النوم بشكل ملحوظ.


الضوء الأحمر

وفي دراسة أخرى تمت في 2012 على لاعبات كرة السلة من الصين تم تعريضهم لـ 30 دقيقة من الضوء الأحمر قبل النوم لمدة 14 يومًا، ووجدوا أنه بالفعل زادت مستويات الميلاتونين لديهم وأظهروا تحسنًا في جودة النوم مقارنةً بالمجموعة التي لم تخضع لذلك النوع من الضوء قبل النوم.


إليك ما يجب عليك فعله!

  • اشترِ ستائر سميكة حاجبة للضوء فحتى ضوء القمر القادم من النافذة أو أضواء المصابيح يمكنها أن تعبث بجودة النوم.
  • ارتدِ قناع العينين إذا لم تستطع حجب الضوء بصورة كاملة من حولك.
  • تجنب استخدام أي أجهزة إلكترونية قبل النوم بـ 30 دقيقة على الأقل لتقلل من تأثير الضوء الأزرق الصادر منهم عليك.
  • إذا كان لا بد من استخدام مصدر للضوء فاستخدم مصباحًا صغيرًا من الضوء الأحمر في أبعد مكان ممكن عن مكان نومك في الغرفة.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة