المسألة الأخيرة

0

في أحد أيام عام 1673 كان بيير دي فيرما، مُحامي وعالم رياضيات فرنسي، يُطالع ترجمة لاتينية لأحد كتبه المُفضلة: “أريثميتيكا”. الكتاب الأصلي يعُود للقرن الثالث الميلادي، كتبه عالم رياضيات إغريقي عاش بالإسكندرية يُسمى ديوفانتوس.

فيرما

كعادته، كان فيرما يُدوّن مُلاحظاته وأفكاره على هوامش صفحات الكُتُب التي يقرؤها. بجوار إحدى مسائل الكتاب، والتي تتناول كيفية تقسيم مُربع رقم إلى مجموع مُربعين، قام بكتابة التعليق التالي:

من المُستحيل تقسيم مُكعب رقم إلى مجموع مُكعبين، أو تقسيم رقم مرفُوع للأُس 4 إلى رقمين مرفوعين لنفس الأُس، أو بصفة عامة تقسيم رقم مرفوع لأي أُس أكبر من 2 إلى مجموع رقمين مرفوعين لنفس الأُس. لقد اكتشفت بُرهانًا إعجازيًا على ذلك، ولكن هذا الهامش أضيق من أن يتسع له.

مرّت 30 عامًا كاملة قبل أن يقرأ شخص آخر تلك الفقرة. كان هذا بعد وفاة فيرما، عندما قام ابنه بطبع نُسخة جديدة من الكتاب ضمّن فيها الهوامش التي كتبها والده.

المسألة

كتاب المسألة الأخيرة

في طريقه للعودة من المدرسة، قرر أندرو وايلز في أحد أيام عام 1963 الذهاب إلى المكتبة المحلية أولًا قبل العودة إلى المنزل. ولأنه لم يكن يبحث عن كتاب مُعين، فلقد ذهب لاستكشاف بعض الأقسام الجديدة التي لم يكُن يذهب إليها في العادة. في قسم الرياضيات، جذبه كتاب صغير يحمل اسم “المسألة الأخيرة“.

الكتاب يتحدث عن مُبرهنة رياضية بسيطة لدرجة أن طفلًا  مثله في العاشرة لم يجد صعُوبة في فهمها. تقُول المُبرهنة إنه لا يُمكن إيجاد أي حلول للمُعادلة سن + صن=عن تنتمي لمجموعة الأعداد الصحيحة (1، 2، 3، 4، …إلخ) إذا كان الأُس ن > 2. (لاحظ أنه في حالة ن=2 فإننا نحصل على مُعادلة فيثاغورث المعروفة س2 + ص2 = ع2).

على الرغم من بساطتها، كانت المُبرهنة تحمل اسمًا دراماتيكيًا: “مُبرهنة فيرما الأخيرة”.

الجُزء الذي يتحدث عن تاريخ المُبرهنة شرح السبب. هُناك عالم رياضيات عاش في القرن السابع عشر يُسمى بيير دي فيرما دون مُعظم أفكاره الرياضية بدون إثبات على هوامش صفحات كتاب. بعد أن قام ابنه بنشرها بعد وفاته، بدأ عُلماء الرياضيات بإثبات تلك الأفكار الواحدة تلو الأخرى. كُل الأفكار تم الانتهاء منها فيما عدا واحدة، والتي أصبحت تُعرف باسم “مُبرهنة فيرما الأخيرة” لهذا السبب.

على الرغم من أنها تدور حول فكرة شديدة البساطة، وعلى الرغم من أن فيرما قال إنه يمتلك إثباتًا، لم يتمكن أي شخص على مدى 300 عام من الوصول إلى هذا الإثبات. كُل هذه المُلابسات خلقت للمُبرهنة مكانة استثنائية في تاريخ الرياضيات.

بانتهائه من قراءة هذه الكلمات كانت المُبرهنة قد تلبست الطفل بالفعل. توقف عن التفكير في كُل شيء، باستثناء شيء واحد: سيكُون هو أول من يصل.

الباحث

3

لم تتوقف مُحاولات أندرو للوصول إلى الإثبات مُنذ أن قرأ عنه للمرة الأولى وحتى حصوله على درجة البكالوريوس في الرياضيات، ولم تصل به تلك المحاولات لأي شيء.

كان من الواضح أن كُل الطُرق الرياضية الموجودة في ذلك الوقت لاتزال عاجزة، كما أن مرور قرون بدون الوصُول لشيء أعطى انطباعًا عامًا في المُجتمع الرياضي بأنه من المُستحيل الوصول لهذا الإثبات من الأساس. لهذا السبب، عندما التحق أندرو بجامعة كامبريدج كطالب بحوث، نصحه مُشرفه بأن يضع حُلم طفُولته جانبًا وأن يعمل على شيء آخر أكثر شيوعًا في المُجتمع الرياضي. على مضض، استمع أندرو لنصيحة مُشرفة وبدأ العمل على موضوع مُختلف كُليًا، “المُنحنيات الإهليجية”.

ما بدا وكأنه تخلى عن الحلم، كان في حقيقة الأمر خطوة تجاهه. عندما قرر أندرو العمل على المنحنيات الإهليجية، لم يكُن يعلم أنه على الجانب الآخر من العالم كانت هُناك علاقة آخذة في التشكل بين المُنحنيات الإهليجية ومُبرهنة فيرما الأخيرة.

العلاقة

في عام 1949 التحق شيمورا جورو بجامعة طوكيو لدراسة الرياضيات. لم تكن قد مرت بعد 4 سنوات على نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي مُنيت فيها اليابان بهزيمة فادحة، ولهذا السبب كانت آثارها لا تزال واضحة. الأساتذة دائمًا يبدون مُتعبين، والمُحاضرات مُملة وغير مُلهمة، ولذا لم يكُن أمام الطلبة سوى الاعتماد على بعضهم البعض من أجل التحفيز والإلهام.

تعرف شيمورا في ذلك الوقت على تانياما يوتاكا، طالب رياضيات لامع يكبره بثلاث سنوات، وما لبثت العلاقة الشخصية والعلمية بينهما أن توطدت.

كان مجال عمل شيمورا وتانياما هو الرياضيات المُعقدة للدوال النمطية (أو الأشكال النمطية)، وهي دوال تحليلية تستوفي عددًا غير طبيعي من شروط التناظر الداخلي.

في إحدى المؤتمرات الدولية للرياضيات في عام 1955، عرض تانياما ثلاث مسائل رياضية، والتي مهدت لنتيجة هزت أرجاء المُجتمع الرياضي في ذلك الوقت، وأصبحت تُعرف بعد ذلك باسم “حدسية تانياما-شيمورا”:

كُل مُنحنى إهليجي هو في الحقيقة دالة نمطية.

بالنسبة لغير المُتخصصين، ما يعنيه هذا هو أنه بدلًا من أن كان لدينا عالمين مُنفصلين تمامًا (عالم المنحنيات الإهليجية وعالم الدوال النمطية) اكتشفنا فجأة وجود جسر يربط بينهما. في الحقيقة الأمر ليس مُجرد جسر، بل هو قاموس لترجمة الأفكار والنظريات والأسئلة في أحدهما إلى أفكار ونظريات وأسئلة في الآخر.

تزايدت أهمية حدسية تانياما- شيمورا مع الوقت، وخاصة بعد أن أصبحت أساسًا للكثير من النظريات الرياضية الأُخرى، ومن هُنا أصبح أمر برهنتها (أو إثباتها) يحمل أهمية كبيرة في حد ذاته. (لاحظ أن “حدسية” تعني استنتاج أو مُلاحظة رياضية لم يتم إثبات صحتها أو خطئها بصورة رياضية تفصيلية بعد، وتتحول الحدسية إلى مُبرهنة عندما يتم فعل ذلك.)

ولكن أين مُبرهنة فيرما الأخيرة من كُل هذا؟

الرابطة

على الرغم من أن المُجتمع الرياضي كان يرى أنه من المُستحيل إثبات مُبرهنة فيرما الأخيرة، كان الاعتقاد السائد هو أنها صحيحة. شخص واحد فقط فكر في العكس في عام 1985، عالم الرياضيات الألماني جِرار فراي.

ماذا لو أن فيرما كان مُخطئًا؟ ماذا لو كان هُناك بالفعل حلًا لمُعادلة فيرما، كيف سيبدو؟

قام فراي بعمل حل وهمي للمُعادلة وفقًا لهذا الافتراض، وكان شكل الحل الناتج هو مُنحنى إهليجي بخصائص غريبة. كان يبدو أن هذا المُنحنى الإهليجي غير نمطي، وهو ما يُخالف حدسية شيمورا-تانياما، والتي تنُص على أن كُل المُنحنيات الإهليجية نمطية.

ما يعنيه هذا هو إن كانت مُبرهنة فيرما الأخيرة غير صحيحة، فحدسية شيمورا-تانياما هي الأُخرى غير صحيحة. أو العكس: إذا تم إثبات أن حدسية شيمورا-تانياما صحيحة، فهذا يُعد إثباتًا ضمنيًا على أن مُبرهنة فيرما الأخيرة صحيحة. لقد وُلدت الرابطة أخيرًا!

ولكن كانت هُناك مُشكلة واحدة.

لم يُثبت فراي أن المُنحنى الإهليجي الناتج عن حل المُعادلة غير نمطي، هو فقط افترض ذلك. إلى أن يتم إثبات هذا الفرض، والذي أصبح يُعرف باسم “حدسية إبسلون”، فالرابطة لن تتأكد.

العُزلة

في أحد أيام 1986 كان أندرو وايلز يحتسي الشاي في منزل أحد الأصدقاء، عندما ذكر الأخير في مُنتصف حديثه “بالمُناسبة، هل سمعت عن أن حدسية إبسلون قد تم إثباتها؟”

يقُول أندرو عن هذه اللحظة: “وكأنني أُصبت بصدمة كهربائية. لقد علمت في هذه اللحظة أن مسار حياتي سيتغير، لأن كُل ما علي فعله لإثبات مُبرهنة فيرما الأخيرة هو إثبات حدسية شيمورا-تانياما”.

وهي ليست بالمُهمة السهلة على الإطلاق. في الحقيقة كانت نظرة الرياضيين في ذلك الوقت لحدسية شيمورا-تانياما مُطابقة لنظرتهم لمُبرهنة فيرما الأخيرة: من المُستحيل إثباتها.

ولكن ذلك لم يكُن يعني أي شيء بالنسبة لأندرو. مُنذ اللحظة التي سمع فيها عن تأكد الرابطة، ترك كُل أبحاثه وتفرغ بصوُرة تامة لإنجاز حلم طفولته. من أجل قطع جميع مصادر التشتيت والوصول لحالة من “التركيز الذي لا يتجزأ”، عمل أندرو بمُفرده وبسرية تامة، لسبع سنوات مُتواصلة.

تخيل أنك تُريد الذهاب لمدينة لا تعرف عنها سوى الاسم، ولا يُوجد على الكُرة الأرضية من يُمكنه إخبارك عن مكانها. ليس هذا فحسب، بل لا تُوجد وسيلة للتأكد من وجود المدينة أصلًا. بالرغم من كُل ذلك، أنت تحمل حقائبك وتُغادر وحيدًا بحثًا عنها لسبعة سنوات. تخيل أنك سرت في طريق ما لخمس سنوات وفي نهايته اصطدمت بحائط لم تتمكن من تجاوزه، ولكنك مع ذلك لم تيأس، بل عُدت لنُقطة الصفر مرة أُخرى للبحث عن طريق آخر.

هذا أقرب تشبيه لما حدث مع أندرو خلال تلك الفترة.

اللحظة

أندرو وايلز

بدأت بعض الشائعات في الانتشار خلال المؤتمر الرياضي الذي عُقد بجامعة كامبريدج في عام 1993. كان الناس يتحدثون عن سلسلة من ثلاثة مُحاضرات بعنوان “المُنحنيات الإهليجية والأشكال النمطية” سيُلقيها عالم رياضيات أربعيني يُسمى أندرو وايلز، والذي لم يذكر أي تفاصيل إضافية عن مُحتواها. بعضهم ذهب إليه ليسأله، وكان رده واحدًا في كُل الحالات: ابتسامة، ثُم “تعال إلى المُحاضرة لتعرف بنفسك.”

بدا أندرو طبيعيًاخلال الشرح، وكانت مُناقشاته في المُحاضرات الأولى تدور حول موضوعات مألوفة، ولكن لسبب ما كان الجو مشحونًا من حوله. كان هُناك ذلك الشعور بأن شيئًا ما سيحدث. مع اقتراب نهاية المُحاضرة الأخيرة، كان التوتر يزداد بمرور كل دقيقة.

ثُم جاءت اللحظة.

صمت تام باستثناء خربشة الطباشير على السبورة. أندرو يكتب نص مُبرهنة فيرما الأخيرة، ثُم ينطق ببضع كلمات يُنهي بها المُحاضرة: “وبهذا فلقد أثبت هذه، وأعتقد أنني سأتوقف هُنا.”

صمت تام، ثم تنفجر القاعة بالتصفيق.

الخطأ

تحول أندرو وايلز إلى نجم بين يوم وليلة. الجميع يتحدثون عن الرياضي الذي أتى بالمُستحيل، الرياضي الذي نجح فيما فشل فيه كُل من قبله لثلاثة قرون ونصف.

ولكن في ذلك الوقت تحديدًا ظهرت مُشكلة.

كما هي الحال مع مُعظم المُجتمعات العلمية الأُخرى، حتى يُقبل عمل علمي ما بشكل نهائي فلابُد من نشره في دورية علمية مُعترف بها بعد أن يخضع لعملية تُسمى “مُراجعة الأقران” (وهي أن يقوم عُلماء في نفس المجال بمُراجعة العمل العلمي للتأكد من صحته). خلال تلك العملية، ظهر خطأ في إثبات أندرو، كان هذا في سبتمبر 1993.

قضى أندرو الخريف في مُحاولة إصلاح هذا الخطأ بدون أن يصل لأي شيء. على عكس السنوات السابقة التي كان يعمل فيها بمُفرده وبدون ضغوط، هو الآن تحت ضغط هائل. الإعلام يتحدث عن عبقريته ليل نهار، ولا يعلم بعد أن لديه خطأ قد يهدم كُل ما قام به.

استعان أندرو بأحد طلابه السابقين لمُساعدته، ريتشارد تايلور، ولكن بدون فائدة.

الوحي

في 19 سبتمبر 1994، وبعد عام من المُحاولات الفاشلة، كان أندرو على وشك الاستسلام.

قرر أندرو النظر في المسألة للمرة الأخيرة حتى تستقر نفسه على أنه قام بالفعل بكُل ما يُمكنه القيام به. بينما كان ينظر إلى الأوراق المُبعثرة على مكتبه، وبدون أي مُقدمات، تنزل عليه ذلك الوحي.

المُشكلة التي كانت تمنعه من إكمال الإثبات بأسلوبه الحالي، هي نفس الخطوة التي كانت تنقصه لإكمال الإثبات بالأسلوب الذي تركه مُنذ ثلاث سنوات (بعد أن عمل عليه لخمس سنوات) لأنه لم يعرف كيف يُكمله.

يقُول أندرو إنه كان في حالة من عدم التصديق، لذا خرج من مكتبه لمُدة 20 دقيقة ثُم عاد مرة أُخرى. نعم، الإثبات لا يزال موجودًا على مكتبه. لقد وصل.

بحلول الساعة 11 صباح اليوم التالي كان أندرو قد أكمل الإثبات، وفي هذه المرة تم قبوله نهائيًا. في هذه المرة، دخل أندرو التاريخ بصورة رسمية.

الخاتمة

استغرق الأمر 31 عامًا من الطفل الصغير ليصل لما يُريد، ولكنه وصل. الدروس المُستفادة من هذه القصة أكثر من أن تحتويها فقرة واحدة، ولهذا سأترك أمر استخراجها لك.

كما بدأت المقال بحُلم أندرو ذي السنوات العشر، سأختم المقال بكلمات أندرو ذي السنوات الأربعين:

“لقد مُنحت هذه الهبة النادرة جدًا بأن تمكنت من الاستمرار في مُلاحقة حُلم طفولتي كشخص بالغ. أعلم أنها هبة نادرة، ولكن إن كان باستطاعة الفرد فعل ذلك، فهذا الأمر مُجزٍ أكثر من أي شيء يُمكنني تخيله.”

Notice

0

شاركنا رأيك حول "المسألة الأخيرة"