الاقتصاديات الإبداعية حول العالم

0

ظهرت أنواع جديدة وغير تقليدية من الاقتصاديات قد يقوم عليها اقتصاد بلاد بأكملها مثل اقتصاد المعرفة واقتصاد التنمية البشرية؛ والاقتصاد علم لم ينفصل ابداً عن تلبية احتياجات الإنسان والاحتياج الإنساني يخلق الإبداع لحل المشكلات الإنسانية بمعنى أدق necessity is the mother of invention أو الحاجة أم الاختراع.

لا يمكن وضع تعريف محدد حول الإقتصاد الإبداعي ولكن يمكن القول إن الاقتصاد الإبداعي بالنسبة للأشخاص أو الدول يعني ببساطة مدى تحويل الهواية أو الإبداع الشخصي إلى تدفق نقدي واستخدام الحلول غير التقليدية والإبداعية في حل المشكلات الاقتصادية، وحديثاً ومع زيادة أهمية استخدام تكنولوجيا المعلومات ومع تقدم وسائل الاتصال بدأت تظهر الحلول الاقتصادية الإبداعية حول العالم.

economics-second-year

فمثلاً يظهر مفهوم اقتصاد الفقراء في الهند فقد قام  أحد رجال الأعمال فى الهند “راتان تاتا” وهو حاصل على الدكتوراه الفخرية من مدرسة لندن للاقتصاد، كما سمته مجلة “فوربز”الأمريكية رجل أعمال العام 2005 راتان تاتا من قام بثورة تغير شاملة في تكنولوجيا صناعة السيارات على مستوى العالم، بعدما أخذ على عاتقه تصنيع سيارة زهيدة الثمن حتى تكون في متناول الجميع. كانت الفكرة في البداية أشبه بالحلم عندما شاهد “راتان” أسرة مكونة من أربعة أفراد فوق دراجة بخارية في ليلة ممطرة، فقرر ضرورة توفير وسيلة أكثر راحة للتنقل يمكن للأسر والعمال والمزارعين تحمل تكاليفها، وبالفعل تم تصنيع سيارة تاتا نانو (أرخص سيارة فى العالم )! نعم ارخص سيارة بالعالم ليس هذا فقط بل إن الهند أيضاً قدمت للعالم في إطار ما يمكن أن نسمية اقتصاد الفقراء الكثير. فقد نفذت مشروعاً بتوفير جهاز كمبيوتر محمول مطوّر، بسعر 35 دولاراً، يعتبر الجهاز أرخص كمبيوتر محمول في العالم، ويعمل بتقنية اللمس، وتعتبر الهند أول بلد في العالم تحاول أن تبتكر صناعة متطورة بتكاليف أقل لرفع مستوى الأقل دخلاً.

وتجربة بنك الفقراء (جرامين) في بنجلاديش وهو فكرة اقتصادية بديعة غيرت من الحياة الاقتصادية والاجتماعية فى بنجلاديش والتي انخفض فيها نسبة الفقر انخفاض كبير في بنجلاديش وأصبح البنك نموذجاً في محاربة الفقر في الاقتصاديات العالمية، حيث يتعامل البنك بقروض صغيرة جداً بفائدة قليلة تقضي على التعثر وتصنع حياة للفقراء وخصوصاً في القرى الصغيرة والمناطق الأقل تنمية كما يعطي البنك الأولوية للنساء في الريف اللواتي يشكلن 96% من مقترضي البنك، ويعمل على تحسين أوضاعهن والغريب أن البنك يحقق أرباحاً سنوية أي المقصود هنا خلق أفكار اقتصادية جديدة لجعل الفقراء في المجتمع قوة منتجة وليس عبئاً على الاقتصاد الوطني وتبني مشروعات قومية في هذا الصدد.

وهناك دول كثيرة فى العالم قامت على اقتصاديات غير تقليدية مثل الصين، إذ كانت البداية في صناعات متناهية الصغر والصناعات الصغيرة ثم العمل بخطط مدروسة وصولاً إلى الصناعات الحربية والسيارات والطائرات، وهناك دول اقتصادها يقوم على السياحة أو الخدمات أو أي اقتصاد غير تقليدي، وربما ظهور دول مثل دولة بنما وقناتها المائية حيث صنعت هذه القناة دوراً كبيراً في اقتصاد هذه الدولة كل ذلك أدى إلى ظهور اقتصاد جديد ومهن حرة جديدة حول العالم حتى من خلال الإعلام الاجتماعي الذي ساهم في التسويق المباشر والوصول السريع لأكبر قدر ممكن من العملاء في مختلف الدول وعلى سبيل المثال لا الحصر اقتصاديات جديدة ظهرت من خلال وسائل الإعلام الاجتماعي مثل تنظيم المؤتمرات والتصوير للهواة والمحترفين وكتابة المقالات والكتب وتحميل الكتب وتنظيم الموارد البشرية من خلال تسويق السير الذاتية والبحث عن عمل والتواصل مع المعجبين والعملاء بالنسبة للمسوّق، سواء كان لسلعة أو خدمة ويندرج في هذا المجال الملكية الفكرية، وحقوق النشر، والنماذج، والعلامات التجارية، والتصاميم، وبراءات الاختراع، والأعمال الفنية، والموسيقى، وبرامج الحاسوب، والتصوير الضوئي، والأفلام، والفيديو، والألعاب، والعمارة، والبحوث، والتطوير، وتصميم الملابس والمنتجات، وهناك على سبيل المثال في الهند صناعة البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات والتي غزت بها العالم وأصبحت أحد أهم مصادر الدخل القومي وفي أمريكا الجنوبية صناعة الرياضة وتنظيم الأحداث الرياضية واحتراف اللاعبين في الدول الأوروبية وعودة الأموال على الأندية المحلية وبالتالي ضخ عملة صعبة في السوق المحلية ودفع الضرائب والرسوم  للدولة وهذا يساهم فى انتعاش اقتصادي كبير هذه البلاد إذا أحسنت هذه الدول إدارة هذه الموارد.

world-economy-
وفي تركيا مثلاً حيث صناعة القمامة وإعادة تدويرها بصناعات مفيدة وهناك العديد من الأمثلة حول العالم.

وفي السويد شركة IKEA الشركة التي يوجد لديها 2000 موزع في 67 دولة و 136 فرعاً في 28 دولة بدأت رغبة جامحة من بائع كبريت اسمه انغفار كامبراد حوّل حلمه إلى واقع من خلال التحول إلى صاحب أكبر شركة أثاث عالمية، عندما تزور متجر الشركة في أي فرع لها حول العالم ستجد نفسك وكأنك فى السويد البلد الأم للشركة، إذ حاولت الشركة توفير كل سبل الراحة للعميل من خلال طريقة العرض للمنتجات أو حتى فتح مطعم خاص في المتجر ومن خلال المطعم يتم تسويق أنواع الطعام السويدي فهو ليس متجراً وليست مجرد شركة إنما هي خير سفير للاقتصاد السويدي ونموذج للإبداع الاقتصادى في الشركات في العالم  ليس المقصود هنا بالابداع هو افكار أو مستوى جودة منتجات الشركة إنما الإبداع فى التسويق وطريقة العرض ورسالة ورؤية الشركة. الاقتصاد الإبداعي اليوم القطاع الرئيسي والمهيمن في المهن والأعمال والتجارة والاقتصاد، وصار المقياس الأساسي للتقدم الاقتصادي وهو اقتصاد يتطور مع تطور التقنية وبخاصة في مجالات الاتصالات والمعلوماتية، وبالإرتقاء الإنساني وتطور حاجاته، فالإنسان يتطلع بعد تلبية احتياجاته المادية إلى الاحتياجات الروحية والفكرية، وهذه المنتجات بدورها تطور وتعظم الموارد المادية الملموسة والاحتياجات المادية أيضا كالعمارة واللباس والطعام، ويمكن ببساطة ملاحظة الإبداع والخيال في تطوير وتعظيم هذه المرافق والاحتياجات، وكأن الأمم تتقدم وتزيد مواردها بما تملك من جمال وخيال هذه الأفكار كنموذج للاقتصاد الإبداعي يمكن أن تكون نقطة تحول للعديد من الشباب في تكوين صناعة إبداعية لو تسهلت عملية الترحيب بالأفكار أو على الأقل تسجيلها وحمايتها رقميا بدلا من المراجعة المملة.

وقد تناول تقرير الاقتصاد الإبداعي للأمم المتحدة للعام 2013، الذي نتج عن تعاون مشترك ما بين منظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعم من مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون. يعرض التقرير بعض النتائج المتعلقة ببلدان معينة، وذلك بهدف أن تكون أداة ملهمة للآخرين لإيجاد سبلهم المميزة للتنمية المحلية. فهو يراجع أكثر من 80 برنامجاً ثقافياً وتنموياً في العالم من «صندوق الإنجازات للأهداف الإنمائية للألفية المقبلة» الممول من حكومة إسبانيا إلى الصندوق العالمي للتنوع الثقافي التابع لليونيسكو.

في البيرو أدّى برنامج تنموي مشترك مع «صندوق الإنجازات للأهداف الإنمائية للألفية المقبلة» إلى تدريب الحرفيين المحليين على إنتاج مشروب محلي بطريقة أكثر فاعلية، ولم تؤدّ المبادرة إلى زيادة الأرباح فقط، ولكنّها ساعدت أيضاً على تشغيل النساء اللواتي عادة ما يكنّ مهمشات في المجتمعات المحلية. كما طوّرت التنمية البيئية من خلال إدخال الأفران الّتي تعمل على الغاز. حتّى أنّه كان لهذه المبادرة تأثير على السياسات العامة من أجل احتضان الصناعات الإبداعية على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلّية.

وفي السنغال، قامت إحدى الأكاديميات الموسيقية بتدريب الشباب المحليين على التصميم والرسم الرقمي والإنتاج الموسيقي والتسويق والإعلانات. فساعد هذا البرنامج المبتكر على تمكين الشباب من الاستثمار في قدراتهم محلّيًا والوصول إلى الأسواق العالمية. كما أنّه ساهم في المحافظة على الثقافة الفنية في الوقت الّذي ساعد على استثمار التطوّر التكنولوجي من أجل النمو.

في الوطن العربي وفي مصر هناك مشروع «نقادة» لصناعة المنتجات المعاصرة باستخدام أساليب بدائية كانت معتمدة في الريف المصري. يعمد هذا المشروع إلى إعادة فن الحياكة في مصر حيث اندثرت هذه الحرفة بعدما واجهت كثيراً من الصعاب. وبعدما كان مشروع “نقادة” مبادرة صغيرة على نطاق ضيق، تحوّل إلى مشروع ناجح استطاع أن يضمن وجوداً محلياً قوياً في الوقت الذي حقق فيه انفتاحاً عالمياً وأصبح يسوّق منتجاته ذات الجودة العالية في بلدان مثل إيطاليا واليابان ولبنان.

وقد ذكر التقرير أن التجارة العالمية للسلع والخدمات الإبداعية بلغت رقماً قياسياً هو 624 مليار دولار أميركي في عام 2011، وازدادت أكثر من الضعف بين عام 2002 وعام 2011. وفي الوقت عينه، يتمتع الإبداع والثقافة أيضاً بقيمة كبرى غير نقدية تُسهم في التنمية الاجتماعية الشاملة والحوار والتفاهم بين الشعوب.

وفي مصر كنموذج من العالم العربي يوجد العديد من الأفكار لتنمية وإنعاش الاقتصاد الوطني مثل الاستفادة من أموال الوقف وتدوير المخلفات وتحلية المياه لزراعة الصحراء والسياحة العلاجية وخدمات قناة السويس والخلاصة أن الاقتصاد الوطني يحتاج إلى حلول إبداعية وجذرية للخروج من الأزمة الحالية فيجب الاستفادة من الاقتصاد الإبداعي والخروج بأفكار غير تقليدية للخروج من أزمة الاقتصاد المصري من أجل مستقبل أفضل.

في النهاية النجاح الاقتصادي لابد أن ينعكس على الحياة الاجتماعية بل والحياة السياسية للدول كما شاهدنا فإن المشاكل الاقتصادية وقلة الموارد تكون دافعاً هاماً للخروج بحلول اقتصادية إبداعية وتمكن الاستفادة من هذه النماذج حول العالم للتطبيق في عالمنا العربي.

 [1] التقرير كاملًا

http://unesdoc.unesco.org/images/0022/002246/224698a.pdf

Notice

0

شاركنا رأيك حول "الاقتصاديات الإبداعية حول العالم"