0

كل الكائنات تمرض، وعندما يمرض الإنسان فهو يلجأ للدواء. كان الناس في العصور القديمة يستشفون بأي شيء، ابتداءً من حرق الجمجمة وضرب الرأس لطرد الأرواح الشريرة، وليس انتهاء بخلطات الأعشاب المبنية على الشعوذة في معظمها، أما القليل منها فعلى مبدأ التجربة والخطأ.

علاج قديم

ومنذ بدأت الأدوية الحديثة بالظهور، وُضعت قواعد صارمة تحكم الصناعة الدوائية، هدفها الأسمى هو الحفاظ على صحة وسلام الإنسان بأقل مخاطر ممكنة.

الطريق الطويلة

الطريق الطويلة لدواء جديد

قطعت الأدوية المتداولة حالياً شوطاً كبيراً وطويلاً استغرق ما يقارب 15-20 سنة، حتى سُمح باستخدامها.
فلنفرض أننا نريد اختراع دواء لعلاج داء القرحة، والتي هي مرض ينتج بسبب زيادة إفراز حمض الهيدروكلوريك في المعدة بشكل مستمر، فبالتالي نحتاج لدواء يمنع المعدة من إفراز هذا الحمض، إذاً نحن لدينا هدف هو الخلايا المسؤولة عن إفراز هذا الحمض. تحال هذه الفكرة لفريق من الصيادلة المتخصصين بالكيمياء الطبية Medicinal chemistry حتى يبحثوا عن المركب الملائم ليكون دواء، تسمى هذه المرحلة مرحلة الاستكشاف، ويقوم من خلالها هؤلاء الصيادلة بمسح آلاف مؤلفة من المركبات التي لربما تحمل بعض الخصائص الكيميائية التي يحتاجها الدواء المنشود، بعد انتهاء المسح يخلص العلماء لعدد من المرشحين، تُجرى اختبارات محاكاة باستخدام برمجيات على الحاسوب لمعرفة أي من هؤلاء المرشحين هو الأقدر على إصابة الهدف ومنع الخلايا من إفراز الحمض، بعدها يأخذ العلماء على سبيل المثال أفضل 3 مركبات ويبدؤون بتجربتها على أنسجة معزولة من المعدة (يتم الحصول عليها إما من حيوانات أو عن طريق الخلايا الجذعية) فإن أثبتت فاعليتها يجربون هذه المركبات الثلاثة على الحيوانات، ويبدؤون بقياس فاعلية الدواء ونسبة الامتصاص والزمن اللازم حتى يصل الدواء لأعلى فاعلية له والأعراض الجانبية ومقدار الجرعة الآمنة ومقدار الجرعة المميتة .. إلى آخره من القياسات. هذه العملية لوحدها تستغرق ما لا يقل عن 5 سنوات وفي نهايتها نكون قد حصلنا على مركب واحد قدم أفضل نتائج.

بعد هذا كله نبدأ بتجربة الدواء على الإنسان، نبدأ بمجموعة صغيرة (1-10) ثم تكبر رويداً رويداً حسب معطيات المرحلة السابقة إلى أن تصل إلى 10 آلاف شخص. وهذه الدراسات على البشر تأخذ على الأقل 5 سنوات أخرى.

أدوية وعلاجات

بعدما نتأكد من أن الدواء آمن على البشر ويقوم بالأثر المطلوب بالشكل المطلوب وأننا قد أحصينا كل شيء يقوم به الدواء داخل الجسم من لحظة دخوله للحظة خروجه، نتقدم بكل هذا الكلام في الأعلى إلى…

مؤسسة الغذاء و الدواء

شعار مؤسسة الغذاء والدواء

قد تكونوا قد سمعتم بهذا الاسم سابقاً في نشرات الأخبار، لكن ما هي الـ FDA؟
تعنى مؤسسة الغذاء والدواء بسلامة الغذاء والدواء، كما يوحي اسمها، فهي تفحص جميع المواد الغذائية والأدوية المستوردة أو المنتجة على أرض الدولة وتعطي موافقات بإدخالها، وتصدر تعليمات النقل والتخزين وغيرها. أشهرها مؤسسة الغذاء و الدواء الأمريكية.

المؤسسة العامة للغذاء والدواء في الأردن

إن الأردن أول دولة عربية تنشئ مؤسسة الغذاء والدواء في الوطن العربي.

فكما أسلفنا يقدم المصنع كل الأبحاث والمعلومات الموثقة إلى منظمة الدواء والغذاء FDA حيث تدرسها بتعمق شديد وتعطي توصيات إما بالسماح للمصنع بالبدء بتصنيع الدواء وإرساله للسوق أو إجراء المزيد من الدراسات (مثلاً لم تتم دراسة تأثير الدواء بالشكل الكاف على مرضى السكري).

فالمفترض أنه بعد عناء شديد حصل دواؤنا على الموافقة من الغذاء و الدواء FDA ننتقل إلى مرحلة أخرى وهي التصنيع.

أسس التصنيع الجيد

جهاز فحص الأقراص الدوائية

لا يكفي أن نقرر صنع الدواء، فاختيار الشكل الصيدلاني المناسب ضروري لإعطاء الأثر العلاجي المطلوب، ولكل شكل صيدلاني اختباراته المعقدة لتضمن وصول دواء ذي كفاءة عالية للمريض، فمثلاً توضع الحبوب في هذا الجهاز حتى نقيس مدى قوتها وتحملها للصدمات.

وهذا واحد من العديد من الاختبارات الصارمة التي تجرى على المنتج النهائي للتأكد من جودته العالية، فهنا إما أن يكون المنتج ذو جودة عالية ومطابق لمواصفات دستور الأدوية وإما أنه سيُرفض ولن يصل السوق.

تاريخ انتهاء أحد الأدوية

كما توجب أسس التصنيع الجيد على المصنع الالتزام بقواعد ومعايير لهيكلته وتنظيمه حتى على مستوى مخطط المبنى؛ ابتداء من تقسيم الحجرات ونظام التهوية المعقد ولباس الأفراد وتعقيم الآلات وليس انتهاء بغرف معقمة أكثر من غرف العمليات نفسها يكلف تجهيز الواحدة منها مئات ملايين الدولارات.

ومن الأسرار التي سأبوح لكم بها في النهاية هو أن تاريخ الانتهاء المكتوب على عبوة الدواء (وفقط الدواء) يعني أن الدواء فقد 10% من فاعليته وبقي 90%، فنحن الصيادلة لا نقبل أن يتناول المريض دواءً فاعليته أقل من 90%.

المصادر:

1.     كتاب Remington’s Pharmaceutical sciences
2.    www.fda.gov موقع مؤسسة الغذاء و الدواء الأمريكية
3.    www.jfda.gov.jo  موقع المؤسسة العامة للغذاء و الدواء ، الأردن

0

شاركنا رأيك حول "صناعة الدواء: إبداع وإتقان"

أضف تعليقًا