ميوتشي: قصة حزينة لعبقري لم ينصفه التاريخ!

0

وفجأه ظهر صوت خافت يكاد لا يُسمع…

…. Mr. Watson! Come here, I want to see you

رُسمت الدهشة على وجوه الحاضرين. توقفت الأفواه عاجزةً عن الكلام … ساد صمت رهيب ظهر معه دقات عقارب الساعات الفاخرة. ماهى إلا ثوان وتعـالت الأصوات من كل اتجاه! مزيج بين صيحات الانبهار ورنين التصفيق وصدى المفاجأة. هنا وُلِدَت لحظة عجيبة شهدت “أول كلمات تمر من خلال أسلاك فى التاريخ” معلنةً عن أعظم اختراع فى تاريخ الاتصالات وأحد أهم الاختراعات على الإطلاق!

اختراع الهاتف

“الهاتف – Telephone” يرى النور أخيراً عام 1876م على يد العالم الأمريكي الأسكتلندي (ألكسندر جراهام بيل – Alexander Graham Bell) صاحب العديد من الاختراعات العظيمة، من بينها أسطورة اختراع “الهاتف التقليدي” أوصله لمكانة خاصة جداً بين عظماء غيروا من شكل العالم.

لكن لحظة! ربما لو تعمقت أكثر وأكثر بين خبايا التاريخ، ستجد حقيقة تائهة وقصة عشوائيةعن الرواية الفعلية لـ (اختراع الهاتف)  منذ البداية وحتى الآن. أسماء مثل ألكسندر جراهام بيل، أليشا جراي، يوهان فيليب ريس  لمعت وبقوة داخل حلقات مسلسل اختراع الهاتف على الرغم من أن جراهام بيل هو من فاز بدور البطولة فى النهاية، إلا انهم جميعاً سطعوا بين الحين والآخر وأخذوا حقهم الكامل من تقدير واهتمام وأنصفهم العلم في أغلب الأوقات ليكتب أسماءهم بسطور من ذهب في سجلات العباقرة.

حـاولت الغوص أعمق داخل هذا المارثون الطويـل لأحصل على صاحب السبق بين هؤلاء، لكنى اصطدمت بحقيقة مغايرة تماماً ومحزنة للغاية تستحق الكثير من الحديث. حقيقة شخص مُهمش، منسـي، ومُستبعد من ركن العظماء لدى مكتبة التاريخ، على الرغم من أنه يجب أن يتواجد بينهم بكل قوة وربما يستحق مكانة أفضل من دور البطولة!

من حارس بوابة إلـى مخترع فَذٍّ!

أنطونيو ميوتشي- Antonio Meucci، مخترع إيطالي ولد فى 13 أبريل 1808م بسان فريديانو القريبة من فلورنسـا. التحق بأكاديمية الفنون الجميلة بفلورنسا وعمرة 15 عاماً فقط كأصغر من التحق بهـا فى ذلك الوقت، ودرس خلالهـا الهندسة الكيميائية والميكانيكية  والتصميم الفني إلى جانب دراسة الفيزياء.

أنطونيو ميوتشي

بدايته العملية كانت حارس لبوابة من أجل الحصول على المال الكافي لتكملة دراسته. لازمه هذا العمل حتى انتهى من دراسته تماماً لينتقل للعمل فى مسرح Teatro della Pergola كمصمم لديكور المناظر الطبيعية، ثم هاجر إلى كوبا عام 1835م ومعه زوجته للعمل بمسرح “هافانا الكبير” الذى كان بمثابة المسرح الأكبر في الأمريكتين فى ذلك الوقت. عمل بعد ذلك مساعداً لصديق كان يعمل طبيباً بهدف تطوير جهاز يساعد المرضى الذين يعانون من التهــاب المفاصل…  وهذه تعتبر نقطة فاصلة.

رُبَّ ضَـــــارَّةٍ تبتكـــر هاتف!

فى عام 1854م أُصيبت زوجته بمرض “روماتيزم المفاصل” مما جعلها طريحة الفراش وغير قادرة على الحركة، ما دفعه لتكثيف أبحاثه حول “المبادئ الأساسية لنقل الصوت الكهرومغناطيسية” مستعينًا بابتكار سابق له ” telegrafo parlante – التليغراف المتحدث” محاولة منه لمساعدتها بأي طريقة. بعد هذا الحدث بعامين توصل أخيراً إلى فكرة عبقرية تُشجعه لمواصلة أبحاثه بكوخه في الدور السفلي كما اعتاد أن يعمل بجانب التحدث مع زوجته في نفس الوقت بحجرتها بالدور العلوي، عن طريق نقل الذبذبات الصوتية بينهما خلال أسلاك منزلية البسيطة .. وهذا ما عُرف فيما بعد بـ “اختراع الهاتف الكهرومغناطيسي”!

لا يوجد من يسمع لـصوت ميوتشي

بعد هذا الاكتشاف المدهش بعامين، دعا أنطونيو الفنان نيستور كورادي Nestore Corradi لرسم مخططاته حول اختراعه العجيب، كنوع من التوثيق وتقديمه فيما بعد كبراءة اختراع. وحاول استغلال أوراقه لإقناع بعض رجال الأعمال الإيطاليين لتمويـل مشروعه لكن الوضع لم يكن مستقر في إيطاليا بسبب كثرة النزاعات العسكرية.. فلم تلاق ترحيباً يُذكر!

محاولة أخرى كانت في عام 1871م عند  ذهابه إلى المكتب الأمريكي لبراءات الاختراع  لتسجيل اختراعه بجانب علامة تجارية خاصة، لكنه وجد أن المال الذى يملكه يكفيه لتسجيـل براءة اختراع مبدئية فقط، لذلك تعتبر محاولة فاشلة هي الأخرى. بعد هذه القصة بثلاث سنوات قرر أنطونيو تقديم أفضل ما عنده والذهاب إلى نيوجيرسي في مغامرة  لتقديم اختراعه لشركة “ويسترن يونيون – Western Union” بغرض اختبار وتشغيل أفكاره على خطوط التلغراف الخاصة بالشركة  التي كانت أكبر شركة للتلغراف على مستوى العالم قبل أن تُغيّر اعمالها استسلاماً للتكنولوجيـا. وبالفعل قدم جميع أفكاره و مخططاته إلى المسؤولين، لكن الصدمة جاءت بالتهميش التام، ورفضتها الشركة فى النهاية والحجة هذه المرة كانت “لقد اختفت أوراقك”!

فقر يمحو كفاح سنوات

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فإن الرجل تعرض لحادث مأساوي على باخرة عودته لدياره، أدى إلى إصابته بحروق خطيرة مما دفع زوجته لبيع كثير من متعلقاته الشخصية لتاجر خردة من أجل الحصول على قليل من المال لعلاجه. وكان من ضمنها للأسف النماذج النهائية لـ “اختراع الهاتف”!

وبعد أن تعافى اتجه إلى نفس التاجر بأمل استعادتها مرة اخرى لكنه فوجئ بأنه باعها لشخص مجهول، لم يتم معرفته حتى اللحظة! ولنقل أن هذه الحادثة كتبت آخر سطور قصة صراع أنطونيو من أجل تقديم اختراع  ثوري للعالم … لكنها لم توقف نضــاله الذى سيبدأ بعدها بأعوام.

مراحل اكتشاف هاتف ميوتشي بالأرقــام

  • 1856 اكتشف  طريقة لنقل الصوت من خلال نقل الذبذبات الصوتية بأسلاك منزله البسيطة.
  • 1858 دوّن فكرته عن طريق رسم من تنفيذ الفنان نيستور كورادي Nestore Corradi.
  • 1860 طبق الهاتف بشكل فعلي وبصورة  أدق بين حجرة زوجته المريضة وكوخه الصغير “معمله الخاص”.
  • 1865 طوّر من فكرة الهاتف وجعلها أكثر قوة ودونها عن طريق نفس الرســام.
  • 1870 استطاع أن يزيد من كفاءة الهاتف للعمل حتى مسافة “ميــل كامل” عن طريق “لفة النحاس الدقيقة المعزولة بالقطن”
  • 1871 تقدم إلى المكتب الأمريكي لبراءات الاختراع لإثبات فكرته لكنه لم يستطع تكملة ذلك بسبب فقره الشديد.
  • 1874 سافر إلى نيوجيرسي لعرض اختراعه على شركة “ويسترن يونيون” الشهيرة للحصول على الدعم المناسب مقابل جزء من الأرباح، لكنه قوبل بالرفض.
  • الفترة بين عامي (1874 – 1875) فقد كل النماذج التى نفذها بين 1856 – 1865م  لشخص مجهول.

فى صبيحة يوم 10 مارس 1876م، تغنى العالم باختراع  يُدعى “هاتف” وتعالت أصوات الصحف بهذا الاكتشاف على يد باحث أسكتلندي يدعى جراهام بيل! هذا الخبر كان كفيلاً بالقضاء على حياة ميوتشي بهدوء، لكنه أعاد إليه روح الصراع مرة اخرى وجعل هدفه الأخير هو النضال من أجل إثبات أسبقيته فى هذا الاختراع الثوري.

كفاح عظيم يكتب نهــاية يُرثى لهـا!

فى الفترة بين 1858 –  1860 نشر أنطونيو  مخططاته فى مجلة L’Eco d’Italia الإيطالية، لكن الظروف العسكرية والوضع السياسي المتدهور لم تساعد على الانتباه إلى فكرته الثورية، وأراد أن يرجع للجريدة لتكون سند له فى نضاله لكنه صُدم باختفاء هذا العدد من الصحيفة!

بحلول عام 1861م أصبحت حالته المادية مُنعدمة تماماً فاضطر لبيع منزله بالكامل، لكن صاحب المنزل الجديد سمح له بالعيش فى كوخة الصغير! وقبل أن يتقدم لتوثيق اختراعه قام بعقد اتفاق مع مسؤولين إيطاليين عام 1871م  يقضي بمساعدته مادياً لإثباته مقابل تاسيس شركة تحت اسم ” telettrofono ” لكن قوبل بدعم مالى ضئيل جداً.

آخر أيامه كانت كارثية بكل ما تحمله الكلمة، حيث فقد كل شيء بداية من منزله مروراً بوفاة زوجته.. ثم انتهى بفقدان كل ما يملك من مال، مما جعله يعيش على تبرعـات العامة وبعض من أصدقائه الأوفياء!

صراع ميوتشي على اللقب!

بعد دعوات متعددة وقضايا كثيرة من ميوتشي على كل ما يتعلق بجراهام بيل استمرت لسنوات، حكومة الولايات المتحدة الأمريكية تتحرك بجدية في 1887م  لإلغاء براءة الاختراع الممنوحة إلى جراهام بل على خلفية النصب والخداع، لكن ذلك لم يحدث! وفي عام 1889م، اعترفت أخيراً إحدى محاكم نيويورك بشكل مبدئي بأن أنطونيو على صواب وقررت إعداد جلسة اخرى للاستماع لكلا الطرفين وتقديم مزيد من الأدلة … ولكن للأسف ذلك أيضاً لم يـتم!

إلى أن جاء يـوم  18 أكتوبر 1889، والذي شهد وفاة العالم العبقرى و”الوفي” أنطونيو ميوتشي وحيـــداً بعد رحلة صغيرة مع المرض استمرت سبعة أشهر…. وتوقفت معه جميع الأعمال القضائية ضد جراهام بيل!

لكن، وبعد وفــاته بثلاثة عشر عاماً، وبالتحديد في يوم 11 يونيو عام 2002م، أصدر مجلس النواب الأمريكى قرار رقم 269 بأحقية  ” أنطونيو ميوتشي “ببراءة اختراع أول هاتف فى التاريخ” وبالتالى إقرار “خدعة ” جراهام بيل الكبرى وأنه مجرد ناقل لأفكار العالم الايطالى العبقري!

نقــاط تدعو للتفكيــــر

  • هناك معلومات تفيد أن المخترع انسونزو ماتزيتى – Innocenzo Manzetti هو أول من ناقش فكرة “التلغراف الناطق” عام 1844م، وتم تكرار نشر فكرته عام 1854م عن طريق تشارلز بورسيول Charles Bourseul في مجلة L’Illustration تحت عنوان “انتقال الصوت عن طريق الكهرباء”.

  • قام الفيزيائي يوهان فيليب  Johann Philipp Reis بالإعلان عن اختراع لنقل الصوت بالأسلاك لمسافة 100 متر يحمل اسم “ريس- Reis” بأحد معاهد فرانكفورت – ألمانيا وذلك عام 1861م.
  • كان هناك صراع قديم بين كلاً من جراهم بيل، وأليشا جراي، ويوهان فيليب على براءات الاختراع التى تخص الهاتف والتي يدعي كل منهما أسبقيته، كل هذا في الفترة بين 1861 و1875.

  • كشفت الوثائق بعد ذلك أن جراهام بيل بعد أن وثق اختراع الهاتف عام 1876، نقل مخططات أليشا جراي التي كان ينوي تقديمها قبله إلى مذكراته بخط يده وبصورة مطابقة تماماً، مما دفع أليشا جراي بإلغاء طلبة لبراءة اختراعه!

مخططات أليشا غراي ومذكرات جراهام بيل

الخلاصة

ربما تقول هذه الحقائق التاريخية أن انسونزو ماتزيتي هو صاحب شرارة البداية، وربما أيضاً إن يوهان فيليب صاحب السبــق، أو تؤكد أن بطل اليوم هو من قدم فكرته “الاضطرارية” كأول مبتكر لهاتف فى التاريخ. ومن المرجح أن جميعهم اشتركوا فى تقديم “بداية” هذا الاختراع الاستثنائي إلى عالمنا. لكن المؤكـــد فى جميع الأحوال أن جراهام بيل ليس مخترع الهاتف كما يُقال. ربما يكون مجرد مرحلة تُضيف له … أو “مخادع” سرق مجهود الكثيرين.

لكن أكثر ما تبين لــنا هو أن هذا الرجل أنطونيو ميوتشي عبقري “مًخلـص” ومجتهد من أعلى طراز. غلبه الفقر، ولم ينصفه القضاء فى الماضي وإن فعل في الحاضر .. ومع ذلك ظلمه التاريخ!

 

0

شاركنا رأيك حول "ميوتشي: قصة حزينة لعبقري لم ينصفه التاريخ!"