هل التربية عملية طبيعية أم جهد مصطنع؟ فلسفة جان جاك روسو التربوية

جان جاك روسو
د. بتول محمد
د. بتول محمد

5 د

وُجِدت التربيةُ منذ وجد آباءٌ وأمهات، فالطفل يحتاج للرعاية والاهتمام، وقد قدمت أكثر الشعوب بدائية نماذج هامة في التربية، ورغم أنها لم تكن نماذج مكتملة أو مبنية على نظريات، إلا أنها مثلت أولى المحاولات التربوية في العالم، وساهمت في بناء الكثير من النظريات التربوية اللاحقة.

تطورت التربية مع الوقت لتصبح آلية في استبدال ردود الفعل الطبيعية للأطفال بردود فعل مصممة ومجهزة، فقد اعتقد التربويون أن التربية تعني إعادة هيكلة الإنسان وفق نماذج يرغبون بإنتاجها، وهذا تسبب مع الوقت بظهور أجيالٍ مؤدلجةٍ ومنمطةٍ بأفكارٍ محددة وبعيدةٍ عن العاطفةِ والرغبات الطبيعية.

وكرد فعل على التربية المصطنعة، جاءت نظريات التربية التي دعت للعودة إلى الطبيعة، من خلال العمل على تنمية الغرائز والميول الطبيعية لدى الطفل، بدل التعامل معه كراشد وتلقينه جملة من القواعد لطريقة حياته، وكيفية ارتدائه الملابس وتناول الطعام، وتجميع المعلومات والمعارف وتكثيفها في حياته، وتقييم أدائه بكميتها لا بمدى فائدتها.

انطلاقاً مما سبق جاءت نظرية روسو التربوية في القرن الثامن عشر لتعيد التربية إلى طبيعة افتقرت إليها في قرون ماضية، وانطلق في كتابه "إميل" والذي يعد واحداً من أشهر كتب التربية، من عدة مبادئ تربوية سنتعرف على أهمها:


مبدأ براءة الطفل التامة

"كل شيء خرج من بين يدي خالق الأشياء حسنٌ خيّر، وكل شيء يفسد بين يدي الإنسان" هذا ما يبتدئ به روسو كتابه إميل، ليبين أن كل ما يخرج من الطبيعة جيد ومفيد، بينما يصبح سيئاً عندما تطاله يد المجتمع.

ذو صلة

ويرى روسو أنه من الضروري أن نحاول الحفاظ على براءة الطفل، فليس المهم أن يتم تنميط الطفل وفق قواعد وقوانين ثابتة، وإنما الأهم أن نحافظ على عفويته وانسجامه مع الطبيعة التي تجعل منه إنساناً بالدرجة الأولى، ويكون ذلك بالممارسة وليس بالتلقين.

اعتبر روسو التربية عملية حياة، عملية تدوم من الولادة إلى الرشد ولذلك فمعناها لا ينحصر في دور خاص أو حالة مستقلة بل في العملية ذاتها.

ولكي نستبقي على براءة الطفل علينا أن ننطلق من حقيقة أن التربية ليست عملية اصطناعية قاسية معاكسة لكل ميل طبيعي تجعل من الطفل، الذي تعتبره رجلاً صغيراً، راشداً كبيراً على يد معلم قاس، وإنما هي عملية تسمح للطفل بأن يعيش طفولته وفق طبيعته الأساسية "فالطبيعة تندبه قبل كل شيء للحياة الإنسانية".

إضافة إلى ما سبق يبين روسو أهمية ألا توكّل الأمهات تربية أبنائهم إلى المربيات، إذ يجب أن يحصل الطفل على حقه من رعاية الأم "فحنان الأم لا يستعاض عنه"، كما أنه من السيء أن نحجز حرية الطفل بملابس ضيقة تمنعه من الحركة بحرية، والنمو بطبيعية، وتكتمل هذه الرعاية برعاية الأب الذي يكون دوره بمثابة المؤدب الذي يجب أن يكون محباً ومتسامحاً.


التخلص من طرائق التربية المصطنعة

يبين روسو ضرورة أن تستخدم طرائق مناسبة في التربية، إذ لا يجب استخدام طرائق متكلفة في التعليم، وعلى المربي الفاضل أن ينتبه للطفل ويتبع للتربية الطبيعية "لتعد الرجل كي يكون لائقاً للحياة في جميع الظروف البشرية"، ولذلك يجب أن يكون أول ما يتعلمه الشجاعة والإرادة "إذ لا ينبغي أن يعرف الطفل ما هي الطاعة حين يعمل، ولا ما هو التسلط حين نعمل من أجله، بل يجب أن يشعر بحريته في أفعاله وفي أفعالنا على السواء".

إضافة إلى ذلك يبين روسو ضرورة التركيز على الممارسة العملية في التربية "والدروس العملية في الفضيلة، ومرادي أن يشب تلميذي طيباً فاضلاً ومتعلماً، ولذا لا أطالبه مطلقاً بالصدق، حتى لا يضطر إلى إخفاء الحقيقة" وهذا يكسب الطفل فضيلة حقيقية لا ريب فيها، ويجعله يبتعد عن الكذب والخديعة، لأنه لا يخاف قول الحقيقة.

أما فيما يخص الدراسة فيجب الانتباه لعدم الانتقال في تعليمه من المحسوسات إلى الأفكار المجردة دفعة واحدة، وإنما يجب أن تكون الحواس دليل الطفل الأولى، وهذا يقودنا إلى الطبيعة مرة أخرى، فهي المنبع الأساسي لمعلومات الطفل.

إذاً علينا أن نجعل الطفل يتعلم من الطبيعة، فيدرس النباتات ذاتها، ويتم استخدام التجربة والملاحظة في دراسة الكيمياء والفيزياء، أما الجغرافية فلا تكون إلا في الغابات، وهذا بالطبع يعني التقليل من استخدام الرمز المجرد في دراسة الطفل الأولى، وتعزيز استخدامه للحواس.


التربية هي النمو الصحيح للطفولة

ما يحدد طبيعة العملية التربوية إنما هو طبيعة الطفل ونموه. وما يقدم الوسائط لهذه العملية إنما هو خبرة الطفل نفسه، ولذلك يجب أن يكون النمو الصحيح للطفل في قائمة مهمات الأمهات والآباء أولاً والمربين ثانياً، ولذلك يتوجه روسو في بداية كتابه إلى الأمهات ويطلب منهن العناية بالأطفال كما تتم العناية بالنبتة كي لا تموت.

من ناحية أخرى يؤكد روسو أن تربية الطفل وفقاً للطبيعة، تعني أن ننشئ طفلاً بعيداً عن الحقد والكراهية والعبودية، فالطبيعة تعلم الحرية وتعطي الطفل القدرة على الفعل "فلنترك للطفولة ممارسة الحرية الطبيعية، تلك الحرية التي تبعد الأطفال ولو إلى حين عن الرذائل التي نصاب بها حتماً تحت نير العبودية".

إذاً تبدو مهمة التربية عند روسو في الاهتمام بالغرائز الطبيعية والنزعات الأصلية، وهذا يكون بمثابة تهيئة للطفل كي يدخل إلى الحياة الاجتماعية والعملية.

لقد استطاع روسو من خلال تربيته للطفل أن يؤسس للكثير من النظريات النفسية في التربية، ومثلت أفكاره في تهيئة الطفل للحياة الاجتماعية حجر الأساس في النزعة الاجتماعية التي تدعو ليكون الإنسان فرداً فاعلاً في مجتمعه يعيش ويعطف على أبناء جنسه، ويقدم المساعدة لمن يريد.

في النتيجة: يبقى ما قلناه حول مفهوم التربية الطبيعة عند روسو مختصراً، ولكننا نركز على أهم الأفكار التي قال بها حول ضرورة الاهتمام بالطفل انطلاقاً من الطبيعة، فالطفل الصحيح هو الذي يعيش وفقاً للطبيعة برعاية واهتمام تجعل منه راشداً مفيداً لمجتمعه.

إن تأثيراً عميقاً كهذا لا يمكن أن يؤثر على المدارس مباشرة وذلك لأن آثار هذه الحركة لم تظهر إلا حين اكتشفت النزعات التي ظهرت فيما بعد ولا سيما النزعة السيكولوجية والنزعة الاجتماعية ولقد كان الأثر المباشر لهذه النزعة خفيفاً إلا أن أثرها البعيد كان عاماً وعميقاً لدرجة تجاوزت كل إمكانية للقياس.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات