أضرار ذوبان جليد القارة القطبية الجنوبية

الرئيسية » لبيبة » كوارث بيئية » أضرار ذوبان جليد القارة القطبية الجنوبية
أضرار ذوبان جليد القارة القطبية الجنوبية

بعيدًا، في منطقةٍ غريبةٍ من العالم، حيث يتلاقى بحر أموندسن مع ساحل غرب القارة القطبية الجنوبية Antarctica، تلوح فوق الماء منحدراتٌ طويلةٌ متجمدةٌ هي حواف الأنهار الجليدية الضخمة (أنهار من الجليد تتدفق إلى المحيط). وقد سالت هذه الأنهار المتجمدة وذابت في السنوات الأخيرة، بمعدلٍ مخيفٍ ينذر بخطر إضافة كمياتٍ هائلةٍ من المياه إلى البحر ما يعني قضمه لشريط الساحل الكوني.

اشتبه العلماء لوقتٍ طويلٍ بتأثير تغيرات المناخ التي يسببها الإنسان على ذوبان جليد القارة القطبية الجنوبية لكنهم لم يثبتوا أي صلةٍ أو آليةٍ مباشرةٍ. مع أهمية الأمر لأننا نخسر فعليًّا جزءًا كبيرًا من الجليد.

اليوم، توصلت دراسةٌ حديثةٌ في Nature Geoscience إلى حلٍّ لهذا اللغز؛ فقد اكتشف فريقٌ من الباحثين في أمريكا وبريطانيا أن ارتفاع حرارة الأرض قاد إلى تحولٍ في أنماط الرياح التي تسبب وصول كمياتٍ إضافيةٍ من مياه المحيطات الدافئة إلى جليد المنطقة.

بدايةً، لاحظ علماء المناخ أن الأمر ليس على ما يرام في تلك المنطقة على مدى العقدين الماضيين، لكن ذوبان جليد القارة القطبية الجنوبية أثبت وجود بعض الغموض. فيما يخص الجزء الأعظم كانت درجة حرارة الهواء باردةً جدًا لتذيب سطحًا وتفسر سبب رقة الجليد، وتشير الوقائع إلى أن المحيط هو المذنب (حتى طبقة مياه البحر العلوية باردة جدًا أيضًا لتذيب الجليد). ورغم وصول طبقة أعمق من مياه المحيط الدافئة أحيانًا بحر أموندسن، والتفافها عند الجوانب السفلية لكتلتي جليد ضخمتين في المنطقة (جزيرة الصنوبر (Pine Island) وثويتس (Thwaites))، فإن درجة حرارة الأرض لن تقدر على تسخين تلك المياه بشكلٍ مباشرٍ.1

لقد تعرضت القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) لارتفاع درجة حرارة الهواء بمقدار 3 °C في شبه جزيرة أنتاركتيكا. ورغم أن هذه الدرجات لا تبدو كثيرةً فإنها أكبر بـ 5 أضعاف من معدل الاحتباس الحراري للكوكب، كما ذكرت الهيئة الحكومية المختصة بتغير المناخ IPCC.

ارتفاع حرارة الجوّ

على مدى الـ 50 عامًا الماضية، كان الساحل الغربي للقارة القطبية الجنوبية من أسرع أجزاء الكوكب ارتفاعًا بالحرارة، ولم يقتصر الأمر عليه بل لوحظ ذلك أيضًا في المحيط الجنوبي.

ازدادت درجة حرارة سطح المحيط الأعالى غرب أنتاركتيكا بمقدار درجة واحدة منذ عام 1955، وتبين أن محيط القطب الجنوبي يسخن بسرعةٍ أكبر من المحيطات كلها. لذا فإنّ دراسة التغير المناخي في أنتاركتيكا أمرٌّ مهمٌّ جدًا لأنه يمكّن العلماء من التنبؤ بالتغير المناخي المستقبلي بدقةٍ أكبر، ويزود السياسيين وصناع القرار السياسي بالمعلومات لبناء الاستراتيجيّات.2

المحيط يلتهم الجليد

تحمل الكتل الجليدية الهائلة لغرب أنتاريكتيكا في جوفها حوالي 6% من مياه العالم العذبة المتجمدة، فإذا ذابت سترفع مستويات البحار العالمية حوالي 10 أقدام أو أكثر، وهذا لا يبدو قريب الحدوث حاليًّا حسب اعتقاد العلماء، لكن بعض أجزاء قطع الجليد معرضةٌ بشكلٍ خاصٍ لخطر عبور نقطة التحول إذا تقهقرت كثيرًا.

لقد تقهقرت بعض الأنهار الجليدية في المنطقة بشكلٍ صادمٍ وسريعٍ في العقود الماضية، فمثلًا تفقد جزيرة الصنوبر وثويتس حوالي 100 بليون طن من الجليد كل عامٍ، وأكثر من ذلك في السنوات السيئة، وتراجعت الكتل الجليدية لأن أنقاضها تندلق فوق حافة القارة إلى المحيط المطوق لها والأكثر سخونةً من الجليد، والماء الساخن يذيب الجليد.

في عام 1920، استمر هبوب الرياح على نحوٍ قويٍّ باتجاه الغرب، وقد تراوحت بين الباردة والباردة جدًا، بينما كانت باردةً معظم الوقت سابقًا. لكن اليوم، وبسبب ارتفاع الحرارة البطيء للكوكب تغيرت القاعدة كلها، وبدلًا من التقلب بين البارد والبارد جدًا، أصبح التقلب بين الساخن والبارد.

عرف العلماء أن قوة الرياح في هذه المنطقة من بحر الأموندسن أثرت على درجة حرارة الماء؛ حيث تعود سجلات قوة الرياح واتجاهها إلى عام 1979 فقط. لكن الأنماط في هذه المنطقة تتطابق تمامًا مع الظروف الماضية تقريبًا، ففي المحيط الهادي المداري حيث تتوفر سجلات أفضل ولفتراتٍ أطول، تمكن الفريق من استنتاج كيف تغيرت رياح المنطقة القطبية خلال القرن الأخير.

استخدم العلماء مجموعةً من النماذج المناخية للاطلاع على كيفية تطور أنماط الرياح خلال الـ 100 سنة الأخيرة في حال لم يكن للاحتباس الحراري الذي يسببه الإنسان دور في ذلك، وقارنوا النتيجة بما قامت به الرياح فعلًا. يعني نمط اليوم أن درجة حرارة المنطقة كلها ستصبح أعلى قليلًا من الـ 100 سنة الماضية.3

أضرار ذوبان جليد القارة القطبية الجنوبية

  • التسبّب بالمزيد من الاحتباس الحراري للأرض:

عندما تصطدم أشعة الشمس بالثلج والجليد، فإن90% منها ينعكس عائدًا إلى الفضاء، وعندما يسبب الاحتباس الحراري ذوبان جليد القارة القطبية الجنوبية كل صيفٍ، ينكشف المحيط واليابسة التي تحت الجليد على سطح الأرض، ولأنهما أغمق لونًا فإنهما يمتصان المزيد من أشعة الشمس ويطلقان الحرارة إلى الهواء، ما يسبب المزيد من الاحتباس الحراري.

بذلك يسبب ذوبان الجليد المزيد من التسخين، وبالتالي ذوبان المزيد من الجليد بسرعةٍ أكبر، وهو ما يعرف برد الفعل. وحسب دراسة علمية حديثة تستخدم النماذج الحاسوبية للتنبؤ بمستقبل جليد البحر الأركتيكي، فلن يتبقى الكثير من الجليد البحري في المحيط الأركتيكي خلال الصيف في العقود القليلة القادمة.

  • ذوبان الطبقة دائمة التجمد يطلق غازات الدفيئة:

يسبب الاحتباس الحراري ذوبان الترب (Soils) في المناطق القطبية التي تجمدت على مدى أكثر من 4000 سنة، وعندما تذوب فإن الكربون المحبوس فيها سينطلق إلى الهواء على شكل ثاني أكسيد الكربون وميثان، وهذه الغازات التي تنطلق إلى الهواء تسبب المزيد من التسخين ما يعني ذوبان المزيد من الترب المتجمدة.

  • جليد أقل على الأرض يعني ارتفاع مستوى البحر:

يرتفع مستوى البحر حوالي 1 -2 ملم كل سنةٍ لأن الأرض تصبح أكثر حرارةً، ويعود جزءٌ من هذا الارتفاع إلى ذوبان الأنهار والصفائح الجليدية التي تضيف مياهًا إلى المحيطات عندما تضرب اليابسة. وهناك أنهارٌ وصفائحُ جليدٍ معينةٌ مهددةٌ بشكلٍ خاصٍ، فقد أدى الاحتباس الحراري لجعلها أقل ثباتًا متحركة تجاه المحيط بشكلٍ أسرع، مضيفة جليدًا أكثر إلى المياه. وتشمل المناطق التي تحتوي على جليدٍ أقل ثباتًا كتل جليد غرينلاند وغرب أنتاركتيكا.

إذا ذابت كتل غرينلاند الجليدية أو تحركت إلى المحيط، فإن مستوى البحار سيرتفع إلى 5-6 م كحدٍ أعظميٍّ. أما إذا ذاب جليد غرب أنتاركتيكا أو تحرك إلى المحيط فإن مستوى البحار سيرتفع حوالي 8 أمتار.4

  • تغيرات بيئية طبيعية وحيويّة في أنتاريكتيكا:

 يسبب ارتفاع حرارة شبه جزيرة أنتاريكتيكا تغير توزع مستعمرات البطاريق تبعًا لتغير حالة جليد البحر، فذوبان غطاء الثلج والجليد الدائم سبب زيادة احتلالها من قبل النباتات. كما قد يرتبط تراجع وفرة القريدس الأنتركتيكي طويل الأمد في جنوب غرب المحيط الأطلسي من المحيط الجنوبي بانحسار غطاء الجليد.5

المراجع