وأخيرًا وبعد سنواتٍ من العمل، تمكّن العلماء من التقاط الصورة الأولى للثقب الأسود في الفضاء عبر تلسكوبٍ يُسمى أفق الحدث . وقد شارك في هذا الإنجاز التاريخي غير المسبوق مجموعة مؤلفة من أكثر من مئتي عالم فلكي، ويعد بمثابة الانتصار التقني والتكنولوجي لعلماء الفيزياء الفلكية، ويفتح لهم طريقًا جديدًا لفهم الهياكل الأكثر غرابة في الكون.

تمكّن العلماء من القيام بهذا الإنجاز والتقاط الصورة الأولى للثقب الأسود في مركز المجرة ميسيه 87 ( M87) باستخدام تلسكوب هائل الحجم أُطلق عليه اسم “تلسكوب أفق الحدث (EHT)”، وهو عبارة عن شبكة مؤلفة من ثمان تلسكوبات راديوية متوزعة في جميع أنحاء الأرض، وتعمل كما لو كانت كجهاز استقبال واحد مضبوط على موجات راديوية عالية التردد.

وتمثل هذه الصورة الفلكية للثقب الأسود تقدمًا هائلًا في الفيزياء الفلكية وتتويجًا لقرن من العمل النظري والرصد العملي، فمنذ جيلين أو اثنين لم يكن العلماء واثقين من وجود الثقوب السوداء على الرغم من أنها تبدو معقولة رياضيًا، ولكن أدلة الرصد والمراقبة لم تكن واضحة.1

تم التقاط الصورة والكشف عنها يوم الأربعاء الموافق 10 أبريل عام 2019 في نادي الصحافة الوطني في واشنطن Washington، وكذلك ضمن ست مؤتمرات صحفية متزامنة في جميع أنحاء العالم، وقد أظهرت الصورة الظل المظلم للثقب الأسود وسط حلقة من المواد المتوهجة المحيطة بها.2

أفق الحدث

يقع هذا الثقب ضمن مجرة ميسيه 87 ويبعد حوالي 54 مليون سنة ضوئية عن الأرض، وتقدر كتلته بأكثر من 6.5 مليار ضعف كتلة شمسية، وتعتبر جاذبية هذه الثقوب شديدة للغاية لا يمكن تصورها، ويطلق عليها اسم “أفق الحدث”.

ما هو أفق الحدث للثقوب السوداء

أفق الحدث: هو مصطلح فلكي يعبر عن حدود الثقوب السوداء، حيث لا يمكن لشيء يمر من قربها الإفلات والهروب منها (حتى الضوء)، بالمختصر إن أي شيء يقع ضمن أفق الحدث للثقب الأسود سيكون قد دخل حيز نقطة اللاعودة وسيتم فناءه كليًا، وسيصبح من غير الممكن رؤيته.3

وبعبارة أخرى، إن سرعة الهروب لكائن ما دخل أفق الحدث تتجاوز سرعة الضوء، وجاء اسم أفق الحدث انطلاقًا من فكرة عدم القدرة على ملاحظة أي حدث يجري داخله، فهو بمثابة أفقٍ لا يمكننا رؤيته بعد، وبالتالي فإن أفق الحدث يخفي بشكلٍ فعّالٍ تأثير الجاذبية وسط الثقب الأسود.

وفي نظرية النسبية العامة، يستعمل مصطلح أفق الحدث باعتباره حدًّا موجودًا في الزمان كمنطقة تحيط بالثقب الأسود، مما يؤكد تنبؤات ألبرت آينشتاين السابقة، حيث لم تظهر النتائج والأدلة الحالية للثقب الأسود أي اختلاف عن معادلاته الفيزيائية للنسبية العامة بشأن الجاذبية التي شرحت بشكلٍ مفصلٍ وجيدٍ حركة الكواكب والنجوم في الكون، وبالتالي فإن أفق الحدث للثقب الأسود هي حقيقة بالفعل، أي أن أي شيء يسقط في الثقب الأسود سيتم ابتلاعه كاملًا دون الارتطام بسطح صلب.

ولحد الآن وعلى الرغم من العمل الدؤوب للعلماء، لم يتمكنوا من فهم العلاقة بين النظريتين اللتين تنظمان الكون؛ ألا وهما نظرية النسبية العامة التي تنظم فضاء الكون، ونظرية ميكانيكا الكم التي تفسر عمل المادة اللامتناهية في الصغر. ولكن، بعد التقاط هذه الصورة وفهم محيط الثقوب السوداء وحدود صلاحية النسبية العامة، سيتمكنون من إدراك هذه الحلقة الفارغة بين هاتين النظريتين.

المراجع