أقوى وأشد السموم تأثيرًا وخطرًا

الموسوعة » مركبات كيميائية » أقوى وأشد السموم تأثيرًا وخطرًا

ارتبطت معظم قصص القتل والإقصاء التاريخية بسموم معروفة كالزرنيخ والسيانيد، كمقتل نابليون بونابرت أو جورج الثالث ملك إنجلترا، فلطالما كانت الأكثر شهرةً، ولكن هل يمكنك أن تتخيل أن هناك مادةً قادرةً على القضاء على الجنس البشري كاملًا فقط باستخدام 2 كغ منها، أو أن كائنًا صغيرًا كالسمكة المنتفخة يقتل سنويًّا ما يقارب 50 يابانيًّا، دعني أعرفك ببعض أقوى وأشد السموم تأثيرًا وخطرًا وبأصغر الجرعات.

الريسين (Ricin)

أوّل ما يتبادر إلى الذهن لدى سماعك بسم الريسين هو حادثة اغتيال المعارض البلغاري جورجي ماركوف عام 1978م، وفيها تعرّض لزرع كرةٍ صغيرةٍ من البلاتين والإيريديوم، والتي تحوي بداخلها على سم الريسين، سرعان ما فارق ماركوف الحياة بعد معاناة من الحمى لمدة ثلاثة أيام.

الريسين بروتينٌ سكري مُستخرج من بذور نبات الخروع (Ricinus communis)، يتواجد في بقايا عملية استخلاص الزيت منه، ويعمل على تعطيل عملية تصنيع البروتين في الخلايا مما يؤدي إلى موت الخلايا، انتهاءً بموت الفرد، وتبلغ الجرعة المميتة في حال تم تناوله عن طريق الفم ما يقارب 1-20 مغ/ لكلّ كغ.§

أقوى وأشد السموم تأثيرًا - الريسين (Ricin)

أعراض التسمم بالريسين

تتفاوت الأعراض وفقًا للجرعة، وطريقة دخوله الجسم سواء كانت بالاستنشاق أو بالابتلاع، أو الحقن كما حدث مع ماركوف، وعمومًا تحدث الوفاة بعد التعرض للريسين بـ 36-72 ساعة، وتتراوح الأعراض بين الإصابة بالسعال والغثيان وفشل الجهاز التنفسي كما في حالة استنشاقه، أو الإصابة بالإقياء والإسهال الدموي، وفشل بعض الأعضاء كالكبد والكليتين والطحال في حال ابتلاعه، أمّا في حال التعرّض عن طريق الجلد أو العينين وهي الأقلّ فُرصًا بالحدوث ، فيسبب تهيّجًا في الجلد واحمرارًا في العينين.§

عامل VX

السم الذي قُتل به كيم جونغ نام (Kim Jong-nam) الأخ غير الشقيق لرئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون (Kim Jong-un)، خلال إحدى زياراته إلى ماليزيا، حين قامت سيدتان برش وجهه بمادة غريبة، وما هي سوى لحظات حتى دخل الرجل في نوبات صرع انتهت بوفاته، وبغضّ النظر عن السبب في اغتياله والجهة المسؤولة، إلّا أنّ الرغبة في إردائه ميتًا في الحال كانت السبب في اختيار هذا النوع من السموم الأقوى والأسرع، فتكفي 10 ميلليغرامات عبر الجلد لتصيب الجهاز العصبي باضطرابٍ مميتٍ،

VX هو أحد أخطر سموم سلسلة غازات الأعصاب V، والمُصنّف كأحد الأسلحة الكيميائية، يشابه في تأثيره غاز السارين، ولكنه أكثر فتكًا بمئة مرة.

 كيميائيا هو O-ethyl S-diisopropylaminomethyl methylphosphonothiolate، يتواجد بشكل سائل زيتي القوام، عديم اللون، وصعب الانحلال في الماء والتبخر، وبخاره أثقل من الهواء، لا يتواجد بشكلٍ طبيعيٍّ، فيعود تاريخ تصنيعه إلى بريطانيا في خمسينيات القرن الماضي، في محاولةٍ من العلماء لتصنيع مبيد حشري، لتنتقل الوصفة لاحقًا إلى يد الأمريكيين، ويشارك في الحروب حول العالم.§

أقوى وأشد السموم تأثيرًا - عامل VX

آلية تأثير VX

لفهم تأثيره المميت لا بد من التوضيح المبسّط لعمل الخلايا العصبية، فهي تعتمد على تفكك الناقل العصبي أستيل كولين بفعل أنزيم كولين أستيراز لتنتقل الرسائل والأوامر إلى العضلات بالاسترخاء، وهنا يبرز دور غاز الأعصاب الذي يمنع تفكيك الناقل العصبي، فتبقى الأعصاب بحالة عملٍ مستمر، وترسل الأوامر إلى العضلات للتقلّص الدائم دون استرخاء، لذلك يدخل المصاب بحالة سيلان للأنف واللعاب والتعرق، وانقباض حدقة العين مع عدم وضوحٍ الرؤية، حتى يصل التقلّص إلى العضلة المسؤولة عن تمدد الرئتين لتسحب الهواء اللازم للتنفس، فيصاب بالاختناق لعدم قدرته على طرد هواء الزفير، ثم الموت اختناقًا.§

الباتروتوكسين (Batrachotoxin)

لدى عودة مستكشفي الأمريكيتين، كان من أكثر الأمور دهشةً لهم هو تلك السهام المسمومة التي استخدمها الهنود الحمر خلال عمليات الصيد والدفاع، ووفقًا لما أظهرته الأبحاث فقد استخدموا سم الضفدع الذهبي من النوع Phyllobates Terribilis، والذي تفرزه الغدد الموجودة على ظهره وخلف أذنيه حين يتعرّض لأية تهدي خارجي، والباتراتوكسين كلمة يونانية الأصل وتعني “سم” و “الضفدع”، وهو قلويد ستيروئيدي يشابه في هيكله الكيميائي الكوليستيرول وهرمون التستوستيرون؛ من حيث احتوائه على عدة حلقات نتروجين، وذو فاعليةٍ سميةٍ قويةٍ؛ فيكفي دخول ميكروغرام منه أي ما يعادل حبتي ملح إلى مجرى الدم لقتل رجل بوزن 68 كغ، أي ما يزيد 1000 مرة عن سمية السيانيد، بالإضافة لعدم توافر ترياقٍ مضادٍ لتأثيراته حتى الآن.

أقوى وأشد السموم تأثيرًا - الباتروتوكسين (Batrachotoxin)

آلية عمل الباتروتوكسين

يعمل سم الباتراتوكسين على تعطيل عمل السيالات العصبية المحرّضة على التقلص للعضلات، حيث يعمل كمثبط غير تنافسي للنواقل العصبية على القنوات الناقلة للصوديوم، مما يتسبب بتسرّبٍ دائم لأيونات الصوديوم والأيونات الموجبة الشحنة كالأمونيوم والسيزيوم والبوتاسيوم إلى داخل الخلية، فيتأثر استقطاب الغشاء الخلوي، وينتج عن ذلك تعطل عمل الخلايا العصبية، الأمر الذي يتسبب بشلل العضلات وينتهي بتوقف القلب عن العمل، خلال مدةٍ تصل إلى 10 دقائق.§

الميتوتوكسين (Maitotoxin)

هل سمعت بأحداث تسممٍ بعد تناول المأكولات البحرية غير السامة، أو ما يُسمى بتسمم السغاتيرا (CFP)? ينتج هذا النوع عن تناول الأسماك الملوّثة بسموم الدينوفلاجيات Dinoflagellate (السوطيات الدوراة) وهي عوالق تنتشر في المياه العذبة والمالحة مثل Gambierdicus Toxicus الذي يتواجد حول الشعاب المرجانية، ومن هذه السموم بشكل رئيسي المايتوتوكسين، يالإضافة للسيغواتوكسين، فيتغذى أكثر من 400 نوع من الأسماك على هذه العوالق، وبدورها تنتقل ضمن السلسلة الغذائية إلى الإنسان مسببةً المرض له، حيث يقدر عدد الإصابات بتسمم (CFP) سنويًّا بنحو 10000-50000 فرد.§

الميتوتوكسين (Maitotoxin)

كيميائيا يُعدّ المايتوتوكسين أحد أكبر الجزيئات الحيوية المعروفة، وشكّل تحديًا كبيرًا للعلماء بمحاولتهم لتصنع مادة عضوية بطرق لا حيوية، فهو بولي ايثر ذوّاب في الدهن وله الصيغة C164H256O68S2Na2 ووزن جزيئي 3422، أوّل ما اُكتشف في سمك يدعى ميتو في تاهيتي، ولوحظ لاحقًا أنه مُنتج استقلابي لدى G. toxicus، وتصادف أن يكون من أقوى السموم الطبيعية البحرية، والذي يعتمد في تأثيره على تنشيط قنوات الكالسيوم المعتمدة على الجهد، فتبدأ الأعراض أول ثماني ساعات على شكل إقياء وإسهال وتنميل حول الفم، واضطرابات حسية وجلدية، ليصل تأثيره إلى غشاء عضلة القلب، مُسبببًا قصوره.§

سم البوتيولينيوم (Botulinum)

نعم، إنه المادة ذاتها المُستخدمة في حقن البوتوكس، أمّا الجانب الآخر له فهو أحد أكثر المواد المعروفة سميةً، ينتج عن البكتريا اللاهوائية (Clostridiumbotulinum)، لذلك تعدّ الأغذية المعلبة الأوفر حظًّا في تواجدها، وبشكلٍ خاص ضعيفة الحموضة وغير المعرّضةٍ للحرارة بشكل كافٍّ خلال عملية التعليب، حيث يؤدي نشاط هذه البكتريا في العلب إلى إنتاج كميات كبيرة نسبيًا من السم، والتي تسبب الإصابة بالتسمم لدى التناول المباشر لها، فالجرعة المميتة منه LD50 بحدود 1 نانو غرام لكل كغ من وزن الجسم، وتشمل الأعراض بشكل عام شلل الأعصاب المسيطرة على العضلات، مبتدأّ بالعينين بتدلي الجفون والوجه، والإسهال والإقياء والجفاف، مع ضعف عام في العضلات، ومن أخطر هذه العضلات هي عضلة الحجاب الحاجز، مما يعيق عملية التنفس.§

يعتمد هذا التوكسين في عمله على إيقاف عمل الأستيل كولين الذي ينقل الإشارات من النهايات الطرفية للأعصاب إلى مستقبلاته على العضلات لتعطي الأوامر بالحركة، فتصاب العضلات بالشلل، واُعتمد على هذه الخاصية لإجراءات العمليات التجميلية، حيث يسبب الحقن ضعف وشلل عضلات الوجه المستهدفة خلال عدة أيام، وهو تأثيرٌ غير دائمٍ؛ فمن الممكن أن تعود النهايات العصبية للعمل مرّةً أخرى مما يسبب عودة الاتصال ونقل الإشارات العصبية.§

سم البوتيولينيوم (Botulinum)

وكما قال عالم السموم باسيلوس منذ قرون: “كل المواد سامة، وحدها الجرعة ما يصنع السم”، فنحن محاطون بالسموم في كل مكان، في المنزل والعمل والطبيعة، وإما أن تكون علاجًا مفيدًا أو مادةً قاتلةً، مما يستدعي العلماء دومًا نحو المزيد من الأبحاث للإحاطة بخصائص جميع المواد.

1٬328 مشاهدة