بقيت المغرب مستقلَّةً لفترةٍ طويلةٍ من الزمن، وقاومت المحتلين الإسبان والعثمانيين لعقودٍ من الزمن لتحافظ على استقلالها وسيادتها كمملكةٍ، لكنها كانت دومًا محط أنظار القوى الاستعماريَّة التي تنافست على استعمارها بسبب ميزاتها من موقعٍ جغرافيٍّ متميزٍ بإطلاله على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وكونها الطريق الأقصر بين أوروبا وإفريقيا عن طريق مضيق جبل طارق، فخضعت بعد سنين طويلة للمحتل الفرنسي الذي استمرت في مقاومته حتى حصلت على استقلالها في النهاية.

المطامع الاستعمارية في المغرب

قرب المغرب من أوروبا وأهمية موقعه جعلت الدول في أوروبا تتصارع عليه؛ فالدولة التي تحتل الأراضي المغربية تمتلك نقطة قوَّةٍ إضافيَّةٍ تجعلها متفوقةً على الدول المنافسة، ممَّا توجب على الدولة التي تسعى لاستعمار المغرب إلى إرضاء الدول البقيَّة، وكان الأمر كذلك، فعقدت فرنسا الطامعة في المغرب آنذاك معاهدة 1902 مع إيطاليا التي تسمح بها لإيطاليا باحتلال ليبيا، وعقدت مع بريطانيا الاتفاق الودي 1904 الذي يعطي لمصر حريَّة التصرف في مصر كما تشاء.

لكن العقدة كانت إسبانيا؛ فالمغرب أقرب لإسبانيا من فرنسا، ولطالما كانت لإسبانيا مطامعها في المغرب، ممَّا أدَّى لعقد اتفاق بين إسبانيا وفرنسا يقتسمان فيه المغرب بينهما، ليخضع المغرب للاحتلال من دولتين في الوقت عينه، كانت طنجة في هذا الاتفاق منطقةً دوليَّةً لم توضع ضمن التقسيم، فلم تخضع لحكم دولةٍ واحدةٍ إنما كانت تتداول فرنسا وإسبانيا استخدام مينائها.1

مؤتمر الجزيرة الخضراء

بسبب المطامع الغربية في المغرب وعدم نجاح تقسيم المغرب عقدت الدول الاستعمارية في أوروبا وعددها 12 دولة مؤتمر الجزيرة الخضراء عام  1906، والذي كان الهدف منه الاتفاق على طريقة تسيير الأمور في المغرب؛ فالمغرب في هذه الفترة تحت حكم أسرة الأشراف العلويين، وكانت تمر بأزماتٍ كثيرةٍ وعدم استقرار الحكم والرضا عن قرارات الحاكم، فما كان من الدول الغربيَّة إلَّا عقد هذا المؤتمر الذي اتفقت الدول فيه على استقلاليَّة المغرب مع وضعها تحت حماية الدول الأوروبيَّة الإثني عشر، فكانت هذه القوى الدوليَّة مسؤولة عن حدود المغرب البرية والبحرية، مع إعطائها الحق بإنشاء البنوك وتأثيرها في السياسة العامة والقرارات في المغرب.2

الاحتلال الفرنسي الإسباني للمغرب

في ظل حكم أسرة الأشراف العلويين تصاعدت النزاعات الداخليَّة وعدم الرِّضا عن قرارات الحاكم عبد العزيز ممَّا تطلب عقد مؤتمرٍ وطنيٍّ تقرر من خلاله خلعه عن السلطة ومبايعة أخيه عبد الحفيظ عام 1908، ولكنَّ هذا لم يحل المشكلة واستمرَّت المشكلات الداخلية في المغرب، هذا ما شكَّل ذريعةً للفرنسيين والإسبان لدخول المغرب ولكن السلطان عبد الحفيظ قام بقمع الثورات واستسلم للمستعمرين، فاندلعت الثورات في البلاد ضده وضد الاستعمار.

احتلَّت فرنسا فاس والرباط ومكناس، أمَّا إسبانيا فكان لها احتلال الريف في الشمال وإفني في الجنوب، ولكنَّ هذا كان مخالفًا لمقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء ممَّا أثار حفيظة ألمانيا التي تملك مطامع في المغرب لتسهيل الوصول إلى مستعمراتها في أفريقيا، ممَّا أدَّى لتصعيد الخلاف وتوتر الأمور ممَّا استدعى تنازل فرنسا عن جزءٍ من مستعمراتها في الكونغو مقابل الاعتراف الألماني بالحماية الفرنسيَّة على المغرب.

فرضت فرنسا على المغرب معاهدة الحماية 1912 التي تسمح لفرنسا أن تحكم البلاد وتصدر القوانين التي تريد، مع السيطرة على السياسة الخارجيَّة للمغرب، دون التدخل في الشؤون الداخليَّة للعشائر.3

الثورات الوطنية ضد الاحتلال

قامت في المغرب العديد من الثورات ضد الوجود الفرنسي والإسباني فيها، وكانت أولى هذه الثورات ثورة فاس التي بدأت بتمرَّد صفوف الجنود المغاربة على قادتهم الفرنسيين لتبدأ الثورة في فاس وتنتقل منها إلى المناطق المجاورة لها، كانت ثورة فاس هي البداية وقامت بعدها الثورات في المناطق المختلفة من البلد مثل ثورة أحمد الهبة في الجنوب والذي شكَّل تهديدًا حقيقيًّا لفرنسا بدخوله مراكش عام 1912 م، وثورة تافيلالت بقيادة أحمد السملالي، لم تسلم إسبانيا من الثورات في مناطقها، فقد بدأت ثورة الريف ضد الوجود الإسباني منذ عام 1909، واستمرَّت بالتقدم وتحقيق الانتصارات بقيادة سلطان الجبل، وربما كانت أهم هذه الثورات ثورة الأمير عبد الكريم الخطابي الذي حقق انتصاراتٍ كبيرةٍ على الإسبان، وأسس جمهوريَّة الريف وشكل حكومةً وطنيَّةً عاصمتها أغادير، هذا ما شكَّل خطرًا على الفرنسيين الذين قادوا حملةً مشتركةً مع الإسبان على الريف ليهزم الثوار وتنتقل المقاومة في المغرب إلى شكلٍ آخر.

استقلال المغرب

تحول الكفاح في المغرب من الكفاح المسلَّح إلى الكفاح الفكري؛ فقد حاولت فرنسا تمزيق نسيج المجتمع المغربي، و تجريده من تراثه وعاداته والدين الإسلامي المنتشر فيه بنشر الفكر الفرنسي فيه ودمجه بالمجتمع الفرنسي، هذا ما قوبل بالاستنكار وخصوصًَا من قبل المثقفين من خريجي الجامعات.

تمثل الكفاح الثقافي بتأسيس الكتل الوطنيَّة والأحزاب، بالإضافة للصحف وغير ذلك، فتأسست كتلة العمل المغربي 1930 التي طالبت باستقلال المغرب، لتنبثق عنها عام 1937 حزب الاستقلال.

استغل المقاومون ضعف فرنسا أبَّان الحرب العالميَّة الثانية ليحصلوا على الاستقلال، فتوحدت جميع الأحزاب الوطنيَّة تحت اسم حزب الاستقلال 1943 بقيادة علال الفارسي، ليطالب الحزب بالاستقلال ويرفع وثيقة الاستقلال إلى السلطان محمد بن يوسف الذي أيد هذه المطالب، إلأَّ أنَّ فرنسا رفضت ذلك ونفته إلى مدغشقر ليتحول بذلك الكفاح السياسي إلى كفاح مسلَّح، وكان هناك تنسيقٌ بين الثوار في المغرب والجزائر ليزحف بذلك الثوار إلى المدن.

استدعى اشتداد المقاومة المسلحة أن تتراجع فرنسا عن موقفها خوفًا من اتصال الثورات في المنطقة مع بعضها، وهذا دفعها للتنازل وتوقيع اتفاقية الاستقلال، لتعلن بذلك المغرب دولةً مستقلةً تحت حكم السلطان محمد بن يوسف عام 1956.4

المراجع