تعرض لبنان خلال تاريخه إلى الكثير من المحتلين ولكنهم جميعًا كانوا يرحلون ليحل استقلال لبنان كحالةٍ تؤكد رغبةً مستمرةً بالحرية

لبنان والحكم العثماني

احتلت الامبراطورية العثمانية الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية في القرن السادس عشر، وخلال ذلك حكم لبنان قادةٌ وطنيون. وقد نجح هذا البلد عدة مراتٍ بالتمتع باستقلالٍ كاملٍ أو مشروطٍ.

وبعد نشوب الحرب العالمية الأولى في شهر آب 1914، قامت القوات العثمانية في سورية باحتلال لبنان وتعيين حاكم تركي عليه. وقد رفض اللبنانيون الاحتلال. وجاء رد الأتراك بمصادرة الطعام مسببًا مجاعةً وكارثةً أدت إلى خسارة ثلث السكان.

كما قطع الأتراك نصف أشجار الغابات ليستخدموا الخشب كوقودٍ لقطاراتهم ولأغراضٍ عسكريةٍ. وفي عام 1916 قام المسؤولون الأتراك بإعدام قادة لبنانيون وسوريون في بيروت ودمشق بذريعة القيام بنشاطاتٍ ضد الأتراك. وكان ذلك في يوم 6 أيار الذي اعتبر عيد الشهداء ويحتفل فيه سنويًا في كلا البلدين.

ورفع الحصار عن لبنان في أيلول 1918، عندما وصل المنطقة الجنرال البريطاني أدموند ألينبي والملك فيصل بن الشريف حسين.1

وخلال الحرب العالمية الأولى عمدت بريطانيا وفرنسا إلى تقسيم غنائم الإمبراطورية العثمانية بين بعضهما. لكن أصبح الشرق الأوسط، خاصةً سورية ولبنان، حقلًا للتآمر وساحةً للحرب بينهما.2

الانتداب الفرنسي

في أيلول ١٩٢٠، منحت عصبة الأمم انتداب لبنان وسورية لفرنسا التي قامت بإنشاء دولة لبنان الكبير التي تتكون من محافظات جبل لبنان، شمال لبنان، وجنوب لبنان والبقاع.

وفي أيار ١٩٢٦، وافق المجلس النيابي على إعلان الدستور (على طراز الدستور الفرنسي) وجمهورية لبنانية الموحدة تحت الانتداب الفرنسي. واشترط الدستور وجود برلمان، ورئيس ومجلس وزراء. ويتم اختيار الرئيس من قبل البرلمان المختار من قبل الشعب.3

وبعد تسلم حكومة فيشي السلطة في فرنسا عام 1940، تم تعيين الجنرال هنري فرنارد دينتز كمفوضٍ أعلى في لبنان. وقاد هذا المنصب إلى عزل إميل إده في أبريل/ نيسان 1941, وبعد خمسة أيامٍ عين دينتز الفريد نقاش رئيسًا للدولة. وقد انتهت سلطة حكومة فيشي بعد عدة أشهرٍ عندما لم تعد قواتها قادرةً على صد تقدم القوات الفرنسية والبريطانية في لبنان وسورية. وتم توقيع اتفاقية في عكا في 14 تموز 1941.

بعد توقيع اتفاقية عكا، زار الجنرال تشارلز ديغول لبنان، منهيًا بشكلٍ رسميٍّ حكم فيشي. وقد انتهز القادة اللبنانيون هذه الفرصة ليطلبوا من ديغول إنهاء الانتداب الفرنسي والاعتراف باستقلال لبنان غير المشروط. وعلى أثر الضغط الوطني والدولي قام الجنرال جورج كاتروكس مندوب الجنرال ديغول بإعلان استقلال لبنان في 26 تشرين الثاني 1941. وقد اعترف كل من الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي والدول العربية وبلدانٍ آسيويةٍ معينةٍ بهذا الاستقلال كما قام بعضها بتبادل السفراء مع بيروت. وحتى فرنسا نفسها اعترفت باستقلال لبنان. لكنه كان استقلالًا شكليًا حيث استمرت ببسط نفوذها.

تم إجراء انتخاباتٍ عامة، وفي 21 أيلول 1943 اختار البرلمان الجديد بشارة الخوري رئيسًا للبلاد والذي بدوره عين رياض الصلح رئيسًا للوزراء وطلب منه تشكيل الحكومة الأولى للبنان المستقل.

استقلال لبنان

في 8 تشرين الثاني 1943 قام البرلمان بإعداد الدستور وألغى المواد التي تشير إلى الانتداب، وعدل تلك التي تحصر السلطات بالمندوب السامي. وبدوره مرر رئيس البرلمان اللبناني قانونًا صوت عليه بالإجماع ويتضمن عدم وجوب تدخل فرنسا من الآن وصاعدًا فيما ينبغي أو لا ينبغي أن يُناقش تحت قبة البرلمان،

وكان هذا إنهاء للانتداب من جانبٍ واحدٍ وجاء رد فرنسا مباشرةً بعد التصويت، حيث شدد المسؤولون الفرنسيون الرقابةَ على الاتصالات والصحافة، وأغلق البوليس الفرنسي مكاتب عدة جرائدٍ في بيروت. بعدها وصل هيليو Helleu مندوب اللجنة الوطنية الفرنسية للتحرير، وكان أول ما قام به إصدار أمرٍ في 11 تشرين الثاني باعتقال الرئيس اللبناني بشارة الخوري، ورئيس الوزارء رياض الصلح وغيرهم من أعضاء البرلمان والحكومة ونفيهم إلى قلعة راشيا. 4

وبعد رفض الأمن اللبناني الانصياع للأوامر الفرنسية بإخماد الاحتجاج ضد “الاعتقال”، قام الجنود السنغاليون (الذين استخدمتهم الإمبراطورية الفرنسية تقليديًا لتنفيذ أعمالها الدنيئة ضد العمال الفرنسيين خلال إضراباتهم وضد الثوار في مستعمراتها) بإضرام النار في بيروت وطرابلس. ونشب قتال شوارعٍ لعدة أيامٍ مع عددٍ غير معلنٍ من الضحايا.5

وأدى هذا الاعتقال إلى توحيد صفوف القادة اللبنانيون من كل الأديان، وتصميمهم على التخلص من الفرنسيين. وفي النهاية انصاعت فرنسا للضغوط الدولية المتصاعدة وإلى سطوة بريطانيا والولايات المتحدة والدول العربية وأطلقت المحتجزين في راشيا بتاريخ 22 تشرين الثاني 1943 واعتبر هذا اليوم يوم الاستقلال.

وقد ترك الانتداب الفرنسي لبنان تحت إرثٍ مشوشٍ، فعندما بدأ الانتداب كان لبنان ما زال يعاني من صراعاتٍ دينيةٍ عام 1860 ومن الحرب العالمية الأولى. ولم ينشغل المسؤولون الفرنسيون بالحفاظ على التحكم بالبلاد فقط بل بإعادة بناء الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان. فقد رمموا ووسعوا مرفأ بيروت وطوروا شبكةً من الطرق لتصل بين المدن الرئيسية. كما شرعوا بتطوير بنيةٍ حكوميةٍ تتضمن أنظمةً إداريةً وقضائيةً جديدةً وقانونًا مدنيًّا جديدًا، وحسنوا النظام التعليمي والزراعي والصحة العامة ومعايير العيش.6

المراجع