بدأت الثورة الفرنسية في عام 1789 وانتهت عام 1799 شهدت خلالها فرنسا سلسلة من الأحداث الدموية، وعاشت أوروبا تلك الفترة في جوٍ من الرعب والهلع لما رافق الثورة من عنفٍ وقتلٍ وإرهابٍ طال مختلف الفئات حتى أطاحت المقصلة برأس قادة الثورة أنفسهم، وكانت إحدى رموز الثورة الفرنسية في تلك الفترة.

بداية الثورة الفرنسية                           

كانت فرنسا تعيش ظروفًا اقتصاديةً صعبةً ساهمت بشكلٍ كبيرٍ في اندلاع الثورة الفرنسية، حيث عانى الملك لويس السادس عشر من مشاكلٍ اقتصاديةٍ وماليةٍ وبلغ العجز المالي في عهده مقدارًا كبيرًا جدًا، مما دفعه إلى عقد اجتماعٍ للجمعية العامة التي تضم ممثلين عن طبقات المجتمع الفرنسي الثلاثة وهي رجال الدين والنبلاء والطبقة الوسطى والدنيا، حيث عرض الملك لويس فرض مزيدٍ من الضرائب الأمر الذي رفضته الجمعية ليدخل أعضاؤها في صراعٍ مع الملك.

أعلن ممثلو الطبقة الثالثة تشكيل ما يُعرف بالجمعية الوطنية كونها ممثلة الشعب، وعرضت على الطبقتين الأولى والثانية التعاون معها مع التأكيد على المضي في تحقيق أهدافها في تغيير نظام الحكم والبداية ستكون بكتابة دستورٍ جديدٍ لفرنسا.

ازداد الفقر والجوع بعد تلفٍ كثيرٍ من المحاصيل الزراعية مما أدى إلى انتشار الجوع بين عامة الشعب الفرنسي، فنزلوا إلى الشوارع واقتحموا سجن الباستيل في 14 يوليو 1789 وهو أحد رموز النظام الملكي، فحاول الملك لويس تخفيف حدة الاحتجاجات واعترف بسيادة الشعب، لكن انتقلت الاحتجاجات إلى الفلاحين الذين ثاروا على أمرائهم مما دفع الجمعية التأسيسية الوطنية إلى إصدار قرار يلغي النظام الإقطاعي ويمنع فرض ضريبة العشر، ليتبعه في 2 أغسطس من نفس العام إعلان حقوق الإنسان والمواطنين والدعوة لتطبيق الحرية والمساواة والاعتراف بحق مقاومة التمييز والاضطهاد.1

النظام الجمهوري ومصير الملك لويس السادس عشر

عادت المظاهرات إلى شوارع باريس من جديد وأُثجبر الملك لويس السادس عشر وعائلته على العودة إلى باريس في 5 أكتوبر 1789، لكنه حاول الهرب في عام 1791 دون أن ينجح في ذلك فاضطر عندئذ للموافقة على إيجاد شكلٍ جديدٍ لنظام الحكم من خلال نقل صلاحياته إلى مجلسٍ تشريعيٍّ يستلم زمام الحكم في الفترة الممتدة من أكتوبر 1791 وحتى سبتمبر 1792، حيث حلَّ محله المؤتمر الوطني وأُعلن عن قيام جمهورية فرنسا ليُقدَّم الملك لويس السادس عشر للمحاكمة وينفذ بحقه حكم الإعدام في 21 يناير 1793، ليتبعه إعدام حوالي 1400 شخصًا اتُّهموا بمعاداة قيام النظام الجمهوري في فرنسا.2

انقسام القوى الثورية

مع استمرار أحداث الثورة بدأت الخلافات الإيديولوجية السياسية بالظهور بين الأطراف المكونة للمؤتمر الوطني، وأدى ذلك لانقسامه إلى الجيرونديين المعتدلين واليعاقبة الراديكاليين بينما، كان فصيلٌ سياسيٌّ ثالثٌ يتشكل في شوارع باريس وتزداد قوته، كما ساهمت محاكمة الملك لويس في زيادة الانقسام عندما رفض الجيرونديين إعدامه وفضلوا بقاءه حيًا، بينما أصر اليعاقبة على ضرورة إعدامه لاستمرار قيام الجمهورية.

بعد ذلك جاءت الحروب التي أعلنها المؤتمر الوطني ضد النمسا وبروسيا لتزيد من الشرخ والانقسام بين الفصائل الثورية حيث انقسم اليعاقبة فيما بينهم؛ فقد فضل جورج دانتون الالتفات نحو الحروب الخارجية بينما دعا روسبير إلى إيلاء مزيد من الاهتمام نحو توطيد الأوضاع في العاصمة باريس، ليرسو القرار أخيرًا على إرسال الميليشيا الثورية نحو المناطق الحدودية الفرنسية وتبقى العاصمة باريس خاليةً من أي حمايةٍ، فبدأ صحفي الثورة الفرنسية الراديكالي جان بول مارات بالدعوة لقتل جميع السجناء السياسيين، فاستجاب له مناهضو الأرستقراطية وقتلوا آلاف السجناء من الأرستقراطيين ورجال الدين ليُعرف ذلك فيما بعد بمذبحة سبتمبر.

خطر الحرب الأصلية في فرنسا

ساد جوٌ من السخط في مناطق الأرياف الفرنسية نتيجة لأعمال القتل والعنف في باريس، خاصةً بعد مذبحة سبتمبر التي لم تُفرّق فيها المقصلة بين رؤوس الرجال والنساء وحتى الأطفال، ليبدأ الناس بالتحرك ضد الثورة في مختلف المقاطعات الفرنسية، لكنهم قوبلوا بمزيد من العنف وارتكبت قوى الثورة مزيدًا من المجازر وعمليات القتل الجماعي ولاحت في تلك الفترة بوادر نشوء حربٍ أهليةٍ في فرنسا.

اغتيال صحفي الثورة الفرنسية

في منتصف شهر يوليو عام 1793 وصلت إلى باريس إحدى السيدات الفرنسيات وتدعى شارلوت كورداي قادمة من الريف، وطلبت لقاء جان بول مارات بحجةٍ أنها تمتلك معلومات عن الجهات المعارضة للثورة في مقاطعة كاين، لكنها في الحقيقة جاءت لقتله اعتقادًا منها أن موته سينهي العنف ويعيد السلام إلى البلاد؛ فكان لها ذلك باستخدام سكينٍ غرسته في صدره أنهت حياته، فأُلقي القبض عليها وأُعدمت بالمقصلة واعتُبر مارات شهيدًا ورمزًا للتضحية في سبيل البلاد.

إعدام آخر ملكة في فرنسا

بعد عدة أشهرٍ قُدّمت الملكة ماري أنطوانيت للمحكمة التي وجَّهت لها عدة تُهمٍ منها معاداة الثورة والخيانة، ليُنفَّذ فيها حكم الإعدام في 16 أكتوبر 1793 وتفصل المقصلة رأسها معلنةً عن مقتلٍ آخر ملكة من ملكات فرنسا.

القضاء على الجيرونديين

أدى الانقسام بين القوى الثورية عام 1793 إلى الانقلاب على الحكومة تحت ذريعة مُعاداتها للثورة بقيادة روبسبير ودانتون، اللذان أعطيا الأوامر بالقضاء على الجيرونديين بحجة معاداة الثورة. وبذلك أُتيحت الفرصة أمام اليعاقبة لإقناع بقية الأطراف في الجمعية الوطنية بضرورة استخدام العنف للقضاء على كافة الحركات المناهضة للثورة.

تغاضى روبسبير عن إعدام مناهضي الثورة ووافق على فرض رقابة على الصحافة في سبيل ضبط البلاد والالتزام بكافة تعليماته ورغباته، حيث أمر بتأسيس المحكمة الثورية لمحاكمة كلٍ من يثبت قيامه بأنشطةٍ معاديةٍ للثورة، لكنها بدأت بتنفيذ الإعدامات وتوجيه تهم الخيانة لمجرّد الكلام فقط، وترأس روبسبير لجنة السلامة العامة التي نصّبت نفسها كأنها شرطي البلاد، وبدأ بإعطاء أوامر الإعدام ليحكم فرنسا بيدٍ من حديدٍ.

إعدام دانتون وروبسبير

مع ازدياد نفوذ روبسبير واعتماده على العنف شعر دانتون بالقلق وطالب بضرورة وضع حدٍ للثورة وإنهائها، فأرسله روبسبير إلى المحكمة لينتهي الأمر به تحت المقصلة مع أتباعه؛ ثم تابع روبسبير التخلص من خصومه وإرسال كل من يُعارضه إلى المقصلة حتى وصلت عمليات الإعدام إلى حوالي 800 شهريًا، وأصبح شخصيةً مرعبةً يهابها كافة أبناء الشعب الفرنسي بل واعتبر نفسه إنسانًا غير عاديٍّ، واستمر كذلك حتى ثار الناس وألقوا القبض عليه مع أتباعه وأرسلوه إلى المقصلة التي أنهت حياته.

نابليون بونابرت ونهاية الثورة الفرنسية

بعد موت روبسبير لم يكن الحال أفضل بكثيرٍ فقد أُنشئت حكومةٌ جديدةٌ ووُضع دستورًا جديدًا للبلاد لكنه لم ينل إعجاب كافة الفئات والأطراف السياسية الفرنسية، فاندلعت مظاهراتٌ جديدةٌ في شوارع العاصمة باريس في 5 أكتوبر 1795 وبدأت الأصوات المنتقدة للجمهورية بالارتفاع مطالبةً بعودة النظام الملكي، لكن مع عودة نابليون بونابرت قاد انقلابًا على السلطة ونصّب نفسه زعيمًا للبلاد وأعاد الكنيسة معلنًا قيام نظامٍ جمهوريٍّ يحكم فرنسا عام 1799.3

أسباب الثورة الفرنسية

ساهمت الحروب الكثيرة والطويلة التي خاضتها فرنسا لسنوات في إلحاق الضرر بالنظام الاقتصادي للبلاد والحد من الموارد التي تعتمد عليها، خاصةً مع استلام لويس السادس عشر الحكم وتأييده المستعمرات الأمريكية في حربها ضد بريطانيا لنيل الاستقلال، كل هذا دفع إلى البحث عن مواردٍ تغطي نفقات الجيش والجامعات وبقية الجهات الحكومية ليكون ذلك من خلال فرض مزيدٍ من الضرائب التي زادت من معاناة الشعب خاصةً الفلاحين في ظل زيادة الطلب على الحبوب وارتفاع أسعارها الأمر الذي أدى إلى انتشار الجوع بين عامة الشعب.4

المراجع