الحرب الاهلية في لبنان

لم تكن الحرب الاهلية في لبنان حربًا تقليديةً مثل الحرب الاهلية الأمريكية أو حرب البروتستانت والكاثوليك، وليست مثل الحرب في حوض البلقان بين البوسنيين والصرب والكرواتيين، بل كانت مؤلفةً من عدَّة حروبٍ مجتمعةٍ تحت مسمى حرب أهلية واحدة، حدثت فيها اشتباكاتٌ بين المسلمين والمسيحيين وبين أبناء الدين الواحد أيضًا، وشاركت قواتٌ أجنبيةٌ متعددةٌ في هذه الحروب كلٌّ منها لرعاية مصالحه الشخصية.

أسباب الحرب الاهلية في لبنان وأطراف النزاع

بدأت الحرب الاهلية في لبنان في 13 أبريل عام 1975 بعد حوالي ثلاثين عامًا من الاستقلال إثر محاولةٍ فاشلةٍ لاغتيال الزعيم الماروني بيار الجميِّل أدت لمقتل مرافقه، واتهمت الحكومة اللبنانية الفلسطينيين، حيث حدث بعد ذلك هجومٌ على حافلةٍ تقلّ فلسطينيين ولبنانين. وقد كان الجو في لبنان مشحونًا ومهيَّأً لحدوث الحرب، وناتجًا عن عدة أسبابٍ أهمها الأسباب الاقتصادية والسياسية.

سبَّب الواقع الاقتصادي والمعيشي السيِّء بعد الاستقلال استياء الشعب اللبناني، فلم يحصل أي تغييرٍ جذريٍّ في السياسة المالية للحكومة وتنظيم الموازنة العامة للدولة وبقيت دون أية رقابةٍ، فكان توزيع حصص كل وزارةٍ من الموازنة يعتمد على المحسوبيات والأصول الدينية والعشائرية، مثلًا كانت وزارة الدفاع تحصل على الحصة الأكبر من الموازنة العامة بفرقٍ كبيرٍ عن أيّ وزارةٍ أُخرى. كما عانت الدولة اللبنانية من نقصٍ في القوة العاملة، وشهدت هجرة العديد من السكان إلى الدول الأخرى خاصًّةً الدول المنتجة للنفط باحثين عن عملٍ برواتبَ جيدةٍ.

بينما تجلَّت الأسباب السياسية بانقسام مطالب المسلمين والمسيحيين الذين كانوا يتقاسمون تعداد السكان في الدولة إذ يمثل كل دينٍ نصف عدد السكان، وكذلك شعر المسيحيون المارونيون بأن هجرة الفلسطينيين إلى لبنان بعد الاحتلال الإسرائيلي شكلت خطرًا على وجودهم في لبنان، إذ حصلت عدة اشتباكاتٍ بين الطرفين كان أولها في 2 مايو عام 1973، وازدادت حدة هذه الاشتباكات في محاولاتٍ فاشلةٍ من الجيش اللبناني للقضاء على الوجود الفلسطيني في لبنان. وقد أدى هذا الفشل لتشكيل ميليشياتٍ متعددةٍ بحجة إنهاء ما بدأه الجيش اللبناني، ولكن عندها حصلت عدة تحالفاتٍ بين قوات عربيةٍ خارجيةٍ وقواتٍ لبنانيةٍ مسلمةٍ مع الفلسطينيين، مما أشعل شرارة هذه الحرب الاهلية في لبنان.

شارك في هذه الحرب كل من المسيحيين الموارنة والمسلمين السنة والشيعة والدروز وجبهة التحرير الفلسطينية، بالإضافة إلى الإسرائيليين والجيش السوري، مقسمين على ثلاث جبهاتٍ رئيسيةٍ هي:

  • الجبهة اللبنانية المؤلفة من المسيحيين الموارنة والتي حصلت على دعمٍ سوريٍّ وإسرائيليٍّ في آنٍ واحدٍ.
  • الحركة الوطنية اللبنانية المؤلفة من المسلمين الدروز.
  • منظمة التحرير الفلسطينية التي تحالفت مع الحركة الوطنية اللبنانية ضد الجبهة اللبنانية وداعميها.§

التدخل السوري

تطورت المشاركة الدبلوماسية السورية خلال عام 1976، لكنها لم تحقق نجاحًا كبيرًا في استعادة النظام في النصف الأول من العام. ونظمت اتفاقية وقف إطلاق النار في يناير من العام التالي، وأنشأت اللجنة العسكرية العليا التي تفاوضت من خلالها مع جميع الأطراف الداخلية المشاركة في الحرب.

ولكن تعقدت هذه المفاوضات بسبب أحداثٍ أخرى وخاصةً المواجهات والاشتباكات التي حصلت بين الجبهة اللبنانية والفلسطينيين، حيث بدأت الجبهة اللبنانية في هذا الشهر الحصارَ على تل زعتر، وهو مخيمٌ لللاجئين الفلسطينيين مكتظٌ بالسكان في شرق بيروت. كما اجتاحت الجبهة اللبنانية كارنتينا، وهي حيٌّ مسلمٌ في شرق بيروت.

أدت هذه الإجراءات أخيرًا إلى ضم القوات الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني إلى الحرب الاهلية في لبنان. استولى جيش التحرير الفلسطيني والحركة الوطنية اللبنانية معًا على بلدة الدامور؛ وهي معقل شمعون قائد الجبهة اللبنانية على بعد حوالي سبعة عشر كيلومترًا جنوب بيروت.

على الرغم من هذه الاشتباكات والصراعات وبفضل المساعي الحميدة في سوريا، توصل الطرفان إلى حلولٍ مرضيةٍ. ففي 14 فبراير 1976، ساعدت سوريا في التفاوض على برنامج إصلاح من سبعة عشر بندًا يعرف باسم الوثيقة الدستورية، ولكن هذا الاقتراح باء بالفشل بسبب تفكك الجيش اللبناني في شهر مارس من نفس العام.

ونتيجة لهذه الإخفاقات الدبلوماسية شنّ الجيش السوري حملةً عسكريةً على معاقل الجبهة الوطنية اللبنانية، سيطر فيها على معاقل هذه الجبهة في غضون أسبوعين وانهزمت المعارضة عسكريًّا. ولكن بدلًا من القضاء على المقاومة بشكلٍ عسكريٍّ كامل، اختار الجيش السوري المشاركة في مؤتمر سلامٍ عُقد في الرياض في 16 أكتوبر 1976، أنهى الحرب الاهلية اللبنانية رسميًّا مع بقاء عددٍ من القوات السورية في لبنان بشكلٍ قانونيٍّ ودعمٍ عربيٍّ للمحافظة على الأمن في المنطقة.§ §

حصلت بعد ذلك حروبٌ ومشاكلُ متعددةٌ، منه اشتباكات بين الجيش السوري والجيش اللبناني بقيادة بشار الجميِّل بسبب توقيفه على حاجزٍ سوريٍّ انتهت بانسحاب الجيش السوري من لبنان الشرقية.

وحاولت إسرائيل غزو جنوب لبنان في عام 1978، ولكن محاولتها باءت بالفشل وانسحبت من جنوب لبنان، ولكنها لم تيأس وقامت بغزو لبنان في عام 1982، واستولت على مدن جنوب لبنان مثل صور وصيدا، كما قامت لبنان بمساعدة أمريكا بإبرام معاهدة بين لبنان وسوريا وإسرائيل نصت على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بشرط انسحاب سوريا من الأراضي اللبنانية، ولكن سوريا رفضت الانسحاب وتضامن معها المسلمون اللبنانيون.

وفي النهاية عقد النواب اللبنانيون اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب ونُفي على إثره ميشيل عون الذي رفض الاتفاق إلى فرنسا، وانتهت الحرب الاهلية في لبنان في أكتوبر من عام 1990.§

800 مشاهدة