خلال الأربعين سنة الأخيرة، أصبحت الحروب الصليبية واحدةً من أكثر المجالات الديناميكية في التحقيق التاريخي، ما يشير إلى تزايد الفضول لفهم وتفسير هذه الأحداث غير العادية. مثل أهدافها وغاياتها، وآثارها على جميع الأديان في شرق المتوسط، وطريقة تدوين الناس لهذه الحملات والإرث الذي خلفته ورائها.1

الحروب الصليبية

الحملات الصليبية عبارةٌ عن تحركٍ مسيحيٍّ مسلحٍ منظمٍ من قبل الباباوات والسلطات المسيحية الغربية لاحتلال القدس واسترجاع الأرض المقدسة من المسلمين والسيطرة عليها. حيث أمل الصليبيون باستعادة ما ادعوا أنه أرضٌ مسيحيةٌ. ورأوا أنه حان الوقت لثورةٍ عنيفةٍ لتنفيذ لاسترجاع كل الأجزاء.

خلقت الحروب الصليبية شعورًا بالهوية المسيحية المقاتلة في أوروبا الغربية، وخلال قرونٍ من الصراع والحروب لعبت دورًا في توحيد الدول المسلمة المتباينة ضد الغزو الفرنجي.

في أواخر القرن الحادي عشر، كانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية قد خسرت أراضيها لصالح الأتراك السلاجقة في الشرق.2

الأسباب والدوافع

شكلت الحملة الصليبية الأولى 1095 -1102 سابقةً لخليطٍ عنيفٍ بين السياسة والدين والعنف الذي سيقود كل الحملات المستقبلية. حيث رأى فيها الإمبراطور الكسيوس كومنينوس Alexius Comnenus  فرصةً لكسب مساعدة القوات الغربية في القتال ضد السلاجقة الأتراك الذين انتزعوا منه إمبراطوريته في آسيا الوسطى. فعندما سيطر السلاجقة على القدس عام 1087، زودهم بدافعٍ لتحريكٍ مسيحيي الغرب. وقام الكسيوس الأول بالاستيلاء على عرش بيزنطة عام 1081 ووحد السيطرة على الإمبراطورية المتبقية باسم إمبرطورية الكسيوس الأول.

في عام 1095، أرسل ألكسيوس مبعوثًا إلى البابا أوربان الثاني Urban II وطلب منه قواتٍ مرتزقةً من الغرب لمساعدته على مواجهة التهديد التركي. ورغم اتسام العلاقات التي تربط المسيحيين في الشرق والغرب بالتناحر، إلا أن طلب الكسيوس جاء في الوقت الذي تحسنت فيه.

وفي تشرين الثاني 1095، في مجمع كليرمونت بجنوب فرنسا. طلب البابا من مسيحيي الغرب أن يهيئوا الجيوش لمساعدة البيزنطيين واسترداد الأرض المقدسة من سيطرة المسلمين. وكان ذلك بداية الحروب الصليبية

وقوبلت ذريعة البابا باستجابةٍ هائلةٍ. سواءً بين النخبة العسكرية والمواطنين العاديين. وارتدى هؤلاء الذين انضموا إلى رحلة الحج المسلحة، الصليب كرمزٍ للكنيسة.

 وكان دافع البابا أوربان الثاني من الحروب الصليبية هو رغبه بتقوية السلطة البابوية واستغلال النفوذ ليصبح السلطة المطلقة على الكنيسة المسيحية بما فيها أرثوذكس المشرق. حيث إن احتلال القدس ومواقع أخرى ككنيسة القيامة التي تعتبر ضريح المسيح، ستكون ضربةً موفقةً حقيقيةً بعد 4 قرون من سيطرة المسلمين. وبناءً على ذلك قام البابا بحملات تبشير عبر أوروبا، ناشدت النبلاء والفرسان بشحذ سيوفهم والتوجه إلى الديار المقدسة للدفاع عن المواقع المسيحية الأغلى والمسيحيين من أي تهديدٍ.

وقد عرفت الأسباب لاتخاذ المحاربين الصليب كيمينٍ للحملات الصليبية والقيام برحلةٍ شاقةٍ بشكلٍ كبيرٍ للقتال على أرضٍ أجنبيةٍ مدفوعين بالعديد من الأشياء. أولها كان الدين (الدفاع عن المسيحيين والولاء، ووعد البابا بمسح كل خطاياهم وطريقٍ سريعٍ إلى الجنة)، أيضًا كان هناك المثل العليا للفروسية وفعل الأمر الصواب، وضغط العائلة وفرصة كسب ثرواتٍ ماديةٍ، وأراضيٍّ وألقابٍ والرغبة في السفر ورؤية الأماكن المقدسة. لكن طموحات جنودٍ آخرين كانت أقل من ذلك وتمثلت عند البعض ببساطةٍ في اتباع نبلائهم، أو في الهرب من الديون والعدالة، أو حتى العيش باحترامٍ والحصول على وجباتٍ منتظمةٍ. وستستمر هذه الدوافع لتضمن تجنيد العدد الأكبر خلال الحملات اللاحقة.3

الحملة الصليبية الأولى 1096- 1099

تشكلت أربعة جيوشٍ للصليبيين من قوات مناطقٍ مختلفةٍ من أوربا الغربية، غادرت إلى بيزنطةٍ في آب 1096 بقيادة رايموند دو سان جيل وجودفري حاكم بولون وهوغ من فرماندوا وبوهيموند من تارنتو.

كما وجدت مجموعةٌ من الفرسان والعامة أقل تنظيمًا عرفت باسم ” حملة الشعب أو الفقراء” سبقت الآخرين تحت قيادة كاهنٍ مشهورٍ يعرف بـ بطرس الناسك.

عبر جيش بطرس البوسفور في أوائل شهر آب، متجاهلًا نصيحة ألكسيوس بانتظار وصول بقية القوات الصليبية. وفي الصدام الأول الرئيسي بين الصليبيين والمسلمين سحقت القوات التركية الغزو الأوروبي في Cibotus.

وقامت مجموعةٌ أخرى من الصليبيين يقودها الكونت Emicho سيء السمعة بشن سلسلةٍ من المذابح بحق اليهود في قرى مختلفةٍ من راينلاند عام 1096 ما سبب أزمة كبيرة في العلاقات المسيحية اليهودية.

عندما وصلت الجيوش الرئيسية الأربعة إلى القسطنطينية، أصر ألكسيوس أن يقسم قادتها على الولاء له وأن يسلموا بسلطته على أي أرضٍ من أراضي الأتراك وعلى غيرها من المناطق التي تخضع. لكن بوهيموند Bohemond رفض أداء القسم.

وفي أيار 1097، هاجم الصليبيون وحلفاؤهم البيزنطيين نيقية عاصمة السلاجقة في أنطاكية، التي استسلمت في أواخر حزيران.

احتلال القدس

بالرغم من سوء العلاقات بين القادة الصليبيين والبيزنطيين، فإن القوة الموحدة استمرت بتقدمها باتجاه أنطاكية Anatolia واحتلت المدينة السورية العظيمة في حزيران 1098.

وبعد صراعاتٍ داخليةٍ متنوعةٍ للسيطرة على أنطاكية. بدأت القوات الصليبية تقدمها باتجاه القدس.

خيمت القوات المسيحية قبل القدس في حزيران 1099 وحوصر حاكم المدينة بحلول بمنتصف الشهر نفسه.

وبالرغم من وعد تانكريد بحمايتها، تم ذبح مئات الرجال والنساء والأطفال في القدس.

الحملة الصليبية الثانية

بعد تحقيق الحملة الصليبية الأولى هدفها خلال فترةٍ قصيرةٍ غير متوقعةٍ، غادرت العديد من الجيوش الصليبية. وللسيطرة على الأراضي التي احتلتها. قاموا بتأسيس أربع مستوطناتٍ غربيةٍ كبيرةٍ أو دولٍ صليبيةٍ في القدس، آديسا ( الرها أو أورفة)، أنطاكية وطرابلس.

وقد حمى الصليبيون دويلاتهم بقلاعٍ كبيرةٍ، وحافظوا على اليد العليا في المنطقة حتى عام 1130 عندما بدأت قوات المسلمين بكسب الأراضي بالجهاد من المسيحيين الذين أطلقوا عليهم اسم الفرنجة.

وفي عام 1144م، قام السلطان السلجوقي زنكي حاكم الموصل باحتلال إديسا ما أدى إلى خسارة الدولة الصليبية الشمالية.

فاجأ سقوط آديسا أوروبا وأدى إلى دعوة السلطات المسيحية في الغرب إلى حملةٍ صليبيةٍ أخرى. وبدأت الحملة الثانية من الحروب الصليبية عام 1147 بقيادة حاكمان كبيران هما ملك فرنسا لويس السابع  VIIوملك ألمانيا كونراد الثالث.

وفي تشرين الأول، أباد الأتراك قوات كونراد في إسكي شهر Dorylaeum. وهو الموقع الذي حقق فيه المسيحيون النصر خلال الحملة الأولى.

وبعد اجتماع قوات لويس وكونراد في القدس، قررا الهجوم على القلعة السورية في دمشق بجيشٍ يضم 50 ألف مقاتلٍ (وكانت القوة الصليبية الأكبر).

واضطر حاكم دمشق للاستعانة بنور الدين، وريث زنكي في الموصل لمساعدته. وتعرض الصليبيون لهزيمةٍ منكرةٍ أمام القوات المسلمة المتوحدة ما أنهى بحسم الحملة الصليبية الثانية. وفي عام 1154 ضم نور الدين دمشق إلى إمبراطوريته المتوسعة.4

الحملة الصليبية الثالثة

بعد سقوط إمارة الرها، أصبح مصير الدول الصليبية الثلاث المتبقية أكثر اضطرابًا. فالقائد المسلم الجديد صلاح الدين، سلطان مصر وسورية (1174- 1193) انتصر على الجيش اللاتين الشرقي في معركة حطين عام 1187 واستعاد القدس مباشرةً. وستؤثر هذه الأحداث على الحملة الثالثة (1189- 1192). وقد نال ملكان وإمبراطور الشهرة الأكبر في كل الحملات وتم تسميتهم “ملوك الصليبيين” وهم ملك ألمانيا والإمبراطور الروماني المقدس فريدريك الأول وملك فرنسا فيليب الثاني وملك انكلترا ريتشارد الأول قلب الأسد.

وبالرغم من التاريخ الملكي، اتجهت الأمور نحو الأسوأ للصليبيين منذ غرق فريديريك في نهرٍ في الطريق إلى الديار المقدسة في حزيران عام 1190. ولم ينهِ حضور ريتشارد بشكلٍ كاملٍ حصار عكا في تموز 1911 بعد أن سبب تحريضًا بسبب احتلاله قبرص في الطريق. بالتقدم نحو يافا حقق الجيش المسيحي نصرًا آخر في معركة أرسوف  Arsuf في أيلول 1911 لكن مع مرور الوقت وصلت القوات إلى القدس وشعروا أنهم لن يقدروا على احتلال المدينة وحتى إن فعلوا فإن الجيش الضخم الفتي لصلاح الدين سيسترجعها بالتأكيد مباشرةً.

وكانت النتيجة النهائية للحملة الصليبية الثالثة مجرد جائزةٍ ترضيةٍ: وهي معاهدةٌ سمحت للحجاج المسيحيين بالسفر إلى الديار المقدسة دون التعرض لمضايقات مع شريطٍ من الأراضي حول عكا. وقد كانت موطئ قدمٍ حيويٍّ ومصدر إلهامٍ للعديد من الحملات الصليبية المستقبلية.5

الحملة الصليبية الرابعة

رغم دعوة البابا انوسنت الثالث لحملةٍ صليبيةٍ جديدةٍ عام 1198، إلا أن الصراع داخل وبين أوروبا وبيزنطة قاد الصليبيين عام 1202 لتعديل وجهتهم من مصر إلى حصار القسطنطينية لإسقاط إمبراطور بيزنطة الكسيوس الثالث لصالح ابن أخيه الذي أصبح الكسيوس الرابع منتصف عام 1203. ولجمع المبلغ المالي الضخم الذي وعدوا به مقابل الدعم.

أما محاولة الإمبراطور الجديد إخضاع الكنيسة البيزنطية لروما فقد لاقت مقاومةً صلبةً. وتم إعدامه بعد انقلابٍ عليه بداية 1204.

وكردٍ على ذلك، قام الصليبيون بإعلان الحرب على القسطنطينية. وانتهت الحملة الرابعة بسقوطٍ مدمرٍ ومهينٍ للقسطنطينية تميز بإخضاعٍ دمويٍّ مع نهبها والاقتراب من تدمير العاصمة البيزنطية العظيمة فيما بعد من نفس العام.6

وكانت المدينة قد نهبت عام 1204، وقسمت ثرواتها بين البندقية (بقيت حصة الأسد في خزانة سان ماركو في البندقية) وفرنسا وغيرها من الصليبيين. وتأسست الإمبراطورية اللاتينية في القسطنطينية وكان بالدوين من فلاندرز هو الإمبراطور. وفي عام 1261 استرجع البيزنطيون المدينة.7

الحملات الصليبية الأخيرة

انطلقت الحملات الصليبية المتتابعة إلى الأرض المقدسة. وكانت الحملات السابعة عام 1248 والثامنة 1270 برعاية الملك لويس التاسع. الذي مات في تونس. في عام 1271 احتل السلطان بيبرس قلعة القرين (مونتفورت). وفي عام 1291 سقطت المدينة الصليبية في عكا منهية عهد ممالك القلاع اللاتينية. وقد تعالت الأصوات مطالبةً بحملاتٍ صليبيةٍ جديدةٍ عبر القرون التالية لكن تم تجاهلها.8

المراجع

  • 1 ، The Crusades: A Complete History، من موقع: www.historytoday.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-9-2019
  • 2 ، The crusades، من موقع: www.bbc.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-9-2019
  • 3 ، Crusades، من موقع: www.ancient.eu، اطّلع عليه بتاريخ 30-9-2019
  • 4 ، Crusades، من موقع: www.history.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-9-2019
  • 5 ، Crusades، من موقع: www.ancient.eu، اطّلع عليه بتاريخ 30-9-2019
  • 6 ، Crusades، من موقع: www.history.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-9-2019
  • 7 ، The Crusades (1095–1291)، من موقع: www.metmuseum.org، اطّلع عليه بتاريخ 30-9-2019
  • 8 ، The Crusades (1095–1291)، من موقع: www.metmuseum.org، اطّلع عليه بتاريخ 30-9-2019