الحملة الفرنسية على مصر

تقاسم العثمانيون والمماليك حكم مصر في القرن الثامن عشر، مما حرم المنطقة من جيشٍ قويٍّ وإدارةٍ منظمةٍ، وجعل تلك المنطقة الاستراتيجية محط أطماع الهيئة الحاكمة في فرنسا التي وجدت في احتلال مصر فرصةً لتعطيل طرق التجارة لعدوتها بريطانيا نحو الهند، كما أن السيطرة على مصر توفر طريقًا للفرنسيين نحو أسواق الشرق الأقصى، وتفتح سوقًا جديدةً للتجار الفرنسيين الذين وجدوا صعوبةً من قبل في نقل وتثبيت تجارتهم في مدنٍ كالقاهرة والإسكندرية. كما وجدت الهيئة الحاكمة فرصةً في الحملة الفرنسية على مصر لإبعاد القائد الجديد للجيش الجنرال الشاب نابليون بونابرت عن فرنسا لتفادي أي فرصةٍ لانقلابٍ عسكريٍّ بقيادته. ليبحر بعدها نابليون إلى مصر من طولون في 19 مايو 1798 على رأس حملةٍ قوامها 40 ألف جندي و 10 آلاف بحار و 150 عالمًا مع أكثر من 400 سفينة.§

انطلاق الحملة الفرنسية على مصر

لم تخب نظرة الهيئة الحاكمة نحو نابليون، فالجنرال الطموح كان بالفعل ينتظر اللحظة المناسبة للوصول إلى الحكم. ولكن حتى حدوث ذلك تطلع قائد الجيش إلى تحقيق إنجازاتٍ عسكريةٍ جديدةٍ من خلال تحدي هيمنة البريطانيين على البحار، وتهديد سيطرتهم على طرق التجارة من خلال السيطرة على مصر، وقطع طريق هام للبريطانيين نحو الهند.

تمكن في بداية الحملة من تجاوز الأسطول البريطاني في البحر المتوسط، والسيطرة على جزيرة مالطا ليصل بعدها إلى مصر مع جنوده في 1 تموز 1798 مسيطرًا بشكلٍ سريعٍ على مدينة الإسكندرية، التي أصبحت أول مدينةٍ تحت سيطرة قواته في مصر ليقود بعدها قواته باتجاه القاهرة، ولتحدث عندها المعركة الكبيرة مع المماليك التي سميت فيما بعد بمعركة الأهرام.§

أهم المعارك التي تضمنتها الحملة الفرنسية على مصر

معركة الأهرام

وقعت معركة الأهرام أو معركة إمبابة بالقرب من القاهرة على الضفة الغربية لنهر النيل. حيث واجه الفرنسيون الزاحفون نحو القاهرة بقيادة نابليون جيشًا يضم حوالي 40000 جندي من المماليك والعثمانيين يقودهم مراد باي. وعلى الرغم من تفوق الجيش المملوكي بالعدد إلا أن أغلب قوات الجيش كانوا غير مدربين للحرب ما عدا 6000 من نخبة الخيالة في جيش المماليك.

تمكن الفرنسيون نتيجة حنكة نابليون العسكرية من الانتصار في المعركة، حيث قام نابليون بتقسيم جيشه إلى خمسة مربعاتٍ كبيرةٍ، قام بعدها بوضع المشاة على الجانبين وإبقاء الفرسان محميين في المنتصف مما جعل قواته قادرةً على الدفاع في أي اتجاهٍ هاجم منه جيش المماليك، الذي عانى بشكلٍ كبيرٍ من قلة الخبرة لدى الجنود وضعف التنسيق بين وحدات الجيش، ليتمكن الفرنسيون نتيجةً ذلك من احتواء هجمات المماليك المتتالية والانتقال بعدها للهجوم الذي لم يستطع المماليك مجابهته، لتنتهي بذلك المعركة في أقل من ساعةٍ ويفتح طريق القاهرة بوجه نابليون المنتشي بانتصاراته المتتالية التي كانت تبدو بدايةً مثاليةً للطريق نحو إمبراطورية فرنسية في الشرق. ولكن سرعان ما اندثر هذا الحلم.§

معركة النيل

أرسلت بريطانيا قائد البحرية خلف نابليون لإيقاف الحملة الفرنسية على مصر ولكنه فشل في ذلك في أول مرة، ليتمكن بعدها من العثور على الأسطول الفرنسي الذي كان يرسو في خليج أبو قير للتزود بالإمدادات، فاستغل الجنرال نيلسون عامل المفاجأة وقام بالهجوم على الأسطول الفرنسي مستفيدًا من ظلام الليل ليتمكن من تدمير 11 سفينةً وتتمكن سفينتان من الهرب. تمكن البريطانيون بعدها من إغراقهما.

أصبح نابليون نتيجة هذه المعركة محاصرًا في مصر بدون إمداداتٍ، وغير قادرٍ على العودة بجيشه إلى فرنسا، ولتكون هذه المعركة نقطة تحولٍ كبيرة في مسار الحملة الفرنسية على مصر، واتجه نظر نابليون بسببها نحو الشام في حملةٍ جديدةٍ منه كان مصيرها الفشل كذلك.

الفرنسيون في مصر بعد الهزيمة

وجد نابليون في الأوضاع السياسية في فرنسا فرصةً مناسبةً له للوصول إلى السلطة، ووجد في نفسه الشخص المناسب لقيادة فرنسا والسيطرة على البلد بشكلٍ كاملٍ، فقرر نتيجة ذلك العودة إلى فرنسا وترك مسؤولية قيادة القوات الفرنسية في مصر إلى الجنرال كليبر الذي قام بتوقيع اتفاق العريش مع العثمانيين، والذي نص على سحب القوات الفرنسية الباقية في مصر إلى فرنسا.

ولكن مع رفض البريطانيين للاتفاق ومنعهم للفرنسيين من الانسحاب، ما كان من الجنرال كليبر إلا أن هاجم القاهرة واستولى عليها، ليتم اغتياله بعد ذلك بعدة أسابيع، مما دفع البريطانيين لإرسال قواتٍ إلى مصر بقيادة الجنرال أبركرمبي اشتبكت مع الفرنسيين في الإسكندرية في معركةٍ كانت نتيجتها مقتل الجنرال أبركرمبي، وهزيمة الفرنسيين وإجبارهم على الانسحاب من القاهرة، وإعلان الاستسلام، ليسمح بعدها للفرنسيين بالانسحاب إلى فرنسا وليتم بعدها إطلاق سراح الأسرى في صفقة عام 1802.

لتنتهي بذلك أحلام نابليون في الشرق الذي نجح بنفس الوقت في انقلابه وتسلم نتيجة ذلك سدة الحكم في فرنسا.§

88 مشاهدة