الصندوق الأسود

تعود فكرة الصندوق الأسود إلى خمسينيات القرن الماضي، حين تعرضت الطائرات التجارية لخمسة حوادث تحطمٍ في أول سنتين من بدء رحلاتها. أدرك خبراء الطيران والمحققون مدى أهمية معرفة ما كان يجري على متن الطائرة قبل حدوث التحطم. وبعد نماذج عديدة لم يبصر بعضها النور، توصل المختصون إلى جهازٍ لتسجيل بعض المعلومات الهامة عن حالة الطائرة، يُعرف في يومنا هذا بالصندوق الأسود. وبالرغم من أن استخدام الصندوق الأسود لا يقتصر على الطائرات وحسب – حيث تملك السفن، والقطارات، وحتى السيارات الحديثةُ نُظمَ تسجيل معلوماتٍ شبيهة بالصندوق الأسود – إلا أن اسمه يرتبط لدى الكثيرين بالطائرات وحوادث سقوطها.

ما هو الصندوق الأسود

الصندوق الأسود هو مصطلحٌ عام يُستخدم للإشارة إلى أجهزة تسجيل البيانات، تحملها الطائرات الموجودةٍ في وقتنا هذا، ويستخدمه خبراء التحقيقات الجوية؛ لتحديد الحالات الطارئة أو المشاكل والأعطال التي حدثت قبل ثوانٍ قليلةٍ من الكارثة. أما الاسم العلمي له فهو مسجل بيانات الطيران Flight Data Recorder (FDR)، وهو نظامٌ حاسوبيٌّ مصغر، يسجل مجموعةً متنوعةً من البيانات المهمة مثل ارتفاع الطائرة، وسرعتها، واتجاهها، وكمية الوقود، ومعدل تدفقه، ودرجة حرارة قمرة القيادة، وفيما إذا كان الطيار الآلي مفعلاً أم يستلم الطيار التحكم بالطائرة، وغيرها الكثير من البيانات التي يمكن أن تصل في الأجهزةِ الحديثةِ إلى 1000 قيمة مختلفة، خلال مدة التسجيل التي قد تصل إلى 25 ساعة من البيانات.

يعمل جهاز FDR عادةً بالتزامن مع جهازٍ آخر يسمى مسجل صوت قمرة القيادة Cockpit Voice Recorder (CVR)، الذي لا يوثق المحادثات بين الطاقم فقط، بل أيضًا الأصوات في قمرة القيادة، وصوت المحرك، وأصوات التحذيرات، وتنبيهات الخطر وما إلى هنالك.§

يُزود كلًا من الجهازين بموجّهٍ لاسلكيٍ؛ لتحديد الموقع تحت المياه Underwater Locator Beacon (ULB) بهدف تسهيل تحديد موقع الصندوق الأسود، في حال تحطم الطائرة فوق المسطّحات المائية؛ حيث يبدأ الموجه اللاسلكي ببث إشاراتٍ فوق صوتية فور غمره بالماء، وبإمكانه بث الإشارات على عمق 4200 متر، وتستطيع أجهزة السونار المحمولة على متن غواصاتٍ خاصةٍ من التقاط تلك الإشارات، وتحديد موقع الصندوق. ويوضع هذين الجهازين في الجزء الخلفي من الطائرة كونه الجزء الأقل عرضةً للتضرر عند سقوط الطائرة.

الصندوق الأسود

لم سمي بالصندوق الأسود

هنالك عدة أفكارٍ مغلوطةٍ عن الصندوق الأسود، أولها هي أن الصندوق الأسود ليس صندوقًا مربع الشكل أسود اللون، بل يتألف في الواقع من جهازين منفصلين يؤديان عملين مختلفين، ويتميزان بلونهما البرتقالي اللامع، وليس الأسود على عكس ما يشير إليه الاسم؛ وذلك لسهولة تمييزهما من بين الحطام، ويزود الجهازين بشريطٍ لامعٍ عاكسٍ للضوء لتسهيل اكتشافهما خصوصًا تحت الماء.

أما لفظ الصندوق الأسود فليس متداولًا بين خبراء الطيران، بل تطلقه الصحافة، والإذاعات، والأشخاص العاديين على نظام تسجيل بيانات الطائرة. والغريب في الأمر أنه لا أحد يعرف أصل تسمية الجهاز باسم الصندوق الأسود، وهناك العديد من الفرضيات التي حاولت تفسير استمرار استخدام هذا الاسم على الرغم من لونه البرتقالي.

الصندوق الأسود

يقول البعض أن اسم الصندوق الأسود يُطلق على الأجهزة التي تملك الكثير من مداخل البيانات، فيما يعتمد البعض أن سبب التسمية هو استخدام مادةٍ سوداء؛ لحماية المكونات الداخلية للجهاز من التلف لكونها حساسة للضوء. تعزي فرضيةٌ أخرى سبب التسمية إلى تحول الصندوق إلى اللونٍ الأسود بعد احتراقه نتيجة تحطم الطائرة.

أما الاسم الصحيح لهذا الجهاز هو جهاز تسجيل الرحلة، أو جهاز التسجيل المحمول على متن الطائرة.§

تاريخ الصندوق الأسود

استُخدم الشريط المغناطيسي في بداية الخمسينيات لتخزين بيانات الرحلة، وبالرغم من أن بعض الطائرات الموضوعةِ حاليًا في الخدمة ما زالت تستخدمه، إلا أن الشركات المصنعة توقفت عن تصنيعه، واستُعيض عنه بشرائح تخزين الحالة الصلبة، التي تستخدم مجموعةً من شرائح الذاكرة لتخزين المعلومات، عوضًا عن الأجزاء المتحركة التي يتطلبها الشريط المغناطيسي. زادت شرائح الذاكرة الجديدة من سهولة إجراء عمليات الصيانة، وقللت من إمكانية تلف المكونات الداخلية جراء التحطم، كما مكنت الشرائح من تخزين كميةٍ أكبر من المعلومات.§

مم يصنع الصندوق الأسود

لا يصمم الجزء الخارجي من الصندوق الأسود للنجاة من التحطم، فعادةً ما يتضرر، أو يحترق، أو ينعطب. حيث يكون تحطم الطائرة أو اصطدامها في الأرض عنيفًا جدًا، في حين أن الجهاز الوحيد المصمم للنجاة من التحطم هو “وحدة الذاكرة المصممة للنجاة من التحطم” أو Crash-Survivable Memory Units (CSMUs)، وتُستَخدم لهذا الغرض عدّةُ طبقاتٍ منها ما صمم للحماية من الصدمات، وأخرى للوقاية من الحرارة العالية. وتُرتب الطبقات من الخارج إلى الداخل:

  • غلاف خارجي من الستانليس ستيل

الغلاف الخارجي الذي يؤمن الحماية للأجزاء الداخلية، وهو الطبقة التي تتلقى الجزء الأكبر من الصدمة، ويُستخدم أحيانًا التيتانيوم بدلًا من الستانلس ستيل.

  • طبقة عازلة للحرارة

وهي عبارة عن إنشٍ واحد (2.54 سم) من مادة السيليكا الجافة، وتُشكلُ درعًا عازلًا يحمي شرائح الذاكرة من درجات الحرارة العالية الناتجة عن الحريق بعد التحطم، حيث تتحمل حرارة تصل إلى 1100 درجة مئوية.§

  • طبقة من الألمنيوم

وهي طبقةٌ رقيقةٌ من الألمنيوم تستقر بداخلها شرائح الذاكرة.§