العزلة مرض أم ضرورة وهل تساعد حقا في تحسين الحالة الذهنية؟

الموسوعة » ثقافة عامة » العزلة مرض أم ضرورة وهل تساعد حقا في تحسين الحالة الذهنية؟

حاول العديد من الأشخاص القيام بتجارب عديدة لاكتشاف قدراتهم على التحمّل، محاولين الوصول إلى فهم أكثر لقدراتهم المختلفة. كانت تجربة العزلة واحدةً من بين هذه المجموعة المطوّلة. فما الفائدة التي يمكن جنيها من العزلة!

أخيرًا كان لدي وقت لقضاء بعض الوقت!

قام الصحفي والكاتب الإيطالي المعروف تيزيانو تيرزاني في ثمانينيات القرن الماضي بتجربةٍ فريدةٍ، فبعد سنوات طويلة من التغطية الإعلامية في آسيا قام بعزل نفسه في منزلٍ ريفيٍّ في مقاطعة إباراكي اليابانية لمدة شهرٍ كاملٍ دون التواصل مع أحدٍ، حيث كتب لاحقًا عن هذه التجربة قائلًا: ” قضيت شهرًا كاملًا دون أن يكون معي أحد لأتحدث معه باستثناء الكتب وكلبي الأليف باولي!”.

قضى تيزيانو الشهر في الاستماع لحفيف الأشجار ومراقبة الفراشات والتمتع بصمت الطبيعة حوله، وفي نهاية هذه التجربة علق بالقول: ” أخيرًا وجدت الوقت لقضاء بعض الوقت!”.§

هذه قصةٌ حقيقيةٌ تمامًا وليست من نسج الخيال، فما الذي وجده هذا الصحفي في فترة العزلة التي قضاها حتى يعبر عنها بتلك العبارة التي أقل ما تعني بأنه وجد طعم الحياة الحقيقي!، لنتعرف على العزلة في مقالنا هذا.

تعريف العزلة

تعرف العزلة بأنها الحالة التي يكون فيها الإنسان منفردًا ولكن لا يكون وحيدًا، وهي حالةٌ يمكن أن تساعده على اكتشاف معانٍ جديدةٍ عن نفسه وعن الحياة.§

ولكن كيف يكون منفردًا ولا يكون وحيدًا؟

حسنًا في الحقيقة هذه ليست نوعًا من الفلسفة أبدًا، لذلك دعونا نستفيد من تعريف القاموس للوحدة وللعزلة.

يعرف قاموس Merriam-Webster الشهير الوحدة Loneliness بأن تكون بغير صحبةٍ أو أن تشعر بالحزن بسبب بقائك وحيدًا، أو الوصول إلى درجة الكآبة بسبب غياب الصحبة. في حين يعرف نفس القاموس العزلة Solitude بأنها الحالة التي يكون فيها الإنسان بعيدًا عن المجمتع.

إذن فالعزلة هي مجرد ابتعاد الإنسان عن المجمتع، في حين الوحدة هي حالة تولد عند الإنسان مشاعر الحزن والكآبة.§

ما هي فوائد العزلة

في الواقع هناك العديد من الفوائد للعزلة، فقد نصح بها الأطباء النفسيون وحتى المربون والفلاسفة الأقدمون. ولنذكر بعض هذه الفوائد:

التفكير العميق

غالبًا ما تكون أيام العمل التي نقضيها مليئةً بالمشاغل ومزدحمةً باللقاءات، ولذلك لا بد من ساعةٍ من العزلة في نهاية النهار لنمنح الدماغ فرصةً للغوص بعمقٍ في أفكارنا واعتقاداتنا، مما يساعدنا على فهم هذه المعتقدات والأفكار بشكلٍ أفضل، كما أن العزلة لبضعة أيامٍ بعد فترةٍ طويلةٍ من العمل (بعد سنة عمل شاقة مثلًا) تساعد الدماغ بشكلٍ كبيرٍ في استعادة نشاطه والتفكير بشكلٍ أفضل.

الاعتماد على النفس في أوقات العزلة

وهي من بديهيات الفوائد التي نحصل عليها من العزلة، فعندما نقضي بعض الوقت بمفردنا لن يكون لدينا أحد ليحضر لنا الطعام أو كأسًا من الشاي مثلًا، والأهم من ذلك لن يكون هناك من يفكر أو يأخذ القرارات نيابةً عنا، لذلك سنتدرب بالتدريج على الاعتماد على أنفسنا وسيخف اعتمادنا على الآخرين من حولنا.

الاسترخاء وزيادة معدل الشعور بالرضا والسعادة

تساعدنا العزلة على الاسترخاء واستعادة الطاقة التي فقدناها نتيجة العمل والتواصل مع الناس، وخصوصًا إذا كانت أعمالنا متعلقةً بعالم الأعمال والبيع والشراء إذ نضطر للتعامل مع عشرات الأشخاص يوميًّا، فنملك في أوقات العزلة كامل الوقت للاسترخاء دون مقاطعاتٍ أو إزعاجاتٍ. كما يؤكد الأطباء النفسيون أن للعزلة دورًا كبيرًا في زيادة الشعور بالسعادة والرضا.§

العزلة تساعد في تحسين الحالة النفسية والفكرية

أظهرت بعض الدراسات التي أجريت على فئة المراهقين والبالغين بأن أولئك الذين يمنحون أنفسهم بعض العزلة خلال فترةٍ منتظمةٍ، يتمتعون بصحةٍ ذهنيةٍ ونفسيةٍ أفضل من أمثالهم الذين لا يقومون بذلك.

قضاء الوقت بشكل أفضل

عندما تكون وحيدًا فهذا يعني أن الوقت كله بين يديك ويمكنك أن تقضيه بالطريقة التي تشاء دون مقاطعاتٍ، ودون اقتراحاتٍ قد لا ترغبها، فيمكنك تناول ما تشاء من الطعام كما يمكنك قراءة الكتب ومشاهدة البرامج التي ترغب، أو ربما يمكنك أن تقضي بعض الوقت في التمارين الرياضية أو حتى اليوغا والتأمل.

ولعل النتيجة المميزة من امتلاكنا لكامل الوقت عندما نكون في عزلةٍ هي زيادة واضحة في الإنتاجية، وكنصيحةٍ إذا كنت قد وضعت بعض الكتب للقراءة ولم تستطع ذلك فاقضِ يومًا أو يومين منفردًا ولاحظ النتيجة.

فهم أفضل لأنفسنا

لعل أفضل كنزٍ يمكن للإنسان أن يحصل عليه هو فهمٌ أفضل لذاته ونفسه التي بين أضلعه، وهذا لا يحدث قطعًا عندما نكون منغمسين في النشاطات المهنية والاجتماعية، فتأتي العزلة لتوفر لنا وقتًا كافيًّا لنختبر أفكارنا عن الحياة ولنمحص رغباتنا وأهدافنا، بل وحتى لإعادة النظر في علاقتنا مع الأصدقاء والعائلة ومدرائنا في العمل.§

ختامًا

رغم الفوائد المميزة للعزلة ولكن هذا لا يعني أن نعيش حياتنا كلها في عزلةٍ، بل على العكس لن نحصد نتائج العزلة إلا إذا عشنا حياةً اجتماعيةً طبيعيةً كغيرنا من الناس، لذا يجب عدم المبالغة في العزلة بل يجب جعلها عادةً يوميةً (لبعض الوقت في اليوم) أو ربما شهريةً (يوم أو يومين).

840 مشاهدة