المثالية

الرئيسية » علوم » فلسفة » المثالية

“إنه الشخص المثاليّ، لا أريد سواه”، تفوهت بها صديقتي ومن هنا دار الحديث، ليس حول من يكون ذاك الشخص، بل عن ماذا تعني المثالية ؟ ولماذا أقرت بأنه “مثاليّ”؟

المثالية الأفلاطونية

أفلاطون

المثالية طبقًا لنظرية أفلاطون أن “الواقع والوجود ليسا إلا أفكارنا، وأن لا حقيقة لما يوجد من أشياء مادية فلا يعتمد إلا على إدراك عقولنا، فالحقائق تكمن في مملكة الأفكار”.
توضيحًا لمفهوم أفلاطون أن المثالية تنتمي لعلوم ما وراء الطبيعة (الميتفيزيقية)، فكانت له مبرراتٌ لمعتقداته تلك، كان تصوره أن كل شخصٍ نقابله في الحياة فإنه سيموت يومًا ما، إلا انه سيبقى – بشكل أبدي – “شخص” كفكرة ومعتقد ولن يتغير عن كونه شخص.§

المثالية اصطلاحًا

ورجوعًا لأصول تلك الكلمة فسنجد أنَ أصلها لاتيني وهو “Idealismos”ومن الواضح وجود كلمة “Idea” أي فكرة، أي أن الكون يُدرك بالعقل وليس بالحواس ومن هذا المنطلق فالمادية تُضاد المثالية. §

مثالية اليوتوبيا

يوتوبيا توماس مور

ولنوضح المعنى أكثر، فمن الممكن أن تكون ترددت على مسامعنا كلمة (Utopia) والتي تعني مدينةً لا وجود لها، اليوتوبيا هي قصةٌ كتبها المفكر “توماس مور” في عام 1516 ميلادي، زارها أبطال قصته، وقد روى بها قصةُ في تلك الجزيرةِ التي لا وجودَ لها – أو حتى لساكنيها بالطبع -، وأمتلأت بالقيم والمبادئ والأخلاق وتميزت بأنها بلادٌ للعدل وأنها مدينةٌ تملؤها السعادة، إذ أن مشاكل أوروبا في ذاك الحين لم تكن تواجههم، وذلك يرجع لأن سكان تلك البلدة تمكنوا من حل مشاكل تواجه بلاد بحجم أوروبا ذاتُها!
يتشارك أهل يوتوبيا الطعام على نفس المائدة، لم يكن بها سرقة ولا حتى احتيال، لا نزاعات ولا مجاعات، توافرت بها كل أشكال العدل حتى المساواة بين الرجل والمرأة!
لهذا أُطلقَ عليها “المدينةُ المثالية أو الفاضلة“، وما تميزت به ليس بالأشياء المادية مطلقًا إنما هي أشياء أوجدَها العقل وصورها الذهن، مهما حاول الإنسان فلن يحققها! لكن أليست تلك القيم هي ما تحثُ عليها الأديان السماوية!
فهل تكون اليوتوبيا هي الجنة التي صورتها الكتب السماوية كثوابٍ للصالحين!
لكن البعض اعترض عن أن اليوتوبيا ما هي إلا مدينة خيالية من صنع أفكار البشر، أما الجنة فهي من صنع الإله. §

إذًا يمكننا تعريف الشخص المثالي بأنه شخصٌ ذو أفكار وقيم ومبادئ، وتقرر تلك المبادئ، حُسنها من سوئها، تبعًا لما ينادي به الدين من تصرفاتٍ وقيمٍ تُدرّس، والطبيعة المجتمعية التي ينتمي لها الشخص، فالمعايير ليست من الثوابت لكن يتم تحديدها بناءًا على ما سبق ذكره.

“ما زاد عن الحد انقلب للضد”

إن تُرجمت المثالية للإنجليزية فتكون “Idealism” وليست “Perfectionism” لأنها تعني “الكمالية”، فالكمالية تعني الإيمان بالتمام والكمال في الروح والخُلق موجودان في الحياة، وحتى يصل الشخص للكمال فيبدأ بوضع أهداف صعبة المنال، ويمكن أن تكون غير واقعيةٍ وذلك نظرًا للظروف المتاحة فيما حوله، وهذا بكل تأكيدٍ يوُصل الشخص إلى حالةٍ من الحزن والإحباط إن لم يدرك هذا الهدف، وللإنصاف فهي أيضًا صفةٌ جيدةٌ.

تأثير المثالية والكمالية على الشخص

كلٌّ سمةٍ في شخصيتنا تؤثر على الأُخرى، بعضها بالإيجاب والآخر بالسلب! إذًا ماذا عن المثالية؟ وعلى ماذا تؤثر!
هناك رابطٌ وثيقٌ بين المثالية والكمالية والإبداع، فالشخص المثالي دائمًا ما يفضل المشاعر كالحب والاحترام، إذ أنها أشياء لا حسية تتوافق مع ما ذكرناه في تعريف المثالية، فيترتيب على ذلك أنه يبدأ في المبالغة بتقدير الأشياء والأشخاص، فهو دائم البحث عن الأشياء الغير معتادة بل المتميزة وإن لم يجد ما يبحث عنه، فيسقط في فوهةٍ مليئةٍ بخيبات الأمل!
ويصبح بالتأكيد إدراكهم للمواقف أصعب من ذي قبل، اعتقادًا بأن المثالية فضيلةٌ، لكن إن راجعنا الأمر، فهل للفضيلة أن تأخذ ذلك المنحنى؟ هل من الطبيعي أن تصبح الفضيلة تضر بنا؟
المثالية والكمالية يتحولان إلى غمامةٍ، تعيق رؤية صاحبهما لتقييم إبداعاته!
وبالتالي يصاب المرء بالإحباط، ومن هنا نبدأ في دخول سلسلةٍ من الأضرار النفسية، التي تتنوع بين الاكتئاب والوهن، تترتب عليها قلة الإنتاجية والتوقف عن الإبداع، حتى توصلنا إلى كراهية الذات ومن ثَمَ الشعور بعدم الاستحقاق أو الأهمية، نتيجةً لتوقفه عما كان يُشعره بأهميته، فالبعض يعتبر أن إبداعه هو ما يعطيه قيمة! ولطالما بدأت تلك الحلقة المفرغة، فإنها تستمر وتستمر إلى المالانهاية! أهذا ما يتمناه أي شخصٍ؟. §

ونهايةً، يجب أن نسأل أنفسنا دائمًا ما إن ذكر شخص وجود شخص مثالي هل يعني ذلك بالضروري أن ذاك الشخص مثالي لجميع البشر!