لنعد بالذاكرة قليلًا إلى ما قبل تاريخ الانترنت ولنتخيّل أنك تريد استشارة أخيك الذي يعيش في روسيا في أمرٍ ضروريٍّ ومستعجلٍ، فتكتب رسالةً وتلصق الطوابع وترسلها بالبريد وتنتظر عدة شهورٍ كي تصل وعدة شهورٍ أخرى ليصل الردّ، بينما اليوم تفتح إحدى تطبيقات الانترنت وخلال أجزاء من الثانية يتم الاتصال… هكذا بكلِّ بساطةٍ.

إذن الانترنت؛ هذا الاختراع الذي غيّر وجه العالم… ما هو، وكيف وصل إلى ما هو عليه اليوم!

ما هو الانترنت

الانترنت هو عبارةٌ عن شبكةٍ عالميةٍ من الحواسيب والأجهزة الإلكترونية الأخرى المترابطة معًا، حيث يتم توصيل هذه الأجهزة مع بعضها البعض عبر أجهزة توجيه وخوادم متعددة، ويمكن من خلاله تبادل جميع أنواع المعلومات كالنصوص، والرسومات، والأصوات، والفيديو، وبرامج الحاسوب، وغيرها.

عبر تاريخ الانترنت الطويل؛ لم يُعتبَر أبدًا ملكًا لأحدٍ وإنما تتعاون العديد من المنظمات حول العالم في تشغيله وتطويره، وبالمقابل تكون شركات الهاتف في كل بلدٍ مسؤولةً عن أسلاك الألياف الضوئية الموجودة فيها والتي تصل هذه الشبكة ببعضها البعض حيث يتم من خلالها نقل الجزء الأكبر من بيانات الانترنت.1

مصطلحات متعلقة بالانترنت

قبل البدء بالحديث عن تاريخ الانترنت لابدّ من توضيح بعض المصطلحات التي سترد لاحقًا، فالانترنت يعمل من خلال شبكة توجيه للحزم وفقًا لمجموعةٍ من البروتوكولات منها بروتوكول الانترنت (IP) وبروتوكول التحكم بالنقل (TCP) وغيرها.

  • البروتوكول: هو مجموعةٌ من القواعد التي تحدد كيفية تواصل أجهزة الحواسيب مع بعضها البعض عبر الشبكة. فبروتوكول الانترنت (IP) يقوم بإرفاق العناوين على البيانات المُرسلة من حاسوبٍ إلى آخر وذلك لتحديد الوجهة الصحيحة. أما بروتوكول التحكم بالنقل (TCP) مسؤولٌ عن موثوقية الإرسال، ويعمل وفق مبدأ مفاده أنه عندما يتم إرسال بيانات بين حاسوبين فإن الحاسوب المُستقبِل مسؤول عن إبلاغ الحاسوب المُرسِل عن أي فقدٍ بالبيانات المُرسلة ليتمكن الحاسوب المُرسل من إعادة إرسالها.
  • الحزمة: تُسمى البيانات المُرسَلة عبر الانترنت بالرسالة و هذه الرسالة تتم تجزئتها قبل الإرسال إلى عدة أجزاءٍ تُسمى الحزم، يتراوح حجم الحزمة النموذجي بين 1000 و3000 مقطع، ويتم إرسال الحزم بشكلٍ مستقلٍ عن بعضها، بحيث يقوم بروتوكول الانترنت بتحديد كيفية تغليف الرسائل.
  • شبكة توجيه الحزمة: شبكة تقوم بتوجيه الحزم من الحاسوب المُرسل إلى الحاسوب المُستقبِل، فالانترنت عبارةٌ عن شبكةٍ هائلةٍ من أجهزة حواسيب متخصصة تُدعى أجهزة التوجيه، مَهمّة كل جهاز توجيه هي معرفة كيفية توجيه الحزم من المصدر إلى الوجهة. تحتوي الحزمة على مساحةٍ مخصصةٍ لبيانات التعريف الخاصة بها يمكن تسميتها بالترويسة، حيث يقوم بروتوكول الانترنت بتحديد كيفية إرفاق عناوين الشبكة في ترويسة الحزمة، ويحددّ أيضًا كيفية قيام أجهزة التوجيه بإعادة توجيه الحزم استنادًا إلى العنوان الموجود في الترويسة.2

وهناك أيضًا مصطلح “الشبكة العنكبوتية العالميةWWW” أو “الويب” وغالبًا ما يتم الخلط بينه وبين الانترنت، لكن في الحقيقة فإنّ الويب هو جزءٌ من الانترنت مثله مثل البريد الإلكتروني ومحادثات الفيديو وغيرها.

أي يمكن القول أن الويب هو نظامٌ للتواصل عبر الانترنت يستخدم الارتباطات التشعبية وواجهة رسومية سهلة الاستخدام.

يصف مُبتكِر الويب Tim Berners-Lee الفرق بين الانترنت و الويب كما يلي:

” الويب هو فضاءٌ وهميٌّ (مجردّ) من المعلومات، فباستخدام شبكة الانترنت تستطيع العثور على أجهزة الحواسيب، في حين تعثر باستخدام شبكة الويب على المعلومات المختلفة كالمستندات، والأصوات، ومقاطع الفيديو، وغيرها؛ كما أن طرق الوَصْل في الانترنت هي الكابلات التي تصل بين الحواسيب، في حين أن طرق الوَصْل على شبكة الويب هي ارتباطات النصوص التشعبية، لقد وُجِد الويب كنتيجة للبرامج التي تحقق الاتصال بين الحواسيب المختلفة على شبكة الانترنت فالويب لا يمكن أن يكون موجودًا دون الانترنت، بالمقابل فإنّ الويب هو من جعل الانترنت مفيدًا لأنّ ما يهمُّ الناس حقًا هي المعلومات وليس معرفة الحواسيب والكابلات.”3

تاريخ الانترنت

إنّ الانترنت لا يعدّ اختراعًا فرديًّا لعالِمٍ واحد بل هو ثمرة جهدٍٍ وعمل لعشراتٍ من العلماء والمبرمجين والمهندسين المبدعين فكلُّ واحدٍ منهم قد طوّر ميّزاتٍ وتقنيّاتٍ اندمجت بالنهاية لتشكّل ما نعرفه اليوم بالانترنت.

يمكن القول أن فكرة الانترنت ليست فكرةً عصريّةً تمامًا، فقد تخيّل العلماء بالفعل وجود شبكات معلوماتية عالمية وذلك قبل أن تتوّفر التكنولوجيا اللازمة لبناء الانترنت بزمنٍ بعيد. فلطالما تغنّى العالِم نيكولا تيسلا بفكرة “نظام لاسلكيّ عالميّ” وذلك في بداية القرن العشرين.

وقد وضع بعض العلماء الروّاد كأمثال Paul Otlet وVannevar Bush تصوّرًا لأنظمة تخزينٍ آليةٍ وقابلة للبحث في الكتب ووسائل الإعلام في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.

مع ذلك فإن أولى الخطط العملية للإنترنت لم ترَ الضوء إلا في مطلع ستينيات القرن الماضي وذلك عندما قام العالم Licklider في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بنشر فكرة ” الشبكة الفضائية” لأجهزة الحاسوب، ثمّ طوّر العلماء بعد ذلك بوقتٍ قصيرٍ مفهوم “تبادل الحزم” وهي طريقةٌ فعالةٌ لنقل البيانات وتعتبر إحدى القواعد الأساسية التي بُنِي عليها الانترنت.

ظهر أول نموذج للإنترنت قابل للعمل في ستينيات القرن العشرين وذلك حين تم إنشاء شبكة ARPANET وهي اختصارٌ ل Advanced Research Projects Agency Network بتمويل من وزارة الدفاع الأمريكية، وقد قام هذا المشروع باستخدام تقنية تبادل الحزم كي تُمكّن عدة حواسيب من الاتصال على شبكةٍ واحدة.

لاحقًا استمرت هذه التكنولوجيا بالتطوّر خصوصًا بعد أن طوّر العالمان Robert Kahn وVinton Cref نموذجًا للاتصال يحدد كيفية نقل البيانات بين الشبكات المختلفة وهو بروتوكول التحكم بالنقل (TCP) وبروتوكول الانترنت (IP).

في عام 1983 بدأت شبكة ARPANET العمل باستخدام هذه البروتوكولات TCP/IP، ومنذ ذلك الحين بدأ العلماء بتكوين “شبكة الشبكات” أو ما عرف لاحقًا بالانترنت، ولكن لم يأخذ الانترنت شكله الحالي المألوف إلّا عندما اخترع العالم Tim Berners-Lee الشبكة العنكبوتية العالمية أو ما يدعى بالويب.4

المراجع