قد نكون قد بلغنا في عصرنا هذا من التطوّر ما يجعل الكثيرين في ارتياحٍ وهميٍّ، ولاسيّما فيما يتعلّق بالموارد المائية. إلّا أن الحقيقة خلاف ذلك؛ فمصادر المياه النقيّة، سيّما المياه الجوفية، في تناقصٍ مستمرٍ والثروة المائية العذبة في كوكبنا (2.5% فقط من مجمل مياه الكوكب) تواجه أزمةً حادّةً في وقتنا الحالي. لذلك كان من اللازم إيجاد بديلٍ كافٍ لتغطية احتياجاتنا من المياه النقيّة. وبتوجّه الأبصار إلى مياه المحيطات والبحار ومع الجهود الحثيثة للعلماء والباحثين نجحنا في إيجاد البديل ألا وهو تحلية مياه البحر المالحة.

فما هي عملية تحلية مياه البحر بالضبط؟ وكيف تتمّ؟ وهل يمكننا الاعتماد على هذا المصدر الوفير حقًّا لتغطية احتياجاتنا في المستقبل؟ كل تلك الأسئلة سنجيب عنها في مقالنا هذا، متطرّقين إلى مراحل عملية تحلية مياه البحر بالتفصيل ومستعرضين أحدث الطرق والوسائل العلمية التي توصّلت لها البشريّة في ذلك الصدد.

مفهوم عملية تحلية مياه البحر

تشير تحلية مياه البحر (بالانكليزية: Desalination) إلى عمليّة الإزالة الكاملة أو تخفيف كميّة الأملاح الموجودة في المياه بهدف تحويلها إلى مياهٍ عذبةٍ قابلةٍ للاستخدام، سواءً لأجل الاستهلاك البشري أو لريّ الأراضي الزراعيّة أو حتى في الصناعة.

مع التزايد المستمر للكثافة السكانيّة على كوكب الأرض، فاق مقدار استهلاكُ المياه العذبة مخزونَ الأرض من المياه، ولم يعد بإمكان دورة الماء في الطبيعة تغطية كامل احتياجات السكّان من المياه. لذلك بدأ التوجّه نحو أكبر مصادر المياه ألا وهي البحار والمحيطات (تشكّل 96% من الإجمالي الكلي لمياه الأرض) عن طريق ما يُعرف بعملية تحلية مياه البحر.1

طرق تحلية مياه البحر

في الواقع هناك العديد من الطرق والوسائل التي تمكّننا من تقليل نسبة الأملاح (بشكلٍ أساسيٍّ ملح كلوريد الصوديوم NaCl) من المياه المالحة، وفيما يلي قائمةً بطرق تنقية مياه البحر التي توصّلنا إليها حتى وقتنا الحاضر:

  • التناضح العكسي (Reverse osmosis).
  • التقطير (Distillation).
  • التجميد (Freezing).
  • التبخير الجُزئي (Flash Evaporation).
  • تشكيل مركّب الماءات (Hydrate formation).
  • الديلزة بالكهرباء (Electrodialysis).

إلّا أن هدفنا من هذه القائمة في مقالنا هذا هي الطريقة الأولى في تحلية مياه البحر وهي التناضح العكسي، والتي تمثّل الطريقة الأساسيّة المُتّبعة في الحاضر (أكثر من 60% من مراكز التحلية تعتمد هذه الطريقة) بسبب فعاليّتها الكبيرة وقلّة تكاليفها نسبيًّا.2

عمليّة التناضح العكسي

عمليّة التناضح العكسي

عمليّة التناضح العكسي (Reverse osmosis  أو RO) هي عمليّة فلترةٍ خاصّةٍ تتضمّن غشاءً رقيقًا نصف نفوذ يشتمل على ثقوبٍ صغيرةٍ بشكلٍ كافٍ لتسمح لجزيئات الماء بالمرور عبرها وفي الوقت نفسه تحول دون عبور الجُزيئات الكبيرة كالبكتيريا وجزيئات الأملاح المنحّلة وما سوى ذلك من الشوائب المتواجدة في الماء.

حزمة الأغشية الإفرادية (individual membrane) هي المكوّن الأساسي لتلك العملية، وكل حزمةٍ تتألف بدورها من عدّة أغشيةٍ من الأوراق المُلتفة نصف النفوذة(Semipermeable membrane). وتأتي عادةً هذه الحزم بأقطارٍ ثابتةٍ، 8 أو 6 أو 2 أنش. وهي مصنوعة حاليًا من مادّة الـTFC (غشاء الكومبزت الرقيق Thin-film composite membrane).

تحلية مياه البحر عبر عملية التناضح العكسي

تحلية مياه البحر عبر عملية التناضح العكسي

حسنًا كما يشير اسم العملية، فإن المبدأ الأساسي فيها هو عكس الظاهرة الطبيعية المعروفة باسم التنضاح أو الاسموزية (osmosis)، والتي تتضمّن انتقال المياه من التركيز المرتفع لجزيئات الماء النقيّة (المياه العذبة) إلى التركيز المنخفض لها (المياه المالحة) بهدف تعديل التركيز في الجانبين.

أما في عملية التناضح العكسي فيتم عكس هذه العملية عن طريق مضخّاتٍ قويّةٍ تجبر جزيئات الماء على الانتقال بشكلٍ معاكسٍس للتركيز، أي من التركيز المنخفض لجزيئات الماء العذبة (المياه المالحة) إلى التركيز المرتفع (المياه العذبة في الطرف الآخر من الغشاء نصف النفوذ). وأثناء هذا الانتقال تصطدم جزيئات الماء المشوبة (التي تتضمن الشوائب والأملاح) بغشاء نصف نفوذٍ يسمح لجزيئات الماء الصرفة بالعبور ويمنع الأجسام والشوائب الأخرى من بينها الجزيئات الملحية من العبور.

ومقدار الضغط الواجب تطبيقه على سيل المياه المالحة يعتمد في الواقع على درجة ملوحتها، فكلّما كانت درجة الملوحة مرتفعةً كلما تطلّب الأمر توليد ضغطٍ مرتفعٍ للتغلّب على التناضح الطبيعي للماء.

يُطلق على الماء الخالي من الشوائب الذي يعبر الغشاء نصف النفوذ بالماء العذب أو النقي، في حين أن الماء الذي لم يتمكّن من عبور الغشاء واستمر مع اتجاه الضخ الأساسي دون أن يتم تنقيته يُطلق عليه بالتيار المالح أو الشائب. وهذا الأخير يتم إما توجيهه إلى دورة التحلية من جديدٍ أو طرحه في مياه البحر.3

الهواجس البيئية مع تحلية مياه البحار

حسنًا، عملية تحلية مياه البحر تمكّننا من الحصول على نصف لترٍ من المياه العذبة النقية القابلة للشرب من لترٍ كاملٍ من مياه البحر المالحة. هذا يعني أن نصف اللتر الذي يتم طرحه يحتوي ضعف تركيز الأملاح الذي كان عليه قبل التحلية.

ولقد ذكرنا أن المياه المالحة أو الشائبة مصيرها في النهاية في البحار والمحيطات، فهل لذلك تأثير على البيئة البحرية؟

لحسن الحظ أن العديد من الدراسات الذي خاضت في هذا الموضوع توصلّت إلى أن إعادة طرح المياه المالحة الشائبة في البحار ليس له تأثير يُذكر على الحياة البيئة، حيث وُجد أن التركيز الملحي المُضاعف للمياه المطروحة سُرعان ما ينحلّ في مياه البحر مُضيفًا نسبة ملوحة ضئيلة جدًا إليه، لا تُؤثّر على الحياة البحرية بصورةٍ تُذكر.4

المراجع